من المستفيد من الصراع العسكري بين قسد والحكومة السورية؟

مقال رأي – عروة درويش – من المستفيد من الصراع العسكري بين قسد والحكومة السورية؟
أي تحليل جدي للصراع المحتمل أو القائم بين قسد والحكومة السورية لا يمكن أن ينطلق من الداخل السوري وحده. نقطة البدء المنطقية هي التحول الجاري في بنية النظام الدولي. العالم اليوم يتجه بصورة متسارعة نحو تعددية قطبية، مع تراجع واضح في قدرة أمريكا على لعب دور القوة المهيمنة القادرة على ضبط كل الملفات الإقليمية في آن واحد. هذا التراجع لا يعني الغياب، بل يعني إدارة النفوذ بأدوات أقل مباشرة وأكثر التواءً: تفويض، صراعات بالوكالة، وإبقاء بؤر توتر تمنع الاستقرار الكامل.
من هذا المنطلق، يصبح سؤال «من المستفيد؟» سؤالاً مركباً، لا يملك جواباً واحداً، بل شبكة من الإجابات المتداخلة، تختلف باختلاف مستوى الصراع وحدّته ومداه الجغرافي والسياسي.
تركيا: بين هاجس الأمن ومصلحة الاستقرار
تعيش تركيا مرحلة إعادة تموضع استراتيجية. فهي لم تعد في موقع «الولاء التام» للغرب كما في عقود الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي، لكنها أيضاً لم تنتقل إلى القطيعة. ما تسعى إليه هو توازن بين الشرق الذي تمثله روسيا والصين، والغرب الذي تمثله أمريكا وحلفاؤها. هذا التموضع يجعل الاستقرار في محيطها الإقليمي مصلحة مباشرة لها تسعى إليه بكامل ما أتيح لها من وسائل.
في هذا السياق، ترى تركيا أن قيام كيان كردي مسلح على حدودها الجنوبية يشكل خطراً وجودياً. لكنها في الوقت نفسه تدرك أن الدخول في حرب عسكرية واسعة داخل سوريا قد يتحول إلى مستنقع طويل، خاصة أنّها مضطرّة لمساندة أيّ قوات تعمل بالنيابة عنها، فمن المتوقع ألّا يتمكن أيّ طرف أو ميليشيا محلية من تحقيق الانتصار. سيعني هذا بالنسبة لتركيا: استنزاف مالي ضخم، وكلفة سياسية داخلية، اضطرار للاستمرار بدعم ميليشيات محلية تقاتل عنها، وتداعيات أخلاقية واجتماعية قد تهز الداخل التركي نفسه.
إضافة إلى ذلك، فإن أنقرة اتخذت مساراً سياسياً لمعالجة ملف الصراع مع حزب العمال الكردستاني داخل تركيا. أي حرب واسعة ضد قسد من شأنها تدمير هذا المسار بالكامل، وإعادة إشعال الصراع الكردي الداخلي، وهو ما يخدم خصوم تركيا الذين يرون في تقسيمها أو إضعافها هدفاً استراتيجياً.
من هنا، يمكن فهم أنّ التهديدات المتكررة بعمليات عسكرية غالباً ما تُستخدم كأداة ضغط وتخويف، أكثر منها قراراً نهائياً، مع عدم إمكانية استبعاد الخيار العسكري كلياً بسبب الانقسام داخل الدولة التركية نفسها، ووجود قوى لا تزال ترى مستقبل تركيا مرتبطاً حصراً بالناتو والغرب، وتعارض إعادة تموضعها الاستراتيجي.
الخلاصة هنا واضحة: تركيا لا تستفيد من حرب طويلة بين «قسد» والحكومة السورية، لكنها تسعى لإزالة الخطر الكردي بأقل كلفة ممكنة، ويفضّل أن يتم ذلك عبر ترتيبات سياسية وأمنية لا عبر حرب مفتوحة.
أمريكا: صراع رؤى داخلية حول مستقبل سوريا
في الملف السوري، كما في بقيّة الملفات حول العالم، تبدو أمريكا منقسمة بوضوح. هذا الانقسام لا يقتصر على الخطاب، بل ينعكس في السياسات المتناقضة بشكل لا يقبل التوفيق بينها أحياناً.
هناك تيار من صانعي القرار في الولايات المتحدة يرى أن على أمريكا الانسحاب التدريجي من المنطقة، مع الحفاظ على نفوذ غير مباشر عبر قوى سياسية قادرة على ضبط الأرض ومنع الانفجار، وحماية المصالح الأمريكية الأساسية، وفي مقدمتها أمن إسرائيل ومنع عودة التنظيمات المتطرفة. هذا التيار يرى أن استمرار الحروب سيضعف أي سلطة محلية، ويخلق فراغاً أمنياً لا يخدم أمريكا، بل قد يفرض عودة أمريكية حسيّة مكلفة لاحقاً. من هذا المنظور، فإن نجاح السلطة السورية الحالية، أو على الأقل قدرتها على فرض حد أدنى من الاستقرار، يصب في المصلحة الأمريكية.
في المقابل، هناك تيار آخر من صانعي القرار داخل أمريكا، من خلال تصريحاته وممارساته حول العالم، يبدو أنه يفضل إشعال المنطقة قبل الانسحاب منها. هذا التيار يخشى أن يؤدي الاستقرار إلى فتح المجال أمام قوى منافسة مثل الصين والهند لبناء شراكات اقتصادية واسعة في الشرق الأوسط، وهو محقّ في مخاوفه. لذلك، يرى أن بقاء المنطقة مقسمة وضعيفة وفي حالة صراع دائم يضمن استمرار التفوق الإسرائيلي، ويمنع تشكل فضاءات اقتصادية وسياسية مستقلة.
ضمن هذا الصراع الداخلي، يصبح النزاع بين «قسد» والحكومة السورية أداة مفيدة: فهو يمنع بناء دولة مركزية قوية، ويطيل أمد الحاجة إلى التدخل الخارجي، ويُبقي سوريا خارج أي مسار تنموي حقيقي.
روسيا: الاستقرار كجزء من معركة كبرى
لا يمكن قراءة موقف روسيا بسهولة في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة، لكنها تحمل قدراً من الوضوح رغم ذلك. منذ تخليها عن دعم سلطة بشار الأسد، بالتنسيق مع تركيا، تنظر موسكو إلى سوريا باعتبارها ساحة يجب أن يسودها الهدوء، لا التفجير.
روسيا، وبشكل عام ومؤكد، تدرك أن انفجار سوريا مجدداً قد يؤدي إلى سلسلة تفجيرات إقليمية قد تصل إلى تركيا والعراق وإيران، أي إلى صراعات بينية داخل معسكر تعتبره موسكو ضرورياً في مواجهتها الاستراتيجية مع «الغرب الجماعي». بالنسبة لها، تفجير الشرق الأوسط هو طريق غير مباشر إلى إضعافها هي نفسها.
لهذا، لا مصلحة لروسيا في صراع عسكري واسع بين قسد والحكومة السورية. لكنها في الوقت ذاته ليست قوة متفرجة. من غير المنطقي الاعتقاد أن موسكو لا تمتلك أدوات تأثير: شبكات نفوذ، قوى محلية، وقدرة على تحريك أو كبح أطراف معينة عندما ترى أن مصالحها مهددة. القواعد العسكرية، رغم أهميتها، ليست جوهر هذا النفوذ، بل جزء صغير منه، وهو ما يجب وضعه في الحسبان عند النظر إلى الدور الروسي في المنطقة.
العراق وإيران: حضور غير مباشر لكن مؤثر
العراق لاعب مهم في هذا الملف، ويتبنى إلى حد كبير الموقف الإيراني فيما يتعلق بالحدود مع سوريا ومناطق سيطرة قسد. أي استخفاف بهذا الدور وبتأثير إيران على الموقف العراقي في جميع ملفات المنطقة، يفترض سذاجة سياسية، وكأن قوة إقليمية مثل إيران خرجت من المشهد لمجرد تراجع حضورها العلني المباشر في سوريا، ولا يرى التحوّلات الحاصلة منذ عدّة سنوات، والتي تقارب بين إيران ودول الخليج في الكثير من المواقف من أحداث المنطقة.
صحيح أن تحليل الموقف الإيراني يحتاج إلى أكثر من مقال، لكن المؤكد أن إيران، بمحصلة قواها المتصارعة في الداخل الإيراني، مثلها مثل تركيا، تخشى مشاريع التفتيت الغربية. وهي مضطرة، راغبة أو غير راغبة، لمراعاة الخط العام للقوى الكبرى التي تحصل على دعمها، وعلى رأسها الصين، التي تشكل رئة اقتصادية وتقنية لها في مواجهة العقوبات الغربية، ومسار إمداد عسكري في مواجهة الاعتداءات ضدّها، كالحرب الإسرائيلية التي شهدناها بشكلها العسكري المباشر خلال العام الماضي ضدّ إيران.
من هذا المنظور، لا تبدو إيران مستفيدة من حرب واسعة في سوريا، لأنها تفتح المجال أمام تصعيد إسرائيلي وأمريكي مناوئ لها، لكنها أيضاً تحتفظ بقدرة على التخريب أو الإصلاح عبر شبكاتها، بحسب ما تقتضيه مصالحها المرحلية، وهذا أيضاً شديد الأهمية عند نقاش الدور الإيراني في سوريا.
إسرائيل: المستفيد الأكثر وضوحاً
لا يحتاج موقف إسرائيل إلى كثير من التفكيك. هي تعلن بوضوح أن سوريا مقسمة وضعيفة تخدم أمنها القومي. لذلك، فإن أي صراع بين قسد والحكومة السورية يمثل فرصة ذهبية: استنزاف متبادل، إضعاف للدولة، منع لإعادة بناء جيش وطني، وتوسيع لمساحات الاختراق عبر دعم قوى محلية وميليشيات.
من هذا المنطلق، تبدو إسرائيل المستفيد الأول من تفجير هذا الصراع، وتسعى إليه عبر تحريك بيادقها واستغلال سوء الإدارة، والتناقضات المحلية، ومصالح الجهات المرتبطة بها، واستخدام كلّ خبراتها الاستخباراتية في إشعال الرماد النائم.
القوى المسلحة السورية: فواعل ثانوية تصنع الوقائع
في الداخل السوري، لا يمكن التعامل مع القوى المسلحة باعتبارها كتلاً وطنية متجانسة.
القوات الحكومية لم تتحول بعد إلى جيش موحد بالمعنى الكامل. لا تزال هناك فصائل وميليشيات لا تخضع كلياً للقيادة المركزية، كما أن هذه القيادة نفسها ليست متجانسة دائماً في قراراتها.
في المقابل، «قسد» هي الأخرى تحالف ميليشيات غير متجانس، تتفاوت درجات تبعيته للخارج، ويوحده اليوم خوف مشترك من فقدان السيطرة على مناطقه أو تصفيتها دون ضمانات.
يفتح هذا الباب أمام استغلال القوى التي تريد الفوضى في سوريا لاستغلال هذه الفجوات، والدخول منها لإشعال فتائل الصراع الكثيرة والمتعددة، خاصة أنّ جميع القوى ترفض علنياً الاعتراف بأنّها غير مسيطرة بشكل كامل.
أما القوات المسيطرة في السويداء، فهي، بغض النظر عن صحة ما نُشر عن تعاونها مع أطراف في قسد عبر إسرائيل، ليست قوى نظيفة أو وطنية. الأجدى النظر إليها كميليشيات قابلة للاختراق، استفادت من رعونة قرار الحكومة السورية بالهجوم على السويداء دون حساب لتداعياته على السلم الأهلي. أي تحرك لهذه القوى يجب اعتباره خطراً، لا رصيداً وطنياً.
الصراع لا يخدم الدولة
في الواقع، لا يخدم الصراع العسكري بين «قسد» والحكومة السورية فكرة الدولة ولا الاستقرار. المستفيد الأكبر منه هو كل من يرى في سوريا المفككة فرصة: إسرائيل أولاً، ثم التيارات الدولية التي تريد إبقاء المنطقة ضعيفة ومنقسمة، وأخيراً شبكات اقتصاد الحرب في الداخل التي تعمل كتابع وضيع لمشعلي الفتن، وهؤلاء موجودون لدى جميع الأطراف في سوريا اليوم.
أما الخاسر الحقيقي، فهو سوريا كمجتمع وشعب ودولة، وأي أمل لهؤلاء بإعادة بناء سياسية واقتصادية فعلية. ما لم يُدار هذا الملف بعقل سياسي واضح، يقوم على الضمانات والدمج التدريجي وضبط السلاح ومنع الاختراق الخارجي، فإن الصراع سيبقى أداة بيد الآخرين، لا معركة سيادة كما يُروَّج لها من الجميع ضدّ الجميع.
اقرأ أيضاً: ما وراء الصورة التلفزيونية: بدو سوريا بين البحث عن الدولة والتحلل منها
—————————————————————————
يفتح موقع «سوريا اليوم 24» صفحاته لكل من يحمل رأياً ويرغب في التعبير عنه بحرّية ومسؤولية، إيماناً منا بأن الحوار هو السبيل الأمثل لفهم الواقع وصياغة المستقبل. نحن نُجري لقاءاتنا مع ضيوف من مشارب فكرية وسياسية متعددة، نستمع إليهم ونعرض ما لديهم بأمانة وموضوعية، وننقل الآراء المختلفة من مصادر متعددة. ولكن نشرنا لآرائهم لا يعني بالضرورة تبنّيها، بل يأتي في إطار رسالتنا الهادفة إلى ترسيخ ثقافة الحوار وتبادل الرؤى في فضاء من الاحترام والانفتاح.









