المجتمع السوري

من المسؤول عن اختناق نهر بردى؟

بقلم هلا يوسف

يعد نهر بردى واحداً من أبرز المعالم الطبيعية والتاريخية في مدينة دمشق، إذ ارتبط اسمه عبر قرون طويلة بالحياة الزراعية والاقتصادية والاجتماعية في المدينة. فقد شكل النهر المصدر الأساسي لمياه الشرب والري، وأسهم في ازدهار الغوطة المحيطة بالعاصمة السورية. إلا أن هذا النهر الذي كان يوماً رمزاً للحياة والجمال، يواجه اليوم أزمة بيئية متفاقمة نتيجة التلوث المستمر وتراجع منسوب المياه وغياب المعالجات المستدامة.

وعلى الرغم من حملات التنظيف الدورية التي تنفذها الجهات الرسمية والجمعيات البيئية والمتطوعون، فإن النفايات تعود لتغطي مجرى النهر وضفافه بعد فترات قصيرة، الأمر الذي يظهر أن هناك مشكلات أعمق تتخطى عمليات التنظيف التقليدية. وهذا ما سنناقشه في هذا المقال.

التلوث المستمر وأسباب تفاقم الأزمة

تشهد فروع نهر بردى تراكم كميات كبيرة من النفايات المنزلية ومخلفات المطاعم والمسالخ، بالإضافة إلى تصريف مياه الصرف الصحي بشكل مباشر في مجرى النهر. وتؤدي هذه الممارسات إلى تدهور البيئة المائية وانتشار الروائح الكريهة والحشرات، خاصة خلال فترات انخفاض منسوب المياه في فصل الصيف.

وأوضح محمد خليل مدير الصيانة في محافظة دمشق، أن المحافظة تنفذ أعمال تنظيف وتعزيل بشكل دوري، إلا أن بعض المناطق تعود إلى التلوث بعد أيام قليلة فقط بسبب الرمي العشوائي للنفايات. كما أشار إلى وجود صعوبات عديدة تواجه فرق الصيانة، أبرزها نقص اليد العاملة، وتقادم الآليات، وضعف التوعية البيئية لدى بعض الفعاليات التجارية والسياحية.

وتشمل الإجراءات التي تعتمدها المحافظة التنسيق مع البلديات والجمعيات البيئية وأصحاب المطاعم، بالإضافة إلى إزالة التعديات على حرم النهر، ورفع مصبات الصرف الصحي، ووضع شاخصات تحذيرية، وتسيير دوريات لفرض الغرامات على المخالفين. ومع ذلك، ما تزال هذه الإجراءات غير قادرة على إنهاء المشكلة بصورة نهائية.

ضعف الوعي البيئي ودوره في استمرار التلوث

يرى عدد من السكان والناشطين البيئيين أن السبب الأساسي لاستمرار تلوث النهر يعود إلى ضعف الوعي البيئي لدى جزء من المجتمع. إذ يشيرون إن النهر يعود إلى حالته الملوثة بسرعة بسبب استمرار السلوكيات الخاطئة ورمي القمامة بشكل متكرر.

كما تؤكد الجمعيات البيئية أن كثيراً من المواطنين لا يدركون حجم الضرر الناتج عن إلقاء المخلفات في النهر، سواء على الصحة العامة أو على البيئة والزراعة والمياه الجوفية. وأوضحوا أن تعزيز الوعي البيئي يجب أن يبدأ من الأسرة والمدرسة، عبر برامج تعليمية ومبادرات مجتمعية تشجع على حماية الموارد الطبيعية.

وتشير هذه الآراء إلى أن حملات التنظيف وحدها لا تكفي إذا لم تترافق مع تغيير حقيقي في السلوك اليومي للمواطنين، لأن معالجة النتائج الظاهرة دون معالجة الأسباب الأساسية تجعل المشكلة تتكرر باستمرار.

حملات إحياء نهر بردى خلال سنوات الحرب

لم تتوقف حملات تنظيف نهر بردى رغم الظروف الصعبة التي مرت بها سوريا خلال سنوات الحرب، فقد بقي النهر حاضراً في ذاكرة الدمشقيين بوصفه رمزاً تاريخياً ومصدراً للحياة في العاصمة. ومع تراجع منسوب المياه وازدياد التلوث خلال السنوات الماضية، ظهرت مبادرات تطوعية هدفت إلى إعادة إحياء النهر والحفاظ عليه، حتى في ظل الأوضاع الأمنية والاقتصادية المعقدة.

ففي عام 2017 شارك مئات المتطوعين في حملة تنظيف استمرت أسبوعاً كاملاً، حيث عمل الشباب على إزالة النفايات المتراكمة من مجرى النهر باستخدام أدوات بسيطة مثل المكانس والمجارف والعصي. وجاءت هذه الحملة في وقت كانت فيه مناطق واسعة من البلاد تشهد أعمال قصف واشتباكات مستمرة، الأمر الذي جعل المشاركة في أعمال التنظيف محفوفة بالمخاطر.

وأشار أحد المتطوعين إلى أن الخوف من القصف أو سقوط الصواريخ كان يرافق المشاركين بشكل دائم، إلا أن ارتباطهم العاطفي بالنهر ورغبتهم في رؤية بردى كما كان في الماضي دفعهم إلى الاستمرار. كما عبر عن تأثره بالحكايات التي كان يسمعها من جده حول فيضانات النهر القديمة ودوره الحيوي في حياة سكان دمشق.

وفي الفترة نفسها، قادت جمعية أصدقاء دمشق عدداً من المبادرات البيئية تحت شعار “لنغسل بردى”، بهدف نشر الوعي البيئي وتشجيع السكان على المشاركة في حماية النهر. وأوضح مازن حمور، رئيس مجلس إدارة الجمعية، أن قضية بردى لا ترتبط بالنظافة فقط، بل تؤثر بشكل مباشر على المياه الجوفية والزراعة والصحة العامة، ولذلك اعتبر أن الحفاظ على النهر يمثل قضية بيئية وإنسانية في آن واحد.

تأثير الحرب والتغير المناخي على تدهور النهر

في الحقيقة ساهمت سنوات الحرب في تفاقم المشكلات البيئية المرتبطة بالنهر، خاصة مع تضرر محطات معالجة المياه وضعف الرقابة على مصادر التلوث. وأشار أحد الباحثين البيئيين إلى أن بعض مناطق النزاع، مثل الغوطة الشرقية، شهدت تسرب مخلفات وذخائر سامة إلى مجرى النهر نتيجة المعارك التي استمرت لسنوات، الأمر الذي زاد من تلوث المياه.

كما أدى تراجع الخدمات العامة والأزمة الاقتصادية إلى استمرار تصريف النفايات الصناعية ومياه الصرف الصحي بشكل مباشر في النهر، بالإضافة إلى رمي مخلفات المطاعم والمدابغ في بعض المناطق القريبة من مجراه، مثل منطقة الربوة. لذلك عند انخفاض منسوب المياه، تصبح الروائح الكريهة والحشرات من المشاهد المعتادة في محيط النهر.

إلى جانب ذلك، لعب التغير المناخي دوراً إضافياً في تدهور الوضع البيئي، إذ انخفض معدل تدفق مياه النهر بشكل كبير مقارنة بما كان عليه في ستينيات القرن الماضي.

وفي ظل الأزمة الاقتصادية التي شهدتها البلاد خلال الأعوام الأخيرة، تراجعت قدرة الجمعيات والمبادرات الأهلية على تنظيم حملات واسعة كما كان يحدث سابقاً.

وفي إطار البحث عن حلول طويلة الأمد، أطلقت جامعة دمشق عام 2022 مبادرة “إحياء نهر بردى” بإشراف الباحثة غادة بلال، بهدف إعداد دراسات علمية متخصصة لمعالجة أسباب التلوث ووضع خطط مستدامة تشمل إدارة النفايات، والتخطيط العمراني، والحد من التعديات على مجرى النهر. وترى المبادرة أن المعالجة الحقيقية لا تقتصر على تنظيف المياه فقط، بل تشمل حماية النظام البيئي للنهر وضمان استدامته مستقبلاً.

باختصار، إن ما يحدث اليوم في نهر بردى ليس أمراً بسيطاً يمكن تجاهله، فالنهر الذي كان يوماً مصدر حياة وفخر لأهالي دمشق أصبح يعاني من التلوث والإهمال بشكل كبير. وإذا لم ينتبه الناس إلى خطورة ما يحدث، ولم يغيروا طريقة تعاملهم مع البيئة والنهر، فإن الأضرار ستزداد مع الوقت، وسيدفع الجميع الثمن من صحتهم وبيئتهم ومستقبل مدينتهم. وقد يأتي يوم لا يبقى فيه من بردى سوى اسمه وذكرياته.

اقرأ أيضاً: أراضي الجعيلة في قدسيا: انتهى عهد وضع اليد أم حالة خاصة؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى