من اللوحة إلى السينما.. ماذا يحمل أسبوع الفن في سوريا؟

بقلم هلا يوسف
الكثير من الفنون كانت تنتظر أن يُسلَّط الضوء عليها في سوريا الجديدة، ففي ظل الكثير من المشاهد التي أُعيدت صياغتها، كان المشهد الفني يلتمس طريقه الجديد تحت رعاية وزارة الثقافة. وبما أن الكثير من الفنانين في أشكال الفنون المختلفة ليس لهم صوت مسموع، جاء أسبوع الفن ليكون صوتاً لهم، ويخرجهم من عتمة التهميش إلى ضوء الإعلام.
في فعالية “أسبوع الفن في سوريا” بنسخته الأولى، ستجد الكثير من الفعاليات الصغيرة التي تأخذ من كل حقل زهرة، فهناك لوحات وصور، وموسيقى حية، وأفلام سورية، ونقاشات تجمع فنانين ومهتمين بالثقافة في مكان واحد.
انطلق الأسبوع أمس الجمعة بمشاركة نخبة من الفنانين السوريين، وحضور وزير الثقافة محمد ياسين صالح، ووزير الاتصالات وتقانة المعلومات عبد السلام هيكل، إلى جانب عدد من السفراء والشخصيات الرسمية والدبلوماسية.
وكان المكان الذي استضاف الفعالية أكثر ما يلفت الانتباه. فموقع الوردة الشامية، المعروف سابقاً باسم “وردة مسار”، لا يزال قيد الإنشاء، وجاء اختياره ليجسد فكرة التجديد، فمثلما يُعاد صياغة مكان الفعالية، يمكن للفن والثقافة أن يعيدا رسم دربهما ضمن مرحلة إعادة البناء.
من دمشق.. رسالة دعم للفنان وحقه في الاختلاف
ركزت كلمة وزير الثقافة محمد ياسين صالح خلال الافتتاح على دور الفنان السوري، لتكون الكلمة بمثابة تأكيد دعم الوزارة للفنانين التشكيليين وحرصها على توفير بيئة تسمح لهم بالعمل بحرية، مع احترام استقلال الفنان وحقه في الاختلاف.
وتوقف الصالح عند مشروع ترميم مرسم الفنان الراحل فاتح المدرس، معتبراً أن هذه الخطوة تحمل رسالة تقدير للفنانين وللدور الذي يمكن أن يؤديه الفن في تقديم أفكار ورؤى جديدة للعالم.
بينما شملت كلمته أيضاً كل الفنانين السوريين داخل البلاد وخارجها، لتكون رسالة الوزارة لهم: “نحن نقف بجانبكم”، كما شدد الوزير على دعم التجارب الفنية المختلفة، وضرورة توفير مساحة تسمح بتعدد الأفكار من دون وصاية على المشهد الفني.
ولا يبدو أن الأمر يتوقف عند فعاليات أسبوع الفن، إذ تحدث الصالح عن توجه الوزارة للتعاون مع القطاع الثقافي المستقل لتنفيذ مشاريع تهدف إلى تطوير الفنون البصرية، ومن بينها مشروع مؤسسة “بينالي السوريين”، الذي يستهدف إقامة نسخته الأولى في دمشق وربطها بمنصات فنية في مدن الشتات.
وكان للمكان أثره الخاص في نفوس الحضور، فقد عبّرت الفنانة منى واصف عن سعادتها بإطلاق “أسبوع الفن” في مبنى قيد الإنشاء، معتبرة أن اختيار المكان يعكس حركة التطور التي تشهدها البلاد، ومؤكدة أن ارتباطها بدمشق وتعلقها بها يجعلان هذا الحراك مصدر فخر لها.
أما رئيس مجلس إدارة تجمع الأعمال السوري بشر الشلّاح، فأوضح أن البرنامج صُمم ليجمع أكثر من مجال فني، من الفنون التشكيلية والتصوير الفوتوغرافي إلى الأفلام الوثائقية والقصيرة والحفلات الموسيقية، حتى يكون الضوء مسلطاً على الفنان السوري وإتاحة الفرصة لضيوف من المشهد الثقافي العالمي للتعرف إلى تجربته داخل بيئته.
أربعة عروض موسيقية.. من التراث إلى الموسيقى البديلة
إذا كانت اللوحات والصور تمثل جانباً من الأسبوع، فإن الموسيقى ستكون حاضرة بقوة أيضاً. حيث ستمتد فعالياتها بين 13 و18 أيلول، بينما يبدأ البرنامج الموسيقي بعرض مسبق اليوم 12 أيلول، بإشراف وتنسيق المايسترو دلامة شهاب.
وتبدأ العروض مع كورال “حنين وحلم”، ثم يأتي عرض أوركسترا وكورال “جدل” في اليوم التالي، بينما يشهد 16 أيلول عرضين، الأول لأوركسترا “ديكسيلاند للشباب”، والثاني لفرقة “أربعة ونص”.
اقرأ أيضاً: السينما في سوريا.. لماذا تراجعت الصالات وهل عودتها إلى حياة السوريين ممكنة؟
كورالات تمتلك خبرتها وفرقها الموسيقية
تشارك يوم الافتتاح 31 عضواً من جوقتي كورال السيدات والكورال المختلط، بحسب ما صرحت به الدكتورة نهى بشور، مؤسسة ومديرة “حنين وحلم”. وسيقدم الكورال برنامجاً متنوعاً من الأغاني الشرقية، يجمع بين التراث والموشح وأعمال فيروز وزياد الرحباني وجوليا بطرس وميادة بسيليس وإياد الريماوي وغيرهم، لكن بأسلوب “أكابيللا”، من خلال توزيع الأغاني على أربعة أصوات وأحياناً أكثر، لتظهر بطريقة مختلفة عما اعتاد الجمهور سماعه.
أما أوركسترا وكورال “جدل”، الذي تأسس عام 2023، فسيقدم فناً قائماً على إعطاء مساحة للشباب السوري للتعبير عن هويتهم وإبداعهم وتطلعاتهم.
بينما يقدم مشروع “ديكسيلاند للشباب” تجربة موسيقية يقودها دلامة شهاب، وتركز الأوركسترا على رعاية الجيل الجديد من الموسيقيين السوريين، مع تقديم الموسيقى الكلاسيكية والجاز والموسيقى العالمية، إلى جانب توزيعات معاصرة لأعمال سورية.
في حين ستكون فرقة “أربعة ونص” حاضرة عبر جمعها بين الكلاسيكيات العربية المجددة والأغاني العالمية المعاد توزيعها والمؤلفات الأصلية.
السينما السورية تحكي قصصاً من الذاكرة والمنفى
ولأن “أسبوع الفن” متنوع وشامل لجميع الفنون السورية، سيكون المشهد السينمائي حاضراً أيضاً وبقوة عبر أربع ليالٍ من العروض السينمائية السورية، إذ تبدأ في 14 أيلول، بتنظيم وإعداد “صالون دمشق السينمائي” بدعم من “مساحة أفلامنا”، تحت عنوان “أفلام سورية تعود إلى الوطن”.
والجذاب في هذا الحقل من الفن أن الأمسيات لن تنتهي بانتهاء الفيلم، بل سيكون هناك جلسة أسئلة وأجوبة خاصة بالفيلم المعروض، وغالباً بحضور مخرج العمل، مما يسمح بسماع سردية القصص الواقفة خلف الأفلام.
وستبدأ العروض بفيلم “يونان” للمخرج أمير فخر الدين، الذي يتابع رحلة كاتب منفي إلى جزيرة نائية، حيث يجد نفسه أمام الحزن والتواصل الإنساني والأمل، قبل أن يستعيد رغبته في الحياة.
أما فيلم “أستحبس” للمخرج المراد الديب، فهو تجربة ذاتية تجريبية تتناول الاعتقال في فرع 215، وتربط بين تفاصيل التجربة المؤلمة والذكريات والمكان.
وفي الفيلم الروائي القصير “نهار عابر” للمخرجة رشا شاهين، تقلب الحرب حياة امرأة، قبل أن يجمعها لقاء قصير برجل، فيكشف هذا اللقاء حاجة الاثنين إلى التواصل، قبل أن يعيدهما واقع المدينة القاتم إلى حياتهما.
ويتناول الفيلم الوثائقي “فاطمة” للمخرجة ديالا هنداوي قصة طفلة سورية تبلغ 11 عاماً وتعيش مع عائلتها في خيمة وسط فقر شديد، بينما يقدم “سليمى” للمخرج جلال ماغوط قصة فتاة كانت جزءاً من الثورة السورية منذ بدايتها وتعرضت للاعتقال مرتين، لكنها حافظت على تمسكها بمساعدة الآخرين.
أما “3350كم” للمخرجة سارة قنطار، فيروي حكاية أب وابنته فرّقتهما مسافة 3350 كيلومتراً طوال سبع سنوات، هو في سوريا وهي في المنفى بباريس، ولا يبقى بينهما سوى الحديث عبر الإنترنت.
وتختتم العروض بفيلم “هذه ليلتي” للمخرجة جفرا يونس، الذي يتابع قصة روبا، وهي فنانة تعاني من اكتئاب شديد وتعيش مع والدها المتقاعد، قبل أن تخبره في أحد الأيام بأنها تمر بأزمة شديدة وتنوي القيام بأمر خطير خلال الساعات المقبلة.
وباختصار، ما ينتظر السوريين في “أسبوع الفن” أشكالاً فنية متنوعة، تلقي بضوئها على إبداع مرسوم بريشة فنان، وصورة ملتقطة بعدسة مبدع، وفيلم أدواته التمثيلية من المخرج لأصغر ممثل من مخرجات المجتمع وكلياته، وبذلك كل العروض السابقة عنوانها “الفنان السوري المبدع بأسبوع”.
اقرأ أيضاً: الفنادق في سوريا أمام خيار التجديد أو التوقف عن العمل!









