المجتمع السوري

من الفساد إلى التحول الرقمي..مراكز السجلات المدنية تفتح صفحة جديدة

بات من المعروف أن الفساد كان ينخر جميع المرافق الحكومية في زمن النظام السابق، حتى وصل إلى مكاتب استخراج الأوراق الحكومية الخاصة بالسجلات المدنية، ومع الظروف الاقتصادية وأزمات الكهرباء والإنترنت التي كانت سائدة آنذاك، تم فتح مجال للفساد بشكل أكبر، وللرشاوى التي كان على المواطن إنفاقها يميناً وشمالاً لاستخراج ورقة واحدة، لكن مع سقوط النظام والتحسن الملحوظ بالخدمات الكهربائية أصبح هناك مجال لمعالجة الفساد، ومحاولة تطوير خدمات النافذة الواحدة.

فقد افتتح وزير الداخلية أنس خطاب أمس، مركزاً جديداً للأحوال المدنية في مجمع يلبغا بشارع الثورة وسط دمشق، وقد مثل هذا الافتتاح خطوة عملية نحو مكافحة الفساد، وإصلاح قواعد البيانات، والانتقال إلى التحول الرقمي بحسب خطاب، مما يساهم في تسهيل معاملات المواطنين وضمان حقوقهم في الحصول على أوراقهم الثبوتية دون عناء.

مركز مجهز بخدمات حديثة

وقد حل المبنى الجديد محل المركز القديم في شارع الثورة، والذي كان متهالكاً ومكتظاً، ما جعل الخدمات بطيئة ومرهقة للمواطنين بحسب تصريح مدير الأحوال المدنية، عبد الله عبد الله الذي أضاف قائلاً: “لم يكن المركز القديم مؤهلاً، فقررنا نقله كخطوة لتطوير الإدارة وتسهيل الخدمة للمراجعين”.

هذا ويضم المركز الجديد عشرات المكاتب المخصصة لاستقبال الطلبات وإنجازها، إضافة إلى صالة انتظار حديثة وشاشات إلكترونية لتنظيم الدور وعرض أرقام معاملات المراجعين.

إنهاء عهد الفساد في السجلات المدنية

العديد من المواطنين عبروا عن التغييرات التي لمسوها في خدمات السجلات المدنية بعد عودة عملها عقب سقوط النظام بأشهر، فقد قال أحد المراجعين: “استخراج القيد الفردي لم يستغرق أكثر من دقيقة ونصف، والأهم أننا لم نعد بحاجة إلى سماسرة أو دفع رشاوى، لقد تخلصنا من الاستغلال والإهانة التي كنا نعيشها سابقاً”.

وبحسب شهادات الأهالي كان المواطنون في دمشق يضطرون في الماضي لدفع مبالغ مالية لأشخاص يرتدون البدلات العسكرية، ولا سيما من عناصر “كتائب البعث”، الذين تولوا مهام الموظفين والحراسة وتنظيم الدور، وكان هؤلاء يفرضون المال مقابل أي ورقة رسمية أو حتى مجرد الدخول إلى مراكز الشؤون المدنية.

وتعقيباً على الفساد قال عبد الله عبد الله مدير الأحوال المدنية: “مرت علينا سنوات كنا ندفع فيها المال لثلاثة أو أربعة أشخاص قبل الحصول على ورقة واحدة”.

وقد كشفت العديد من التقارير الإعلامية عن وجود شبكات سماسرة في دمشق أيام النظام السابق، عملوا في الخفاء مع بعض الموظفين وضباط الداخلية، لتسهيل إصدار وكالات مزورة أو معاملات غير قانونية، مثل استخراج بيانات عائلية أو جوازات سفر أو تثبيت ولادات، ما فاقم حجم الفساد داخل المؤسسات المدنية.

برنامج جديد أكثر أماناً وأسرع خدمة

يقدم المركز الجديد جميع الخدمات المدنية الأساسية مثل القيد الفردي، البيان العائلي، وتسجيل واقعات الزواج والطلاق والولادة، وغالباً لا تستغرق الإجراءات سوى دقائق معدودة.

ومن أبرز التغييرات التي ترافق مع افتتاح المركز الجديد، إدخال برنامج تقني حديث تحت اسم “الشؤون المدنية الجديد”.

وقد أوضح رئيس السجل المدني في دمشق يوسف غانم أن البرنامج المستخدم الآن كان قد طُوِّر سابقاً في إدلب، وأنه سيتم تعميمه على بقية المحافظات السورية قريباً.

كما أشار إلى أن البرنامج السابق كان مخترقاً ومعقداً ويحتاج إلى تحديثات مستمرة، بينما النسخة الجديدة أكثر أماناً وسهولة، وتتيح إدخال البيانات واستخراج الأوراق وطباعتها بسرعة أكبر، مما يوفر وقتاً وجهداً على الموظفين والمواطنين.

واستطلاعاً لآراء الموظفين بهذا التغيير، أكد الموظف صفوان حمود أن البرنامج الجديد ساعد في البحث السريع عن بيانات المواطنين والوصول إليها بسهولة. وأضاف: “كنا نعاني سابقاً من بطء النظام وعدم القدرة على تحديث البيانات بسهولة، أما الآن فالعملية لا تستغرق سوى دقائق معدودة”، وأشار إلى أن هناك خطة لتوحيد قاعدة بيانات شاملة لجميع المواطنين السوريين في مختلف المحافظات.

اقرأ أيضاً: الإجازة التجارية التركية: تسهيلات لرجال الأعمال والموظفين السوريين

توحيد الهوية البصرية للشؤون المدنية

كان قد تحدث وزير الداخلية أنس خطاب عن خطوة جديدة تعمل عليها الوزارة، وهي توحيد الهوية البصرية للشؤون المدنية، وأوضح أن هناك حالياً أربع هويات مختلفة موزعة في شمال شرقي سوريا، شمالي حلب، إدلب، والمناطق الخاضعة للنظام سابقاً، مؤكداً أن العمل جارٍ لإنجاز الهوية الموحدة بحلول نيسان 2026.

وفيما يتعلق بالفساد الإداري السابق، أشار الوزير إلى أن أسبابه تعود إلى ضعف مرتبات الموظفين والاعتماد على المعاملات الورقية، مؤكداً أن الانتقال إلى التحول الرقمي الكامل هو السبيل لإنهاء هذه الممارسات.

وأكمل الوزير كلامه بالإشارة إلى أن هذا المشروع ليس سوى البداية لأن العمل جارٍ على افتتاح مراكز جديدة للأحوال المدنية في باقي المحافظات، وشدد على أن الشكل الحالي لهذه المراكز يمثل مرحلة انتقالية سيتم تطويرها لاحقاً، بما يتناسب مع متطلبات العصر والتحول الرقمي.

من جهته، أوضح المتحدث باسم الوزارة نور الدين البابا أن عملية تنقية السجلات المدنية من البيانات المزورة والوهمية لا تزال مستمرة، مشيراً إلى أن النظام السابق أضاف معلومات وهمية للتلاعب بسجلات المواطنين. وقال: “نسعى جاهدين إلى التحول الرقمي الكامل والتخلي عن السجلات الورقية، مع الحفاظ على بيانات حقيقية وموثوقة تسهل خدمة المواطنين”.

تحديات تواجه الأحوال المدنية

بالرغم من الجهود الكبيرة المبذولة لإصلاح وتحديث عمل الشؤون المدنية، إلا أن هذه العملية لا تزال تواجه عقبات كبيرة تتجاوز مجرد دمج قواعد البيانات في نظام واحد.

أولى هذه العقبات تتعلق بالبنية التحتية الضعيفة، فشبكات الكهرباء والاتصالات في كثير من المناطق غير مستقرة، الأمر الذي يعرقل عمل الأنظمة الإلكترونية الحديثة ويجعل الاعتماد عليها محفوفاً بالمخاطر، كما أن المراكز القديمة لم تُهيأ بعد لاستيعاب التكنولوجيا الجديدة.

العقبة الثانية ترتبط بنقص الكوادر المؤهلة، فالنظام الجديد يحتاج إلى موظفين يمتلكون خبرة تقنية وإدارية عالية في التعامل مع البرمجيات وقواعد البيانات المركزية، وهذا النوع من الكفاءات غير متوفر بالعدد الكافي حالياً، ما يفرض الحاجة إلى برامج تدريب وتأهيل واسعة.

بالإضافة إلى السابق هناك صعوبات جغرافية متعلقة بالامتداد الواسع للمحافظات وضعف شبكة المواصلات اللذان يعيقان وصول المواطنين في المناطق النائية إلى المراكز العاملة، كما أن الظروف الأمنية والاقتصادية تضيف مزيداً من التعقيد، سواء في تنقل المواطنين أو في توزيع التجهيزات وتدريب الكوادر على النظام الجديد.

وتمثل عملية استعادة الثقة بمؤسسات الدولة أهمية كبيرة، فمع السنوات الطويلة من الفساد والروتين وسوء الخدمة جعلت المواطن يفقد ثقته بالمؤسسات الحكومية، واستعادة هذه الثقة تتطلب صدق واضح في الأداء وتقديم خدمات ملموسة وفعالة يشعر بها المواطن مباشرة.

وفي هذا السياق يقول الناشط المدني والصحافي علي الحسين إن عودة مديريات الشؤون المدنية إلى العمل، حتى وإن كانت بطيئة ومليئة بالعقبات، تبقى خطوة ضرورية لإعادة الحد الأدنى من الحياة المدنية المنظمة ولدور الدولة في توثيق هويات المواطنين ووقائع حياتهم.

ويضيف أن نجاح هذه العودة لن يُقاس بمجرد تشغيل المراكز، بل بمدى قدرة المواطن العادي في السويداء أو دير الزور أو ريف حلب على تسجيل ولادة طفله أو استخراج هويته دون معاناة أو تكاليف باهظة، ويرى أن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة النظام الجديد على تجاوز عقود من التشرذم والإهمال، مؤكداً أن الأسابيع والأشهر المقبلة ستكون اختباراً جدياً لمدى واقعية هذه التحولات الإدارية.

اقرأ أيضاً: سيرياتيل تعتمد الشريحة الإلكترونية.. خطوة جديدة على طريق المنافسة مع (MTN)

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى