سياسة

هل تتحول التوغلات الإسرائيلية إلى واقع حدودي دائم في القنيطرة؟

الكاتب: أحمد علي

دخلت خمس آليات عسكرية إسرائيلية بلدة الصمدانية الشرقية في ريف القنيطرة الشمالي صباح 19 تموز 2026، وأقامت حاجزاً مؤقتاً فتشت عنده المارة، وفق ما نقله الإعلام الرسمي. وفي التوقيت نفسه تقريباً، قالت الوكالة إن القوات الموجودة في نقطة الحميدية أطلقت ثلاث قذائف هاون وقذيفة دخانية باتجاه المنطقة الواقعة بينها وبين مدينة السلام، من دون تسجيل إصابات. وكانت ست آليات قد تحركت مساء اليوم السابق حول سد كودنة، ترافقها طائرات مسيرة، ثم عادت من حيث أتت.

تفاصيل الحادثة جاءت من الجانب السوري، ولم يظهر في المصادر العلنية بيان “إسرائيلي” يشرح سبب الحاجز أو القصف. كما لا تكفي دورية انسحبت أو نقطة تفتيش مؤقتة لإثبات تغيير دائم في الحدود، لكن مقارنة الواقعة بما تكرر منذ سقوط حكم بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024 تكشف مساراً أطول، قوامه مواقع عسكرية ثابتة وطرق جديدة وحواجز تظهر حول القرى نفسها.

الصمدانية والحميدية هنا طرفا حركة ميدانية واحدة. تنطلق القوة من موقع قائم، تدخل بلدة أو تقطع طريقاً زراعياً، تفحص الهويات أحياناً، ثم تنسحب إلى النقطة التي خرجت منها. السؤال الذي يطرحه هذا النمط هو ما إذا كانت “إسرائيل” تنفذ عمليات أمنية قابلة للتراجع، أم تبني تدريجياً نطاقاً تتحكم داخله بالحركة من دون إعلان حدود جديدة.

التوغلات الإسرائيلية ومسار ثابت

أقام كيان الاحتلال الإسرائيلي وجوده الجديد في القنيطرة بعد 8 كانون الأول 2024، حين تقدمت قواته إلى منطقة فصل القوات التي تشرف عليها الأمم المتحدة وإلى مواقع تقع شرقها. وقالت الحكومة الإسرائيلية يومها إن ترتيبات 1974 فقدت فاعليتها بعد انسحاب الجيش السوري من مواقعه، وقدمت التحرك بوصفه إجراءً مؤقتاً لحماية الحدود إلى أن يظهر ترتيب أمني بديل. لكن الأمم المتحدة ودمشق تعاملتا معه بوصفه خرقاً للاتفاق ولسيادة سوريا.

اتفاق فصل القوات الموقع في 31 أيار 1974 رسم خطين عسكريين، تلتزم القوات الإسرائيلية بالبقاء غرب الخط «أ»، بينما تقع الأراضي شرق هذا الخط تحت الإدارة السورية. تفصل بين الخطين منطقة تنتشر فيها قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك «أندوف»، وهي القوة العسكرية الوحيدة التي يجيز الاتفاق وجودها هناك. أما الخطوط نفسها فلا تنشئ سيادة جديدة ولا تمنح أي طرف حق ضم الأرض.

التقرير الذي قدمه الأمين العام للأمم المتحدة إلى مجلس الأمن في 2 حزيران 2026 يوضح حجم التغيير الميداني. فقد بقي الجيش الإسرائيلي، حتى 14 أيار، في 11 موقعاً على الجانب السوري من خط الفصل. ثمانية من هذه المواقع داخل منطقة الفصل، بينها مستشفى ميداني مؤقت، وثلاثة داخل منطقة تقييد القوات الواقعة إلى الشرق. استمرار العدد نفسه الذي وثقه تقرير أممي سابق حتى 13 شباط يعني أن الانتشار حافظ على بنيته طوال أشهر، ولم يعد مرتبطاً بأيام الاضطراب الأولى وحدها.

تظهر الأخبار المحلية أيضاً تكرار المسارات، إذ تحدثت «سانا» في الأول من كانون الأول 2025 عن ثلاث آليات خرجت من الحميدية ومرت بالصمدانية الشرقية في اتجاه جبا وأم باطنة، ثم أقامت حاجزاً قبل انسحابها. وفي 16 آذار 2026 دخلت قوة الصمدانية الغربية وفتشت منزلين، ثم تحركت ثلاث آليات بعد عشرة أيام من نقطة الحميدية نحو مدينة السلام. لا تقدم هذه الوقائع خريطة كاملة لكل التحركات، لكنها تبين أن حادثة 19 تموز جاءت على طريق مستخدم سابقاً وترتبط بمواقع انطلاق معروفة.

مؤشرات البقاء

تنقل أعمال الحفر وشق الطرق الوجود العسكري من دوريات متنقلة إلى انتشار قابل للاستمرار. وقد سجل مراقبو الأمم المتحدة تدعيم حواجز داخل منطقة الفصل، كما أشاروا إلى تضرر مساحات زراعية وتعذر وصول السكان إلى أراض أخرى. وقيّد الجيش الإسرائيلي حركة دوريات «أندوف» 13 مرة خلال فترة التقرير الممتدة من منتصف تشرين الثاني 2025 إلى 13 شباط 2026. وهذه الإجراءات تمنح القوة الموجودة قدرة على ضبط المكان حتى عندما لا تكون آلياتها ظاهرة داخل القرى.

وكان قد أفاد سكان من ريف القنيطرة في تشرين الثاني 2025 بوضع بوابة حديدية على الطريق بين الحميدية والصمدانية الغربية، وقالوا إن الوصول إلى الأراضي الزراعية أصبح أكثر صعوبة. وسجلت الأمم المتحدة شكاوى تتصل بتفتيش منازل واحتجاز أشخاص ومنع بعض الأهالي من الرعي أو الزراعة. لا توجد بيانات عامة تقيس الخسائر الزراعية أو عدد المتضررين، لذلك يصعب تقدير الكلفة الاقتصادية بدقة. لكن الأثر المباشر واضح مع ذلك، لأن المزارع الذي يحتاج إلى المرور من حاجز عسكري لا يملك حرية الوصول المعتادة إلى أرضه، وقد يخسر وقت العمل أو موسم الحصاد إذا أُغلق الطريق.

التصريحات الإسرائيلية تنقل مسألة البقاء من مستوى الاحتمال إلى خيار سياسي معلن. قال وزير الدفاع يسرائيل كاتس في 28 كانون الثاني 2025 إن القوات ستبقى على قمة جبل الشيخ مدة غير محددة، ثم قال في 14 حزيران 2026 إن الجيش سيبقى في المناطق الأمنية داخل سوريا ولبنان وغزة إلى أجل غير مسمى لحماية الحدود والبلدات الإسرائيلية. وفي 31 آذار تحدث رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن أحزمة أمنية عميقة وراء الحدود، وحدد امتدادها في سوريا من قمة جبل الشيخ إلى نهر اليرموك.

تقول “إسرائيل” إن هذا العمق يمنع اقتراب قوات معادية ويوفر إنذاراً مبكراً بعد هجوم 7 تشرين الأول 2023. ويمنح الانتشار في مرتفعات القنيطرة وجبل الشيخ أفضلية في المراقبة، كما يبعد أي احتكاك محتمل عن خط وقف إطلاق النار القديم. المستفيد الأمني المباشر هو الجيش الإسرائيلي وفق هذا التصور، بينما تتحمل القرى السورية قيود الحركة وتراجع سلطة المؤسسات المحلية على الطرق والأراضي القريبة من المواقع.

تثبت هذه المعطيات نية لإطالة الوجود العسكري أكثر مما تثبت حدوداً سياسية مكتملة. لم تتضمن المصادر التي راجعها التقرير إعلاناً حكومياً بضم الشريط الذي دخلته القوات بعد كانون الأول 2024، ولا قراراً منشوراً بإنشاء بلدات مدنية “إسرائيلية” داخله. كما يواصل مجلس الأمن التعامل مع اتفاق 1974 بوصفه الإطار الناظم للمنطقة، وقد جدد في 25 حزيران 2026 ولاية «أندوف» بالقرار 2824. السيطرة العسكرية المتواصلة تستطيع صنع حدود عملية في حياة السكان، لكنها لا تحول خط الانتشار إلى حدود معترف بها.

حدود الأمر الواقع

فتحت سوريا و”إسرائيل” في كانون الثاني 2026 جولة محادثات أمنية بوساطة أميركية، واتفق الطرفان على آلية اتصال مخصصة لخفض التصعيد وتبادل المعلومات ومعالجة الخلافات. طرحت دمشق العودة إلى خطوط ما قبل 8 كانون الأول 2024 وضمان سيادتها، بينما ركز الجانب الإسرائيلي على نزع السلاح في الجنوب وترتيبات أمنية إضافية. لم يعلن عن التزام إسرائيلي بالانسحاب الكامل، ولم تمنع الآلية استمرار الدوريات والحواجز حتى حادثة تموز.

تكشف هذه الفجوة حدود المسار الدبلوماسي الحالي. فآلية الاتصال قد تمنع حادثة من التحول إلى مواجهة أوسع، لكنها لا تعيد الطريق بين قريتين إلى الإدارة السورية ولا تزيل موقعاً عسكرياً. قوة «أندوف» تراقب الانتهاكات وترفع التقارير، ولا تملك تفويضاً يتيح لها فرض الانسحاب. أما دمشق فتطالب باستعادة الأرض عبر التفاوض، في ظل تفاوت كبير في القدرة العسكرية وصعوبة فرض شروطها ميدانياً.

تظهر آثار هذا الواقع يومياً في الطرق التي تفتح وتغلق، وفي قدرة المزارعين على الوصول إلى الحقول. كما تمنح المواقع المرتفعة القوات الإسرائيلية سيطرة أوسع على حركة الدوريات. استمرار هذه البنية سيدفع السكان والسلطات إلى التعامل معها كقيد ثابت، حتى لو بقي توصيفها الرسمي «منطقة أمنية مؤقتة».

بدأت منطقة أمنية “إسرائيلية” بحكم الأمر الواقع تتشكل في القنيطرة، ويعزز احتمال دوامها بقاء 11 موقعاً عسكرياً وأعمال البنية الميدانية والتصريحات الرسمية عن وجود غير محدد المدة. لا توجد حتى الآن حدود قانونية جديدة أو ضم معلن للشريط الذي دخلته القوات بعد 2024. سيتغير هذا التقدير إذا ظهر جدول انسحاب قابل للتحقق، وأزيلت الحواجز التي تقيد القرى، وعادت «أندوف» والسلطات السورية إلى العمل وفق خطوط اتفاق 1974. من دون ذلك ستبقى الصمدانية والحميدية جزءاً من نطاق تتحكم إسرائيل في حركته، بصرف النظر عن الاسم الذي يمنح له في البيانات السياسية.

اقرأ أيضاً: ماذا تقول صحف الكيان حول التطبيع مع سوريا وما الهدف؟!

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى