المجتمع السوري

من “شم الشعلة” إلى المخدرات.. مرحلة أولى تخطف الأطفال في سوريا

بقلم: ريم ريّا

ظاهرة استنشاق اللواصق والمذيبات (شم الشعلة) من الظواهر الاجتماعية القديمة نسبياً في سوريا، لاسيما بين الأطفال والمراهقين في الأسواق والأحياء الفقيرة. وبالرغم من أنها ليست جديدة لكنها ما تزال حاضرة بقوة في الشارع السوري، حتى باتت تعامل على أنها أمر اعتيادي وهامشي الوجود. على الرغم من أضرارها الصحية والاجتماعية الواضحة والتي تُرى بالعين المجردة… أطفالٌ مُترنحون في الشارع بلا إدراك وفي حالة هذيان، وأغلبهم بلا أهل ومشردون وتلاحظ عزلتهم عن المحيط.

في السنوات الأخيرة، ومع تصاعد الحديث عن انتشار المخدرات في البلاد، عاد السؤال ليطرح نفسه: هل شم الشعلة ظاهرة مستقلة بذاتها، أم أنها تشكل بديلاً رخيصاً أو مرحلة أولى في مسار التعاطي؟

شم الشعلة في سوريا بديل رخيص أم هروب مؤقت

لا إحصائيات دقيقة عن عدد الأطفال الذين يستنشقون اللواصق أو المذيبات (الشعلة)، لكن في شوارع سوريا المشهد مألوف.. طفل منزوي على نفسه في أحد أركان الشارع أو على قارعة الرصيف أو في الأبنية المهجورة بيده إحدى اللواصق أو المذيبات موضوعه في “كيس” ويقوم باستنشاقها. مشهدٌ مألوف في ساحة سعد الله الجابري في حلب والحدائق العامة فيها، في شوارع دمشق وحمص، وعلى الكورنيش البحري في اللاذقية وطرطوس.

ينتشر شم الشعلة غالباً في البيئات الأكثر فقراً، إ يعمل الأطفال في الشوارع أو يتواجدون فيها لساعات طويلة. أعمارهم تبدأ من سنٍ صغير ربما من (7 إلى 9) سنوات والأكبر بينهم تتراوح أعمارهم ما بين (14 – 16) عاماً.

“الشعلة” هي اسم علامة تجارية لمادة لاصقة محلية الصنع، تستخدم كلاصق سريع للجلود والفيبر والكاوتشوك والفلين والإسفنج والكرتون وغيرها من المواد. والشعلة مادة كيميائية قابلة للاشتعال، مكونة من مادة البولي كلوروبرين ربر (مصنفة كمادة خطرة من قبل لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا)، إضافةً إلى مذيبات عضوية مثل التولوين ومواد مساعدة أخرى، يزيد استنشاقها من كيس بلاستيكي من خطر الاختناق. وهذه المواد متاحة نسبياً، ورخيصة الكلفة مقارنةً بالمخدرات المعروفة، ولا تحتاج إلى شبكات توزيع معقدة وأسعارها زهيدة. لهذا السبب يُنظر إلى الشعلة من قبل الأطفال على أنها وسيلة سهلة للهروب المؤقت من الجوع أو التعب أو القلق، وربما يستنشقون الشعلة بحكم ما تربوا عليه في الشارع دون إدراك منهم لطبيعتها السامة.

من الناحية الصحية، يسبب استنشاق الأبخرة الناتج عن الشعلة أضراراً مباشرةً على الجهاز العصبي، ويؤدي في بعض الأحيان إلى فقدان مؤقت للوعي، وصداع مزمن، إضافةً إلى اضطرابات في التركيز والسلوك، ومخاطر طويلة الأمد على الدماغ والجهاز التنفسي.

كما يؤكد الدكتور يوشع عمور، المختص بالأمراض النفسية وعلاج الإدمان، أن الشعلة تؤدي إلى مشاكل خطيرة في الجهاز التنفسي وتصل مباشرة إلى الدماغ، مما قد يتسبب في وفاة الأطفال إذا استمر التعاطي. وعن شعور الطفل بعد استنشاق الشعلة، قال عمور إنه في بادئ الأمر يشعر بحالة من النشوة والسعادة والطاقة، ثم يصاب بالخمول والتعب ومشاكل في البصر والتهابات في الأعصاب، كما يتأثر سلوكه، مثل بقية الإدمان على المخدرات، إذ يلجأ إلى السرقة والعنف والطرق غير الشرعية لتأمين ثمن الشعلة.

الأطفال، بحكم نموهم غير المكتمل، هم الفئة الأكثر هشاشة أمام هذه التأثيرات، ما يجعل الظاهرة أكثر خطورة مما تبدو عليه في ظاهرها.

اقرأ أيضاً: خطورة الزج بالأطفال في الصراع السياسي.. من منظور نفسي واجتماعي

هل شم الشعلة منفصل عن المخدرات أم أنه بدايتها؟

زاد استخدام المواد المخدرة بنسبة 167% وإساءة استخدام الأدوية الموصوفة بنسبة 150% بعد عام 2011. وفي دراسة صادرة عام 2021، باتت سوريا مركزاً عالمياً لإنتاج “الكبتاغون” المخدر، وأنها أصبحت أكثر تصنيعاً وتطوراً تقنيا ًفي تصنيع المخدرات من أي وقت مضى، بحسب مركز “COAR”.

في حين، أكد تقرير المخدرات العالمي 2025 الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) أن سوريا برزت في السنوات الأخيرة كمصدر رئيسي لحبوب الكبتاغون في منطقة الشرق الأدنى والأوسط. فقد أدى عدم الاستقرار داخل سوريا إلى خلق بيئة خصبة لازدهار إنتاج هذه الحبوب المخدرة وتهريبها، مما أغرق المنطقة بفيض من الأقراص المحظورة. وتُبيّن معطيات الأمم المتحدة أن معظم حبوب الكبتاغون المضبوطة في المنطقة كانت منشؤها سوريا بنسبة كبيرة، مع مساهمة أقل من لبنان المجاورة.

في السياق السوري، يصعب التعامل مع ظاهرة شم الشعلة بوصفها سلوكاً معزولاً أو هامشياً، فهي نتاج مباشر لسنوات  طويلة من الفقر والنزوح وتراجع التعليم، إلى جانب تفكك البنية الأسرية، وهي الظروف نفسها التي وفرت بيئة خصبة لانتشار المخدرات لاحقاً.

سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي وتراجع مؤسسات الرعاية الاجتماعية أسهمت في خلق فراغ واسع، ملأته شبكات الاتجار والتعاطي، دون أن يقابله تدخل منظم يحد من تمدد الظاهرة أو يعالج جذورها. ضمن هذا السياق، يظهر شم الشعلة كأحد أشكال التعاطي البدائي، لا باعتباره مخدراً بالمعنى القانوني، بل كمدخل سلوكي ونفسي لفكرة تغيير الوعي والهروب الكيميائي من الواقع.

في 2019، كشفت رئيسة دائرة المخدرات بوزارة الصحة ماجدة حمصي عن تقارير حول انتشار تعاطي الشعلة بين طلاب المدارس، لكنها قالت حينها إن ذلك لا يزال ضمن دائرة الشائعات مشيرةً إلى أن هذه الظاهرة لم تكن موجودة مسبقاً في المجتمع السوري ولم تكن ضمن الانتباه، لكنها الآن انتشرت بكثرة وتفاقمت بسبب الظروف. وأوضحت أن مشغلي الأطفال بالتسول يستخدمون المادة لإجبار الأطفال على العمل والعودة للمشغل من أجل الحصول عليها، كونها تعطي نفس مفعول المخدر، محملة مسؤولية معالجة الظاهرة لوزارة الشؤون الاجتماعية آنذاك.

ولا توجد أي مسوحات أو أرقام دقيقة لمدى انتشار ظاهرة إدمان الأطفال على رائحة لاصق الشعلة، لكن هذا الإدمان وانتشاره السريع بات يشجع الأطفال على السرقة والتسول لتأمين سعر الجرعة اليومية والتي قد تصبح جرعتين أو ثلاث أو أكثر على المدى الطويل.

بدوره حذر المدير العام للطبابة الشرعية في سوريا زاهر حجو عام 2019، من تفاقم الظاهرة، قائلاً إنها نوع من إدمان المذيبات الطيارة تسبب حالة نشوة وفرط نشاط تستغرق نحو 15 دقيقة، ثم لا يلبث الطفل أن يطلب المادة ويدخل في حلقة مفرغة.

بالرغم من ذلك، لا يمكن الجزم بأن شم الشعلة يقود بالضرورة إلى تعاطي المخدرات، إلا أنه في الواقع السوري الحالي يشكل مؤشراً مبكراً على هشاشة اجتماعية عميقة، وعلى مسار غير معالج يبدأ من الشارع وينتهي في كثير من الحالات داخل دوائر الإدمان والجريمة، في بلدٍ لم يضع بعد سياسة واضحة لمواجهة هذه التحولات.

فالطفل الذي يمارس هذا السلوك يفعل ذلك في بيئة باتت المخدرات فيها أكثر حضوراً وأقل كلفة وأكثر تطبيعاً للظاهرة مما كانت عليه في السابق، ما قد يزيد من احتمالية الانتقال لاحقاً إلى مواد أشد خطورة، تحديداً في ظل غياب برامج وقاية اجتماعية أو تدخل اجتماعي منظم.

تدخل الدولة بين العمل الأمني والمعالجة الناقصة

في السنوات السابقة، كان تدخل الجهات الرسمية في سوريا تجاه قضايا أطفال الشوارع، ومن بينهم من يقومون بشم الشعلة، من زاوية أمنية وربما قانونية بالدرجة الأولى. كثيراً ما جرى توقيف هؤلاء الأطفال على خلفيات السرقة أو التشرد، وإحالتهم إلى محاكم الأحداث أو مراكز الاحتجاز المخصصة لهم. لكن من دون إطار واضح لمعالجة سلوكهم كحالة اجتماعية وصحية كذلك.

في الحقيقة، لا توجد معلومات دقيقة ومعلنة على نطاق واسع حول أحكام قضائية متخصصة تتعلق حصراً “بشم الشعلة”، وغالباً ما يُدرج الفعل ضمن قضايا أخرى. هذا الغياب للتشريعات أو البرامج الواضحة يعكس محدودية المقاربة الرسمية، التي ركزت على الضبط أكثر من الوقاية أو إعادة التأهيل.

بالمحصلة، لا يمكن تحميل الأطفال أنفسهم مسؤولية واقع فرض عليهم، المسؤولية تتوزع بين الظروف الاقتصادية القاسية، وضعف شبكات الحماية الاجتماعية. إلى جانب أن الأطفال المشردين تغيب عنهم الرقابة الأسرية. ومعالجة ظاهرة شم الشعلة وتبعاتها لا تكون عبر المقاربة الأمنية وحدها، بل تتطلب برامج تدخل مبكر تشرف عليه وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة الصحة معاً. فهؤلاء الأطفال بحاجة إلى توفير دعم نفسي وصحي واجتماعي.

في النهاية، شم الشعلة ليس مجرد سلوك عابر في الشارع، بل علامة تحذير اجتماعية، تكشف عن خلل أوسع، ومعالجتها الجدية هي خطوة أساسية في الحد من مسارات الإدمان التي قد تكون طريقاً للمخدرات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى