أعمال واستثمار

من الشجرة إلى المعصرة.. إدلب تستعد لموسم الزيتون

بقلم: ريم ريّا

في حقول إدلب، تقترب لحظة ينتظرها المزارعون طوال العام. الأشجار تستعد للقطاف، والعمال يتهيأون للنزول إلى الحقول، فيما تبدأ المعاصر برفع جاهزيتها لاستقبال محصول الزيتون وتحويله إلى زيت. وبين الشجرة والمعصرة، تبدأ مرحلة لا تقل أهمية عن الموسم نفسه، لأن جودة الزيت لا يحددها حجم المحصول وحده، بل ما يحدث للثمرة منذ لحظة قطافها وحتى تخزين الزيت.

اقترب موسم عصر الزيتون لعام 2026، فتتجه الجهات المعنية في إدلب إلى تنظيم عمل المعاصر وتشديد الضوابط الفنية والصحية والتموينية والبيئية، بما يحفظ حقوق المزارع، ويحد من المخالفات، ويضمن وصول المنتج النهائي إلى المستهلك بجودة أفضل.

تبدأ رحلة الزيت من الحقول

بالنسبة للعديد من العائلات المزارعة، يعتبر موسم الزيتون مورد دخل مرتقب بشدة من موسم لآخر، وأي تراجع في جودة المحصول أثناء النقل أو العصر يسبب أضرار تتجاوز مجرد التأثير على الثمار نفسها.

وهذا ما يبرز أهمية التنسيق بين الجهات المعنية وأصحاب معاصر الزيتون قبل بدء الموسم. فقد نظمت مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك في إدلب ندوة متخصصة لاستعراض المتطلبات الفنية والصحية والتموينية والبيئية، ومناقشة التحديات التي تواجه أصحاب المعاصر وآليات معالجتها. وتشمل هذه المبادرة “مكتب الزيتون” ومديريات البيئة والصناعة والزراعة والتجارة الداخلية وحماية المستهلك، في سعي منها لتحديد مواعيد دقيقة لبدء عمليات العصر بما يتناسب مع الظروف الجغرافية والمناخية لكل منطقة.

أجرة العصر.. بند صغير في الظاهر وكبير في حسابات المزارع

في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج والحصاد والنقل، تصبح رسوم العصر من العوامل المؤثرة في الحسابات المالية للمزارعين وربما تأخذ المنحى الحاسم فيها. ولذلك، تلزم اللوائح التنظيمية أصحاب المعاصر بعرض أسعارهم بوضوح على لوحات يراها المزارعون. ولا تقتصر أهمية هذا الإجراء على مجرد معرفة السعر بشكل مسبق، بل تتيح للمزارعين حساب تكلفة إنتاج الزيت بدقة، بدل اكتشاف تكلفة الخدمة فقط بعد انتهاء عملية العصر.

كذلك، تساهم شفافية الأسعار في تنظيم العلاقة بين الطرفين، إذ تلزم المعصرة بتطبيق سعر معلن وخاضع للرقابة، مما يمنع تحديد الأسعار بناءً على تقديرات عشوائية أو اتفاقات تتسم بالغموض.

فالمعصرة ليست مجرد آلة، بمجرد وصول الزيتون إلى المعصرة، تبدأ مرحلة حساسة من عمر الزيت، فإما أن تحافظ على جودة الثمار أو تضر بها. ونتيجةً لذلك، تشدد اللوائح على ضرورة التنظيف الدوري للآلات والمكابس وخطوط الإنتاج، وتعقيم خزانات تخزين الزيت، وضمان سلامة المياه المستخدمة في عمليات الغسيل والعصر. كما تفرض التوجيهات الالتزام بدرجات حرارة محددة لعملية الاستخلاص على البارد، مما يساعد في الحفاظ على خصائص الزيت وجودته.

هنا، تصبح النظافة جزءاً لا يتجزأ من جودة المنتج، وليست مجرد إجراء شكلي ويُعمل به على عجل، فالزيت الخارج من المعصرة هو نتاج سلسلة متكاملة من العمليات، وأي خلل في أي مرحلة منها قد يؤثر على المنتج النهائي.

اقرأ أيضاً: أجور قطاف الزيتون في طرطوس.. موسم الرزق تحت ضغط التكاليف

“الزيبار”.. الوجه الآخر لموسم العصر

لا يقتصر نتاج موسم الزيتون على الزيت بمفرده، إذ تنتج عمليات العصر مياهاً “عادمة” ومادة “الزيبار” (وهي بقايا داكنة ولزجة)، وهي مخلفات تتطلب إدارة سليمة للحيلولة دون تحولها إلى مخاطر بيئية. وتحظر اللوائح والقوانين بصرامة التخلص العشوائي من هذه المخلفات في الأراضي أو المجاري المائية، إنما يجب تجميعها ونقلها إلى منشآت معالجة مرخصة بالتنسيق مع الجهات المعنية.

يضفي هذا الجانب نتائج مؤثرة على الموسم، إذ لا يقاس نجاح المعصرة بكمية الزيت المنتجة، بل أيضاً بمدى كفاءتها في إدارة النواتج الثانوية لعملية العصر. فلا ينبغي أن تكون حماية المنتج الزراعي على حساب سلامة التربة أو المياه المحيطة بالمنشأة.

الزيت يحتاج إلى حماية من الشجرة إلى العبوة

 تتحرك عجلة الزيتون في إدلب على أكثر من مستوى. العمال يستعدون للقطاف، المزارعون يحسبون تكاليف الموسم، المعاصر تجهز معداتها، والجهات الرقابية تستعد لمتابعة التنفيذ. وفي هذه السلسلة، لا تقع المسؤولية على طرف واحد. فالمزارع يحتاج إلى معاملة واضحة وأجرة معلنة، وصاحب المعصرة مطالب بالحفاظ على الشروط الفنية والصحية والبيئية، والجهات المختصة مطالبة بتحويل التعليمات إلى رقابة فعلية.

لذلك، فإن قيمة موسم الزيتون لا تختصر بكمية الزيت الخارجة من المعاصر. القيمة الحقيقية تكمن في قدرة هذا الموسم على حماية تعب المزارع، والحفاظ على جودة المنتج، وتقليل أثر المخلفات، وتعزيز ثقة المستهلك بما يصل إلى مائدته. فالزيت لا يصبح ثميناً عند وضعه في العبوة فقط، بل منذ اللحظة التي تمتد فيها يد العامل إلى أول ثمرة على الشجرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى