من السومرية إلى بولندا..ما هي طرق حل النزاعات على الملكية العقارية؟

بقلم: هلا يوسف
مع سقوط النظام في سوريا بدأت العديد من المشكلات تطفو على سطح الشارع السوري، ومنها النزاع على الملكية العقارية في العديد من المناطق التي استولى عليها النظام السوري السابق. لكن إثارة هذه القضايا، هي والمخالفات العقارية التي نشأت فوقها، بشكل غير منسق ولا مرتب، ودون ظهور قوانين واضحة يتمّ الإعلان عنها بشكل مسبق، يعني أخذ الموضوع إلى مناحي تسيء للحكومة السورية التي تعلن وتبذل جهود في محاولة تحقيق العدالة بين مكونات الشعب، الأمر الذي يثير استغراب الكثير من الأوساط الاجتماعية والقانونية. وربّما آخر هذه القضايا التي احتلّت الإعلام هي قضية مخالفات السومرية التي تطغى قضيتها على مواقع التواصل الاجتماعي.
لكن نحن في هذا المقال بصدد تقديم حلول من تجارب دول خاضت مشكلة النزاعات على الملكية العقارية بعد سقوط أنظمتها، واستطاعت حلها عبر تحقيق العدالة لجميع الأطراف، والجدير بالذكر أنّ هذه الحلول قد لا تنطبق بشكل حرفي على حالة المخالفات والنزاع على الملكية في سوريا – مخالفات السومرية ضمناً، ولكن يمكن للعقل المبتكر أن يستخدم هذه الحلول ليخرج بحلول إبداعية للحالة السورية عموماً، والسومرية خصوصاً.
مساكن السومرية والنزاع على الملكية العقارية على أراضيها
على الرغم من وجود العديد من المناطق التي قام النظام بالاستيلاء عليها – كالمزة 86 مثلاً، والتي لم يقرب لها أحد منذ سقوطه، إلا أن الدخول إلى منطقة السومرية بهذه الطريقة ومنح الأهالي فقط 72 ساعة للإخلاء مع ما رافقه من أنباء عن عمليات اعتداء على الأهالي، يثير ريبة المتابعين.
وما إيقاف عمليات الإخلاء في الوقت الحالي إلا جزء من سياق أوسع ضمن محاولة الحكومة السورية تحقيق العدالة ضمن الأطر القانونية وهذا ما أكدت عليه في العديد من المناسبات، والدليل على ذلك ما تبع هذه التصرفات من تحركات حكومية بتوجيه عدم إخلاء المنطقة، ودعوة من خرجوا منها بالعودة إليها، وإحالة الملف إلى محافظة دمشق لدراسته وحله.
ولا بد هنا من ذكر أن المجموعة التي دخلت للمنطقة، تارةً تدعي تبعيتها لأهالي معضمية الشام، وتارة تقول أنها تابعة للجنة الإسكان العامة، مع التشويش الذي يتحمل مسؤوليته بشكل جزئي الإعلام الرسمي.
ولا يمكن أن يتم استبعاد أن يكون هناك أهداف شخصية من محاولة تأجيج هذا الموضوع الآن، وما محاولات صبغه بطابع طائفي إلّا كي يتم تمريره دون عوائق. ونقصد بالأهداف الشخصية استفادة أشخاص ما من المنطقة كونها ستدخل ضمن مناطق إجراء مشاريع تجارية أو سكنية.
لكن للأسف، ورغم محاولتنا لتتبع الأسباب الحقيقة لهذه المشكلة، إلا أنها لا تزال موضع غموض، وكلّ ما تتناقله وسائل الإعلام عن الموضوع إمّا مجتزئ أو غير موضوعي، ولهذا لا يمكننا إلا أن نستمر بتتبع الموضوع كي لا ننضم إلى جوقات التحريض أو التبرير غير الموضوعي.
لذلك سنكتفي بنقل تجارب بعض الدول في حل هذه المشاكل بعد سقوط أنظمتها ضمن الأطر القانونية.
ليبيا وحل مشكلة النزاع العقاري قبل وبعد سقوط القذافي
لليبيا تجربة طويلة مع مشاكل النزاع على الملكية العقارية، واقد انقسمت إلى ما قبل سقوط القذافي وما بعد سقوطه، وقد تناول مشروع بحثي آليتين رئيسيتين لمعالجة النزاعات العقارية التي نشأت بسبب قوانين صدرت في عهد القذافي، والتي قيدت الملكية الخاصة بشكل كبير، ويمكن اختصار هذان القانونان بالقانون رقم 4 لسنة 1978 المتعلق بالمساكن والأراضي والمباني، والقانون رقم 123 لسنة 1970 المتعلق أساساً بالأراضي الزراعية، وبحثت هذه الدراسة كيفية إدماج هذه الآليات في جهود ليبيا نحو العدالة الانتقالية، بافتراض وجود حكومة موحدة وفق الاتفاق السياسي الليبي.
تمثلت الآلية الأولى في لجنة رسمية تأسست عام 2006 لمعالجة مشاكل تطبيق القانون 4، حيث شمل البحث عمل لجنة الإشراف في طرابلس واللجان الفرعية في طرابلس وبنغازي وسبها، أما الآلية الثانية فهي أقل رسمية، وتمثلت في دور القيادات التقليدية والمجتمع المدني التي لجأت إليها بعض المجتمعات لحل النزاعات الناتجة عن القانون 123، خاصة في مناطق مثل بني وليد والمرج وأوباري.
وبحسب نتائج البحث لهذه الدراسة أن نزاعات الملكية العقارية تزايدت بعد سقوط نظام القذافي، فقد تم تطبيق القانون 4 على ما بين 56 ألف و75 ألف عقار، لكن عدد الطلبات المقدمة للجنة 2006 لم يتجاوز 25 ألف طلب، مما يعني أن عدداً كبيراً من الملاك ما زالوا بانتظار حلول عادلة، وحتى الذين حصلوا على تعويضات يطالب بعضهم اليوم باسترجاع عقاراتهم بدلاً من الاكتفاء بالتعويض، بينما زاد الصراع السياسي والعسكري في صعوبة تطبيق الحلول وخصوصاً في بنغازي التي دُمّرت العديد من المباني فيها، ووقعت الحكومة الليبية بين نارين، هما “ما إذا كان ينبغي إعادة الأراضي لأصحابها الأصليين أو إعادة البناء لصالح الشاغلين الحاليين”.
أما القانون 123 المختص بالأراضي الزراعية، فقد طُبق غالباً على أراضي قبلية تعتبر مشاع، مما يجعل حصر العقارات المتأثرة به أمراً صعباً، ومع ذلك، تظهر مؤشرات واضحة في بعض المناطق مثل مشروع الجبل الأخضر الزراعي الذي يضم أكثر من أربعة آلاف مزرعة نموذجية، حيث أدت النزاعات فيه أحياناً إلى أحداث عنف وسقوط ضحايا.
وإذا نظرنا إلى الاستجابة الحكومية بعد ثورة شباط 2011، فيمكن وصفها بأنها لم تكن كافية،إذ برزت دعوات لإلغاء قوانين النظام السابق وتعويض المتضررين، وتبعاً لذلك قدّم الملاك السابقون ثلاثة مشروعات قوانين لمعالجة آثار القانونين السابقين، ركزت جميعها تقريباً على إعادة العقارات إلى أصحابها أو تعويضهم عند تعذر الرد، مع اقتراح تشكيل لجنة مشابهة للجنة 2006، بينما تطرق مشروع واحد فقط إلى القانون 123، حيث دعا إلى إلغائه وإرجاع الأرض لمالكها السابق مع السماح للشاغل بالبقاء في المسكن وجزء من الأرض.
كما أظهر البحث أن بعض الحلول جاءت من المبادرات القبلية دون تدخل من الحكومة بشكل مباشر، مثل ما حدث في المرج حيث تبنى الشيوخ حلولاً عملية رغم مخالفتها لنصوص القانون 123، في حين في مناطق أخرى مثل بني وليد لم يتم اللجوء إلى القيادات التقليدية ربما بسبب الخوف من تعارض الحلول مع القانون القائم.
اقرأ أيضاً: وزارة المالية السورية تعيد منح براءات الذمة المالية لأغراض نقل الملكيات العقارية
جنوب أفريقيا وقانون نزع الملكية
لعل أجدد حل أو مشروع حل لنزاعات الملكية العقارية هو تجربة جنوب أفريقيا، فقد وقع الرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا في كانون الثاني من هذا العام قانون نزع الملكية، بعد نقاشات برلمانية حادة ومعارضة قوية من حزب التحالف الديمقراطي، أحد شركاء الائتلاف الحاكم.
يعطي هذا القانون الحق للحكومة في مصادرة الأراضي الخاصة، بغض النظر عن عرق المالك وذلك لأن جنوب أفريقيا فيها الكثير من الأقليات البيض، وبذريعة استخدامها في مشاريع عامة مثل البنية التحتية أو إعادة توزيع الموارد بشكل عادل، وبحسب هذا القانون أي أرض خاصة يتم نزع ملكيتها من صاحبها يتم تعويضه بشكل عادل، إلا في ظروف استثنائية لا يتم تعويض المالك.
ولهذا التشريع تاريخ طويل يعود إلى عام 1975 الذي تم إقراره خلال حقبة الفصل العنصري، والذي تعرض لانتقادات بسبب غموضه وعدم وضوح آليات التعويض فيه، ألا أن القانون الجديد جاء ليحل محله.
لكن أثار هذا القانون الخوف لدى بعض أفراد مجتمع الأفريكانز من نزع أراضيهم قسراً، مما قد يؤثر سلباً على قيمة ممتلكاتهم، والجدير بالذكر أن حزب التحالف الديمقراطي معروف بدفاعه عن مصالح البيض والأفريكانز، وهو المنافس السياسي الرئيسي لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي الحاكم.
كما أنه تجدر الإشارة إلى أن البيض، ومعظمهم من أحفاد المستعمرين الأوروبيين الأفريكانز ما زالوا يحتفظون بنفوذ اقتصادي كبير في البلاد، حيث يملكون نحو 70% من الأراضي رغم أنهم لا يشكلون سوى 7% من السكان.
من جانب آخر أشارت حكومة رامافوزا أن الهدف من القانون هو تصحيح التفاوت التاريخي وتمكين المجموعات المهمشة مثل السود والنساء والأشخاص ذوي الإعاقة، كما أكد مكتب الرئاسة في شباط الماضي أن القانون لا يسعى للاستيلاء على الأملاك بل إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، وأوضح أنه “إجراء دستوري يضمن وصولاً عادلاً إلى الأراضي”، كما أشار إلى أن دولاً أخرى تطبق قوانين مماثلة توازن بين المصلحة العامة وحقوق الملكية، وحتى منتصف أيار لم تقم الحكومة بأي عملية نزع ملكية قسري من دون تعويض.
بولندا وتأميم الأراضي والممتلكات
في 26 أكتوبر 1945، أصدرت الحكومة الشيوعية البولندية، برئاسة بوليسلاف بيروت، مرسوماً يقضي بتأميم جميع الأراضي في العاصمة وارسو، وقد جاء في المرسوم أن الهدف من هذه الخطوة هو إعادة بناء العاصمة بشكل منظم، وتطويرها بما يلبي احتياجات السكان، إضافة إلى تسهيل الاستحواذ على الأراضي واستعمالها بصورة صحيحة، وذلك انتقلت ملكية جميع الأراضي داخل حدود وارسو إلى بلدية العاصمة.
لكن المرسوم لم يشمل المباني نفسها، بل اقتصر على الأراضي فقط، وقد سُمح لأصحاب الأملاك المصادرة بالمطالبة بالتعويض خلال ستة أشهر، إلا أنه لم يتم تقديم التعويض إلا لفئة قليلة جداً من أصل 17 ألف مطالبة تمت الموافقة عليها، وبحسب تاريخ بولندا انتقلت الملكية إلى بلدية وارسو أولاً، ثم استحوذت عليها وزارة الخزانة البولندية عام 1950، وبعد سقوط الشيوعية عام 1990 أعيدت إدارتها إلى مدينة وارسو.
وفور سقوط النظام الشيوعي عام 1989 قدّم آلاف الملاك السابقين وورثتهم طلبات لاستعادة ممتلكاتهم في وارسو، واستمرت عملية إعادة الممتلكات حتى عام 2018، وخلال هذه السنوات صدر نحو 4000 قرار بإعادة الخصخصة، شملت حوالي 450 عقاراً يقطنها أكثر من 4500 عائلة، أي ما يزيد على 17 ألف مستأجر، ومع ذلك لا تزال آلاف الطلبات عالقة بسبب معارضة بعض نشطاء المستأجرين، ووجود مشاريع تجارية مشبوهة أو غير قانونية، إضافة إلى صعوبات إدارية.
هذه القضايا أثارت جدلاً واسعاً، حيث يرى المطالبون أن إعادة الخصخصة تعني تصحيحاً لمظالم تاريخية، بينما يعتبر المستأجرون والنشطاء أنها تؤدي إلى إخلاء السكان، خصوصاً كبار السن، بطرق ملتوية، وتعرقل تطوير المدينة، وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأزمة بين السكان الأصليين والسكان الحاليين قد بلغت ذروتها عندما قُتلت الناشطة المدافعة عن حقوق المستأجرين جولانتا برزيسكا عام 2011، وهو ما أثار الخوف لدى السلطات من تشكيل مجموعات جريمة منظمة في قضايا إعادة الخصخصة للإستفادة منها، وقد حظيت بعض هذه القضايا باهتمام واسع في الإعلام البولندي والدولي.
لكن في عام 2021 عدّل البرلمان قانون الإجراءات الإدارية من خلال إدخال قانون للتقادم على الطعون في القرارات الإدارية، وبذلك لم يعد من الممكن إلغاء القرارات الإدارية التي تنطوي على مصادرة أو نزع ملكية أو تأميم بناءً على قوانين أو مراسيم إذا مر أكثر من 30 عاماً على إصدارها، وبهذا تم إغلاق الباب فعلياً أمام إعادة الممتلكات.
في النهاية، على الرغم من أن قضايا النزاعات العقارية من القضايا الشائكة أمام الحكومة السورية، إلا أنه يمكن حلها بطرق سلمية تعيد الحق لأصحابه، دون ظلم أو تعدي على مواطن سوري. وما الاهتمام بتجارب الدول الأخرى، حتى لو لم تكن تنطبق بشكل كلي على الحالة السورية، إلا محاولة لعرض تجارب مضت في الطريق السليم.
اقرأ أيضاً: لمواجهة فوضىى التزوير.. وزارة العدل السورية تشدد إجراءات نقل الملكية العقارية









