المجتمع السوري

من السرافيس إلى الخضار.. كيف ضرب ارتفاع المشتقات النفطية أسواق حمص؟

بقلم هلا يوسف

في كل زيادة على المشتقات النفطية يكون المواطن أول ضحايا هذه الزيادة، لتكتمل سلسلة إفقار الشعب مرة برفع أسعار الكهرباء والإنترنت، ومرة أخرى برفع أسعار المازوت والبنزين، ليلقي ذلك بظلاله السوداء على المواد الغذائية والنقل وكل الخدمات التي تحتاج ولو لنقطة نفط. وبذلك تختتم مسرحية الزيادات بالمواطن الذي بدأت لقمة عيشه لا تقوى على حمله، لاختصارها الكثير من المواد الغذائية.

فلم يحتج قرار رفع أسعار المشتقات النفطية إلى وقت طويل، حتى أشعل إعلان وزارة الطاقة رفع أسعار البنزين والمازوت نيران الغضب في قلوب السوريين، حتى دفعتهم للاحتجاج في الشوارع والساحات أمس في بعض المناطق، عدا عن النقاشات الواسعة والانتقادات الكبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي.

ورغم كل الغضب الذي يعتريهم، لا تزال الثقة بالحكومة قائمة على أمل أن تراعي ظروفهم المعيشية، فقد قالها السوريون: “نحن معكم ما دمتم أنتم معنا وتراعونا”.

خرجت وزارة الطاقة بتبريراتها أمام المواطنين، ووضعت أوراقها أمامهم، وقالت إن هذا الارتفاع الاستثنائي بأسعار المشتقات النفطية جاء نتيجة ارتفاع سعره عالمياً، والذي تزامن مع أعمال الصيانة في مصفاة بانياس، مؤكدة أن الزيادة مؤقتة ومرتبطة بظروف استثنائية.

لكن بالنسبة للمواطن، لا يتوقف الأمر عند سعر ليتر البنزين أو المازوت، فالمحروقات تدخل تقريباً في كل تفاصيل الحياة، من وسيلة النقل التي يستخدمها للوصول إلى عمله، إلى الشاحنة التي تنقل الخضار من محافظة إلى أخرى، وصولاً إلى تكلفة تشغيل المزرعة والمخبز والمصنع.

أسعار المحروقات ترتفع.. والجدل يبدأ

بالنظر إلى الأسعار التي أقرتها اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية، والتي بدأ تطبيقها منذ أمس الأحد، تم رفع سعر لتر البنزين 95 أوكتاناً من 152 ليرة سورية إلى 195 ليرة، بينما حُدد سعر لتر البنزين 90 أوكتاناً بـ185 ليرة سورية.

أما المازوت، الذي يدخل بشكل مباشر في النقل والزراعة وعدد كبير من الأعمال، فارتفع سعر الليتر من 125 ليرة إلى 175 ليرة سورية. ويأتي ذلك في وقت يبلغ فيه سعر صرف الدولار نحو 130 ليرة.

وفور صدور القرار، شهدت عدة مناطق احتجاجات ميدانية رفضاً لرفع أسعار المحروقات، بينما انتقل النقاش إلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث انقسمت الآراء بين من يرى أن الزيادة مفهومة في ظل الظروف العالمية، ومن يعتبر أن المواطن هو الطرف الذي سيدفع ثمنها في النهاية.

كان من الممكن ضبط السوق قليلاً لو لم يتم تطبيق مبدأ السوق الحرة بشكل سريع، وهذا ما انتقده عدد من الناشطين والاقتصاديين، فرفع الدعم مع المبدأ السابق جعل الناس أكثر فقراً، وخصوصاً أن البلاد ما تزال تخرج من سنوات حرب ألحقت أضراراً كبيرة باقتصادها وقدرة الناس على تحمل أعباء جديدة.

فبحسب رأيهم، الاستقرار الحقيقي لا يرتبط فقط بالاستقرار السياسي، بل يحتاج أيضاً إلى توزيع عادل للثروة وتأمين مستوى معيشة مقبول للمواطنين، حتى لا تتحول الضغوط الاقتصادية إلى مشكلة اجتماعية أكبر.

الحكومة تشرح.. والظروف العالمية في الواجهة

عدد من الخبراء الاقتصاديين قالوا إن ارتفاع أسعار المشتقات النفطية لم يكن مفاجئاً لهم، لأن الظروف الإقليمية والحرب الأمريكية الإيرانية وتبعاتها من إغلاق مضيق هرمز أثرت على دول الجوار والدول الأوروبية، فكيف لا يؤثر ذلك على بلد مدمر مثل سوريا! وعبروا عن أملهم بأن تكون هذه الزيادة مؤقتة، ومحاولة الحكومة إيجاد حلول تخفف الضغط عن الناس.

مشكلة النفط في سوريا ليست خارجية فقط، بل أحد عواملها داخلية، فقد أوضح مدير دائرة الإعلام عبد الحميد سلات لوكالة الأنباء السورية أن المشكلة الحالية لا ترتبط فقط بسعر خام برنت.

وقال إن هناك نقصاً حاداً في المشتقات النفطية الجاهزة، مع ضغوط كبيرة على طاقات التكرير وعمليات الإمداد والنقل حول العالم، وهذا ما أدى إلى ارتفاع أسعار المشتقات المكررة بشكل أسرع من ارتفاع سعر النفط الخام نفسه.
وبحسب سلات، فإن التسعير المحلي في سوريا لا يعتمد على سعر خام برنت وحده، وإنما يتم بناؤه على التكلفة الإجمالية لتأمين المشتق ونقله حتى وصوله إلى السوق السورية.

اقرأ أيضاً: استيراد الفروج الحي يعود للواجهة.. هل تنخفض الأسعار أم يدفع المربون الثمن؟

من ليتر المازوت إلى سعر الخضار

يشرح الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي أن المحروقات تعتبر من السلع المرجعية في الاقتصاد، أي أن تغير سعرها يمكن أن ينعكس بشكل تدريجي على أسعار قطاعات أخرى.

ويشير قوشجي إلى ما يعرف بـ”دورة التضخم الحلزونية”، حيث تبدأ هذه الدورة من المواطن نفسه، مع ارتفاع تكلفة التنقل والتدفئة والطعام، ثم تنتقل إلى المصانع والمزارع والمخابز، التي تجد نفسها أمام تكاليف تشغيل أعلى.

بعد ذلك يأتي دور النقل، فالمواد الخام تحتاج إلى شاحنات حتى تصل إلى المصانع، والمنتجات تحتاج إلى شاحنات أخرى حتى تصل إلى الأسواق. ومع كل عملية نقل، يمكن أن تضاف تكلفة جديدة إلى السعر النهائي.

ولم يستثنِ كن هذه الدورة سلوك التجار والباعة. فقد يرفع بعضهم الأسعار تحسباً لارتفاعات جديدة في التكاليف، أو لتعويض تراجع هامش الربح، مما يجعل الزيادة تتوسع أكثر.
ويعتبر القطاع الزراعي من أكثر القطاعات تأثراً، لأن المازوت يدخل في تشغيل مضخات الري والجرارات والآلات الحديثة، بالإضافة إلى شاحنات نقل الخضار والفواكه بين المحافظات.

وهذا يعني أن ارتفاع تكلفة المازوت قد لا يظهر فقط في فاتورة الوقود، بل يمكن أن يصل في النهاية إلى سعر كيلو البندورة أو الفليفلة وغيرها من المنتجات.

أما القطاع الصناعي والحرفي، فيواجه المشكلة من ناحيتين الأولى ارتفاع تكاليف الطاقة، بما فيها الفيول والغاز الصناعي والمازوت، والثانية ارتفاع تكلفة نقل مدخلات الإنتاج. ومع ارتفاع هذه التكاليف، قد يصبح المنتج المحلي أقل قدرة على المنافسة أمام السلع المهربة أو المستوردة، وقد تجد بعض المنشآت الصغيرة نفسها أمام خيار صعب يتمثل في تقليص نشاطها أو الخروج من السوق.

حمص ترصد أولى الزيادات.. والنقل في الواجهة

في أسواق حمص، بدأت الزيادة تظهر بصورة مختلفة من محل إلى آخر. وقال صاحب إحدى البقاليات “لسوريا اليوم 24” إن أسعار المواد الغذائية ارتفعت بنسب متفاوتة، بسبب اختلاف طريقة تسعيرها، فبعض المواد ترتبط بالليرة السورية، بينما تتأثر مواد أخرى بسعر الدولار.

فمثلاً، بقي السكر عند سعر 10 آلاف ليرة سورية، بينما ارتفعت المتة بنحو 500 ليرة فقط. بينما كان الدخان الأجنبي من أكثر المواد تأثراً، مع زيادة تقارب 1000 ليرة بسبب ارتباطه بالدولار.

كما ارتفع سعر كيلو زيت الزيتون من 70 ألف ليرة إلى 80 ألفاً، بينما زاد سعر ليتر زيت دوار الشمس من 23 ألفاً إلى 30 ألف ليرة سورية.

لكن صاحب البقالية أشار إلى مشكلة أخرى، وهي أن الأسعار قد تختلف بشكل كبير بين محل وآخر. فهناك محال تضيف هامش ربحها فور صدور أي زيادة على المحروقات، بينما تواصل محال أخرى البيع بالسعر القديم إلى أن تشتري بضائع جديدة بالسعر المرتفع.

حتى مسألة “الفراطة” يمكن أن تزيد الخسائر على المواطن والبائع معاً، بينما سعر الخبز وفق تسعيرة الدولة 4000 ليرة سورية، تضيف بعض المحال 500 ليرة كهامش ربح. ومع ارتفاع تكاليف النقل، بدأ موزعو الخبز يشتكون من الأسعار، وسط احتمال أن يباع الخبز بسعر أعلى في اليوم التالي.

أما الخضار والفواكه، فكانت من أكثر المواد التي ظهر عليها تأثير ارتفاع تكاليف النقل. فقد قال أحد بائعي الخضار في حمص “لسوريا اليوم 24” إن الشاحنة التي كانت تأتي من درعا إلى حمص كانت تكلف نحو مليوني ليرة سورية، بينما أصبحت تكلفة الشاحنة حالياً نحو 3 ملايين ليرة، وقد تصل بعض الشاحنات إلى 3.5 ملايين ليرة.

هذه الزيادة لا يدفعها صاحب الشاحنة وحده، بل تتوزع في النهاية على أصناف الخضار والفواكه المختلفة، مع اختلاف السعر بحسب النوعية. فوصل سعر كيلو البندورة من النوع الأول إلى 6000 ليرة سورية، بينما بلغ سعر الأنواع الأخرى نحو 4000 ليرة، ووصل سعر كيلو الفليفلة إلى 7000 ليرة.

ويبقى النقل من أكثر القطاعات التي تلقت الضربة بسرعة. ففي مدينة حمص، بدأت معظم السرافيس بتسعير نقلاتها عند 4000 ليرة سورية، مع قيام بعض السرافيس بزيادة أجورها عن التسعيرة السابقة.

باختصار، سلسلة الزيادات في الأسعار بدأت بالمشتقات النفطية وانتهت بالمواطن. فالعديد من باصات النقل الداخلي التي تنقل المواطنين في حمص من المدينة إلى الريف أعلنت إضرابها. ليقف المواطن السوري حائراً أمام متطلبات حياته، ويفكر ماذا سيدفع: إيجار بيته أم فاتورة الكهرباء أم يترك ما تبقى من راتبه مصروف معيشة لأطفاله!

اقرأ أيضاً: بعد سنوات من تنسيق الأسعار.. هل بدأت المنافسة الحقيقية في سوق الاتصالات السوري؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى