أعمال واستثمار

من الجفاف إلى السيول.. هل تشكل الهطولات المطرية بداية تعافٍ في سوريا؟

بقلم: ريم ريّا

منذ نهاية العام المنصرم وحتى الفترة الحالية، تشهد سوريا موجة من الهطولات المطرية غير المعتادة، التي جاءت بعد سنوات طويلة من الجفاف وتراجع في الهطولات تحديداً في العام الماضي 2025، ما جعل الحدث لافتاً على المستويين البيئي والاقتصادي.

هذه الأمطار، بالرغم ما حملته من أضرار محلية في بعض المناطق، لكنها أعادت فتح النقاش حول واقع الزراعة السورية وإمكانية تعافيها بشكل جزئي بعد مواسم الشح المائي القاسية، ومواجهة موجة الجفاف التي اجتاحت البلاد وخلفت أضراراً كبيرة. لكن يبقى السؤال هل تتم الاستفادة بشكل جيد من هذه الهطولات؟ كيف تدار؟ وهل تحل أزمة الجفاف وتدعم الزراعة؟ سنبحث عن الأجوبة في المقال.

نسبة الهطولات المطرية في سوريا مؤخراً

شهدت المحافظات السورية خلال نهاية العام الماضي هطولات مطرية متفاوتة الشدة، أسهمت في رفع نسب الهطل إلى مستويات تجاوزت المعدل السنوي في بعض المناطق وفق بيانات رسمية صادرة عن وزارة الزراعة، وأظهرت نشرة وزارة الزراعة الخاصة بكميات الأمطار الهاطلة، تسجيل بعض المناطق نسب هطول تجاوزت المعدل السنوي، وجاءت محافظات حمص وحماة واللاذقية في مقدمة المناطق من حيث كميات الهطول، حيث وصلت النسب في بعضها إلى أكثر من 100% من المعدل السنوي.

أما محافظتي درعا والقنيطرة، تراوحت كميات الهطول منذ بداية الموسم بين 201 و1221 ملم، محققة نحو 84% من المعدل السنوي، فيما سجلت مناطق ريف دمشق والحرمون، ولا سيما سرغايا والزبداني ومضايا وميسلون، هطولات تراوحت بين 278 و664 ملم، بنسبة بلغت بين 34 و83 % من المعدل السنوي المعتمد حتى عام 2020.

في حين، سجلت محافظات إدلب وحلب والرقة والحسكة كميات أمطار تراوحت بين 124 و587 ملم منذ بداية الموسم، بنسب وصلت إلى 64 % في بعض المناطق، في حين شهدت محافظة دير الزور هطولات متفرقة تراوحت بين 122 و373 ملم، مع نسب بلغت 82 % محلياً.

ومؤخراً، سجل في دمشق هطل مطري كثيف، بلغ في قاسيون 15 ملم، والمزة 12 ملم، وساحة الحجاز 12 ملم، دور المطار 8.4 ملم. وفق ما أوردته وزارة الزراعة السورية لكمية الأمطار الهاطلة في يوم أول أمس السبت 17 كانون الأول 2026.

اقرأ أيضاً: عكارة مياه الشرب في اللاذقية بين التفسير الطبيعي وحق المواطن بالمياه الآمنة

ارتفاع نسبة السدود نتيجة الهطل.. هل هناك إدارة في التخزين؟

كشفت منصة “إيكاد” للتحقيقات، مستندةً إلى صور الأقمار الصناعية، أن عام 2025 كان الأكثر جفافاً في كثير من البحيرات والسدود السورية التي راقبتها خلال السنوات الخمس الماضية، كما حللت انخفاض منسوب المياه في سبع بحيرات وسدود، وخلصت إلى أن هذه البحيرات لم تعد كما كانت قبل سنوات، فتراجع الأمطار وانخفاض المياه الجوفية أدى في معظم المحافظات إلى موجة جفاف هي الأكبر خلال العقود الماضية، ومنها بحيرات “سبخة الجبول” في حلب، وبحيرة قطينة غربي حمص، وبحيرتي صافيتا والمزينة جنوبي طرطوس. ويبلغ عدد السدود في سوريا 163 سداً، تنقسم إلى 160 منشأة بهدف الري ودرء الفيضانات، وتشرف عليها الهيئة العامة للموارد المائية ويبلغ إجمالي تخزين هذه السدود 16 مليار متر مكعب.

قد أسهمت الهطولات المطرية الغزيرة التي شهدتها محافظة اللاذقية خلال الأيام الماضية في عودة جريان نهر الكبير الشمالي، ما انعكس إيجاباً على الوارد المائي ورفع منسوب التخزين في بحيرة سد مشقيتا الواقعة على مجرى النهر، إذ بدأ الموسم الحالي بشكل أفضل مع عودة جريان النهر، حيث ارتفعت نسبة التخزين من نحو 20% في نهاية الموسم الماضي إلى 21% حالياً، مع توقع تحسن الوارد المائي في حال استمرار الهطولات.

لكن بالمقابل، أدت الهطولات المطرية الغزيرة الأخيرة، إلى ارتفاع منسوب مياه نهر العاصي في مدينة جسر الشغور بريف إدلب، كما أسهمت في عودة الحياة إلى مجرى النهر في حماة ودوران النواعير مجدداً، وفي المقابل، تسببت الأحوال الجوية خلال الأيام الماضية بتضرر أجزاء من جسر تل النبي مندو الأثري في منطقة القصير بريف حمص الجنوبي الغربي.

في سياقٍ متصل، وحسب التصريحات الأخيرة لمدير الهيئة العامة للموارد المائية أحمد كوان، بلغت كمية تغذية السدود للموسم المطري الحالي بلغت نحو 386.9 مليون متر مكعب، وهو ما يعادل 13% من إجمالي الطاقة التخزينية للسدود في البلاد، والبالغة 2935.3 مليون متر مكعب. وسجلت محافظة الحسكة الكمية الأكبر من التغذية المائية هذا الموسم، بواقع 90.2 مليون متر مكعب، تلتها محافظة اللاذقية بنحو 84.5 مليون متر مكعب، ثم محافظة حلب بكمية 72.5 مليون متر مكعب، وهي الأعلى من حيث نسبة التخزين التي بلغت 32 %.

كما أن كميات التخزين في سدود محافظتي حمص وحماة تقاربت، إذ تجاوزت 50 مليون متر مكعب لكل منهما، بنسبة تخزين تقارب 13 %. وأشار كوان، إلى أن عدد السدود السطحية في سوريا يبلغ 161 سداً، متفاوتة الأحجام والطاقة التخزينية، ويتركز العدد الأكبر منها في محافظة حمص التي تضم 35 سداً، في حين تعد محافظة الرقة الأقل من حيث عدد السدود التخزينية، إذ تضم سداً واحداً فقط.

وفيما يتعلق بتخزين السدود بعد الهطل المطري الأخير، أعلنت الهيئة العامة للموارد المائية تحسناً ملحوظاً في تغذية السدود التخزينية والمياه الجوفية في مختلف المناطق السورية، نتيجة للمنخفض الجوي الأخير الذي شمل عموم البلاد، بعد فترة طويلة من الجفاف وانخفاض الهطولات المطرية. وقال المدير العام للهيئة كوان، “إن الهطولات المطرية الأخيرة أسهمت في تعزيز مخزون السدود والخزانات الجوفية، إلا أن الأمطار التي هطلت منذ بداية الموسم، ولا سيما في المنطقة الجنوبية، لم تتحول في معظمها إلى جريان سطحي في الأودية والمسيلات المغذية للسدود، بسبب الجفاف المتراكم خلال السنوات الماضية”.

وأوضح كوان، أن العجز الكبير في الرطوبة الأرضية أدى إلى امتصاص التربة للمياه بشكل فوري، إضافةً إلى الانخفاض الحاد في منسوب المياه الجوفية، ما تسبب بتسرب المياه إلى الخزانات الجوفية من دون تشكّل فائض كافٍ لحدوث جريان سطحي باتجاه السدود.

أما فيما يتعلق بإدارة السدود، ففي الحقيقة هناك جهود حثيثة من قبل هيئة الموارد المائية في عموم سوريا لإدارة السدود وتوجيه التخزين بشكل يخدم الري ومياه الشرب ويسهم في تعبئة خزانات المياه الجوفية. لكن ومما لاحظناه مؤخراً من سيول، لو كان هناك إدارة جيدة لمياه الأمطار في سوريا، إن كان على مستوى الاستثمار الفعال للسدود وشبكات الحصاد المائي ووسائل التخزين الحديثة، لتحولت الهطولات المطرية الأخيرة من حدث طارئ إلى رافعة حقيقية للأمن المائي والزراعي.

فبدلاً من هدر كميات كبيرة من المياه على شكل سيول جارفة أو تصريفها بشكل غير منظم نحو البحر، كان يمكن توجيهها بشكل أعمق نحو تعزيز المخزون الاستراتيجي، ودعم الري التكميلي في فترات الانقطاع المطري، ما يمكن له أن يخفف الضغط المزمن على المياه الجوفية. لو كانت إدارة المخزون بهذه الكفاءة، كان هناك هامش استقرار أكبر للقطاع  الزراعي، وقللت من حجم الجفاف المتكرر، وحولت الأمطار من حل مؤقت إلى عنصر يندرج ضمن السياسة المائية طويلة الأمد، لا تعتمد على حسن الحظ المناخي بقدر اعتمادها على التخطيط والكفاءة.

اقرأ أيضاً: مياه الأمطار المهدورة.. كيف تضيع ثروة سوريا المائية بين البحر والجبل

هل تنقذ الهطولات الأخيرة الزراعة وتحمي البلاد من الجاف؟

يمكن للهطولات الأخيرة تخفيف حدة الجفاف في بعض المناطق، لكنها لن تحقق تحسناً على مستوى البلاد، لأن الجفاف تراكمي، بالإضافة إلى أن هطول أمطار غزيرة على أراضٍ شديدة الجفاف تحديداً في المناطق شبه القاحلة أو الصحراوية تتحول إلى صخور صلبة أو مصلّبة بفعل الحرارة ونقص الرطوبة، ما يقلل من المسامية ونفاذية الماء داخل التربة، وهذا يعني أن مياه الأمطار، وتحديداً الغزيرة منها أو المكثفة في وقت قصير، لا تستطيع التسرب إلى الأسفل بسرعة كافية، فتتحول إلى جريان سطحي سريع يمكن أن يتجمع في الأودية والمجاري الجافة، ما يسبب فيضانات خاطفة مفاجئة يمكن أن تكون مدمرة حتى في أماكن صحراوية واسعة.

وفقاً لرأي الصحفي المختص بالقضايا البيئية، زاهر هاشم، “أن الهطولات المطرية والثلجية تشير إلى نشاط جوي موسمي طبيعي، ويمكن لها المساعدة في تغذية التربة والمياه السطحية، وهي ذات فائدة على المدى القريب، لكنها ليست كافية لإحداث تغيير جوهري في وضع الجفاف طويل المدى الذي طال أجزاءً واسعة من سوريا في السنوات الأخيرة”.

فلا يمكن القول إن الهطولات الأخيرة قلصت الجفاف الكلي، فموجة الجفاف التي تواجهها سوريا، أثرت على الزراعة والمحاصيل التقليدية كالقمح والشعير، وتسببت في انخفاضات إنتاجية كبيرة، كما أثر الجفاف على مستويات الأنهار الكبرى والمياه الجوفية، وشهدت السدود والخزانات المائية تراجعًا في مخزونها.

وبالمحصلة، كل ما تحتاجه سوريا سياسة زراعية واضحة وإدارة جيدة للموارد المائية بأسرع وقت لاستغلال الهطل المطري. ما يُربك الحال في سوريا هو غياب سياسة زراعية ومائية واضحة، وانعدام خطط للطوارئ للتعامل مع الحالات المفاجئة، كما في حال زيادة الهطولات المطرية عن المعتاد، مما يؤدي إلى هدرها إما في البحر أو عن طريق تشكل سيول نتيجة عدم الاستعداد للموسم المطري بمختلف احتمالاته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى