رواد

من التهجير إلى ريادة الأعمال.. قصة “نائل جبر” مع تربية الدواجن

بقلم: ريم ريّا

فرضت الحرب في سوريا واقعاً مختلفاً تماماً على آلاف العائلات، إذ لم يعد بوسع الكثير منها مواصلة سبل عيشها السابقة بعد أن تعرضت للنزوح أو فقدت مصادر دخلها. وفي ظل هذه الظروف، سعى بعض السوريين لإيجاد بدائل بسيطة يمكن تأسيسها بموارد محدودة. وهكذا، تحولت الهوايات المنزلية والأنشطة الصغيرة إلى مشاريع تجارية حقيقية، وفرت لأصحابها دخلاً ثابتاً، وفتحت أمامهم في بعض الحالات أبواباً نحو عالم الاستثمار وريادة الأعمال.

يعتبر “نائل جبر” نموذجاً حياً على ذلك، فقد بدأت رحلته بتربية عدد قليل ومتواضع من الدجاج، لكنها تطورت تدريجياً لتصبح مشروعاً تجارياً يتمحور حول إنتاج البيض وتفقيس وبيع الصيصان، مستنداً في ذلك كله إلى استراتيجية إعادة استثمار الأرباح بدلاً من إنفاقها.

من بضع دجاجات إلى مشروع متنامٍ

يوضح “نائل جبر” أن البداية كانت إبان فترة النزوح التي سببتها الحرب، حين استقرت عائلته في منطقة نجها الريفية حيث تكثر المزارع. وهناك، قرر تربية عدد قليل من الدجاج في منزله.

في البداية، كان الهدف يقتصر على تلبية احتياجات الأسرة، لكن مع تزايد أعداد الدجاج، فاق الإنتاج معدل الاستهلاك اليومي، مما دفعه لبيع الفائض من البيض. ومع كل مبلغ كان يجنيه، كان يشتري المزيد من الدجاج، وبهذه الطريقة توسع المشروع تدريجياً دون الحاجة إلى رأس مال ضخم أو قروض.

ويؤكد جبر أن نمو المشروع لم يحدث بين عشية وضحاها، بل اعتمد على مبدأ بسيط: “إعادة استثمار أي أرباح محققة لشراء المزيد من الدجاج وزيادة الإنتاج“.

WhatsApp Image 2026-08-07 at 4.08.37 PM (1)

عقد من التعلم والتحديات.. صنع الفرق اليوم

ورغم أن المشروع يبدو مستداماً اليوم، إلا أن طريق النجاح لم يكن سهلاً على الإطلاق. ويشير جبر إلى أن أكبر التحديات التي واجهها على مدار العقد الماضي تمثلت في نقص الخبرات البيطرية والارتفاع الهائل في تكاليف الأعلاف والرعاية الصحية للدواجن، وهي مشكلات جعلته يعتقد في مرحلة ما أن المشروع لم يعد مجدياً اقتصادياً.

غير أن نقطة التحول جاءت عندما نصحه أحد الأشخاص بشراء حاضنة بيض “فقاسة” بدلاً من بيع كامل الإنتاج، إذ اقترح عليه بيع نصف كمية البيض ووضع النصف الآخر في الحاضنة لتفقيس الصيصان، نظراً لأن بيع الصيصان يدرّ هامش ربح أعلى.

يصف جبر هذه الخطوة بأنها أحدثت تغييراً جذرياً في مسار المشروع. على إثر هذه الخطوة اشترى حاضنته الأولى، ثم باعها واشترى أخرى أكبر تتسع لنحو 1200 بيضة، وواصل التوسع حتى أصبح لديه اليوم أربع حاضنات تعمل في آن واحد.

اقرأ أيضاً: في سوريا حتى التيوس فيها “خيار وفقوس”.. المستورد يتفوق على المحلي؟

WhatsApp Image 2026-08-07 at 4.08.22 PM (1)

الإنتاج يصل إلى 1000 صوص أسبوعياً

يعتمد المشروع اليوم على مصادر دخل متعددة، إذ يباع بعض البيض مباشرة، بينما يخصص جزء آخر لعملية الفقس. ويشير جبر إلى أن العديد من المربين يشترون البيض خصيصاً لغرض الفقس. وفي الوقت نفسه، ينتج المشروع ما يقرب من 1000 صوص أسبوعياً، يشتريها تاجر لتوزيعها على مزارع الدواجن في المناطق الريفية والمدن والأسواق المحلية. ويضيف أن حركة المبيعات ترتبط ارتباطاً مباشراً بأسعار الأعلاف وتكاليف التربية، كما أن أسعار المنتجات تتأثر بتقلبات ظروف السوق وتكاليف الإنتاج.

لا يخفي جبر طموحه لتوسيع المشروع في السنوات المقبلة، فهو يطمح إلى إنشاء مزرعة كبيرة بعيداً عن المناطق السكنية، توفر المساحة والمياه وضوء الشمس الكافي، فضلاً عن تحديث حاضناته الحالية بأخرى قادرة على استيعاب 10 آلاف بيضة في الدورة الواحدة.

كما يرى أن قطاع الدواجن بحاجة إلى مزيد من التعاون بين المربين مستقبلاً، مشيراً إلى إمكانية تأسيس رابطة أو جمعية للعاملين في هذا المجال في حال توسع الأنشطة، إذ يمكن لمثل هذه الجمعية المطالبة بتوفير الأعلاف مباشرة من منشآت الدولة بأسعار أقل، مما يساعد في خفض تكاليف الإنتاج. كذلك طلب الخدمات البيطرية بأسعار معقولة تصب في مصلحة المربين.

WhatsApp Image 2026-08-07 at 4.08.37 PM

النجاح يبدأ صغيراً… لكنه يتطلب الالتزام

في حديثه للشباب الراغبين في دخول هذا المجال، يؤكد جبر أن المشروع لا يتطلب بالضرورة رأس مال ضخم، بل يحتاج إلى المساحة المناسبة والإدارة الفعالة. وينصح أصحاب الميزانيات المحدودة بالبدء بمشروع يركز على تحضين البيض وإنتاج الصيصان، موضحاً أن مساحة مجهزة جيداً لا تتجاوز خمسين متراً مربعاً قد تكون كافية للانطلاق.

أما فيما يتعلق بالتسويق، فيرى أنه أصبح أسهل من أي وقت مضى بفضل مجموعات على منصة “فيسبوك” متخصصة بشؤون مربي الدواجن، وتجمع المربين والتجار في مكان واحد.

كما يشدد على أن النجاح في هذه المهنة لا يتحقق بمحض الصدفة، بل يتطلب التزاماً يومياً، يتمثل في مهام مثل تقديم الأعلاف صباحاً ومساءً ومراقبة الحاضنات باستمرار. ويؤكد أن المفتاح الحقيقي للربحية لا يكمن في ارتفاع أسعار البيع بقدر ما يكمن في حجم الإنتاج والقدرة على التوسع التدريجي.

WhatsApp Image 2026-08-07 at 4.14.34 PM

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى