أعمال واستثمار

كيف يمكن لتحويلات المغتربين أن تكون رافعة للتنمية؟

بقلم هلا يوسف

لم تعد تحويلات المغتربين مجرد تدفقات مالية خاصة موجهة لاستهلاك الأسر فقط، بل تحولت في العديد من الدول النامية ومن بينها سوريا إلى أداة مركزية من أدوات السياسة الاقتصادية، ورافعة محتملة للاستقرار النقدي والاقتصادي وتمويل التنمية. وفي سوريا حيث تراجعت مصادر التمويل الخارجي التقليدية، وتقلصت الاستثمارات الأجنبية خلال السنوات السابقة، برزت التحويلات الخارجية كأحد الموارد المتاحة التي يمكن البناء عليها، لكن بشرط الانتقال من التعامل معها كظاهرة تلقائية إلى إدماجها ضمن إطار مؤسسي منظم. ومن هنا كان لا بد من الاطلاع على تجارب الدول بهذا الخصوص للوقوف على مدى إمكانية تطبيق تجاربهم في سوريا.

وبلغت قيمة هذه الحوالات، بحسب حاكم مصرف سوريا المركزي الدكتور عبد القادر حصرية، أربعة مليارات دولار، وهو رقم يفوق موازنة الدولة لعام 2024، التي بلغت حين إقرارها 3.1 مليارات دولار. وهذا رقم لا يستهان به بالنسبة لبلد يحتاج المليارات لإعادة بناء بنيته التحتية، وجميع مرافقه الحيوية. لذلك يعد استغلال التحويلات الخارجية في دعم القطاعات، وتحويله إلى استثمار تنموي دائم مهمة ذات أهمية كبيرة بالنسبة للاقتصاد.

البيانات والمحافظ الرقمية وضرورة الحوكمة

بالنظر إلى التجارب الدولية بهذا الخصوص، أول ما سنستنتجه هو أن الاستفادة الفعلية من التحويلات الخارجية لا تبدأ من حجمها، بل من جودة البيانات المتعلقة بها. فغياب المعلومات الدقيقة حول مسارات التحويل، وتكاليفها، وخصائص المستفيدين، يجعل السياسات المرتبطة بها مجتزأة وغير فعالة. هذا ما دفع مؤسسات دولية إلى تطوير منصات مثل RemitSCOPE، التي أتاحت لواضعي السياسات مقارنة الأسواق الوطنية، وفهم بيئات العمل التنظيمية، والاستفادة من الممارسات.

تقدم تجربة أوغندا مثالاً واضحاً على ذلك. فرغم أن التحويلات تمثل نسبة محدودة نسبياً من الناتج المحلي، أدرك البنك المركزي أن الأرقام الإجمالية لا تكفي. ومن خلال إنشاء نظام وطني لجمع بيانات أسبوعية مفصلة من جميع مزودي خدمات التحويل، تمكنت السلطات من تحسين الرقابة، وتوجيه السياسات، وربط التحويلات بأهداف الشمول المالي، خصوصاً في المناطق الريفية. الدرس الأساسي هنا هو أن التحكم بالمعلومة يسبق التحكم بالأثر، وهو درس بالغ الأهمية لسوريا، حيث لا تزال التحويلات تدار إلى حد كبير خارج أي منظومة بيانات رسمية متكاملة.

لكن البيانات وحدها لا تكفي إذا بقيت التحويلات معزولة عن النظام المالي. فالكثير من الدول التي تعتمد بشكل كبير على تحويلات المغتربين تعاني في الوقت نفسه من انخفاض معدلات امتلاك الحسابات المصرفية أو المحافظ الرقمية، وهو ما يحد من الأثر التنموي لهذه التدفقات. غامبيا تمثل حالة نموذجية في هذا السياق. فرغم أن التحويلات تشكل أكثر من ربع الناتج المحلي، كان ثلث السكان فقط يمتلكون وسائل مالية رسمية، ما جعل تلقي الأموال مكلفاً وغير منتج اقتصادياً.

التحول جاء من خلال الربط المباشر بين التحويلات والمحافظ الرقمية، ومن ثم بخدمات الادخار والتمويل الصغير. هذه المعادلة لم تكتف بتسهيل الاستلام، بل أعادت توجيه التحويلات نحو أنشطة أكثر استدامة. وفي السياق السوري، حيث تنتشر شبكات التحويل غير الرسمية، يمكن لمعادلة مشابهة إذا نفذت تدريجياً وبثقة، أن تخفف من هيمنة قنوات التحويل في السوق السوداء، وتخلق حافزاً حقيقياً لاستخدام القنوات النظامية.

غير أن أحد التحديات البنيوية أيضاً يتمثل في ضعف الثقافة المالية لدى المستفيدين، حتى عندما تتوفر الأدوات الرقمية. تجربة غانا تظهر أن امتلاك الحسابات أو المحافظ لا يعني بالضرورة استخدامها بفعالية. لذلك ركزت الشراكة بين أحد المصارف التجارية ومؤسسة تعليمية رقمية على محو الأمية المالية عبر وسائل بسيطة، مثل الخطوط الهاتفية المجانية والمواد الصوتية باللغات المحلية. هذه التجربة تؤكد أن الشمول المالي ليس مسألة تقنية فقط، بل سلوكية أيضاً، وهو جانباً غالباً ما يتم إهماله في السياسات المالية التقليدية.

لكن في سوريا تظهر عقبة أخرى بالنسبة إلى التعامل مع المصارف، وهي غياب الثقة بالنظام المصرفي، وبالتالي تشكل هذه عقبة أساسية بحسب الخبير الاقتصادي ملهم الجزماتي. فسنوات من تجميد الحسابات، وضياع الودائع، وانخفاض قيمة الليرة، وغياب الشفافية، دفعت كثيراً من المغتربين إلى الابتعاد عن المصارف والاعتماد على السوق الموازية لتحويل أموالهم.

ويؤكد الجزماتي أن هذا الواقع حرم الاقتصاد السوري من مليارات الدولارات التي كان يمكن أن تدخل عبر القنوات الرسمية لو توفرت بيئة آمنة.

ولإعادة بناء هذه الثقة، اقترح مجموعة من الخطوات العملية التي تبدأ بنشر تقارير مالية دورية وواضحة، وتطبيق معايير الحوكمة الدولية، وحماية أموال المودعين بآليات مستقلة، وإشراك جهات رقابية دولية أو مستقلة، وسن قوانين تمنع التجميد التعسفي للأموال، وإنشاء محاكم متخصصة للنزاعات المصرفية، وتحديث الأنظمة المصرفية وتوفير خدمات رقمية تسمح للمغتربين بإدارة أموالهم بسهولة من الخارج.

اقرأ أيضاً: خبير الاستثمار سامي إسماعيل: الأمن القانوني أهم من الحوافز والمزايا الضريبية

سندات المغتربين والحوافز الضريبية والصناديق الاستثمارية

وعند الانتقال من مستوى الاستخدام الفردي إلى مستوى التمويل الكلي، تبرز أدوات مثل سندات المغتربين كآلية محتملة لتعبئة الموارد. وقد لجأت عدة دول أفريقية إلى هذه الأداة في ظل تراجع المساعدات والاستثمارات الأجنبية. إلا أن التجارب في هذا المجال متباينة بوضوح. فبينما نجحت نيجيريا في إصدار سندات مسجلة دولياً وبعوائد مقبولة، فشلت إثيوبيا في تجربتها الأولى بسبب ضعف العوائد وغياب الثقة، قبل أن تنجح لاحقاً في ربط السندات بمشروع وطني محدد ذو رمزية عالية.

يرى الخبير الاقتصادي الدكتور حسن غرة أن “سندات المغتربين” هي أوراق مالية يمكن للدولة إصدارها بعوائد مجزية وضمانات واضحة، بهدف جذب مدخرات السوريين في الخارج. ويوضح أن هذه السندات يمكن دمجها مع صناديق استثمار متخصصة في قطاعات مثل الطاقة، والزراعة، والبنية التحتية، إضافة إلى برامج ادخار مرتبطة بالتحويلات.

ويعتبر غرة أن تجربة صندوق التنمية السوري، الذي جمع أكثر من 80 مليون دولار، يمكن أن تشكل نقطة انطلاق لتطوير مبادرات أوسع من هذا النوع، إذا ما جرى تعزيز الشفافية والإدارة الجيدة.

من جانبه يتفق الخبير الاقتصادي ملهم الجزماتي مع هذا الطرح، مؤكداً أن أدوات مثل سندات المغتربين أو الصناديق الاستثمارية يمكن أن تمول مشاريع مهمة في قطاعات حيوية، بشرط أساسي هو توفير ضمانات موثوقة، وعوائد واضحة بالدولار، ونشر تقارير دورية حول كيفية استخدام الأموال. كما يشير إلى إمكانية الاستفادة من تجارب دول مثل مصر وإثيوبيا، التي ربطت هذه السندات بمشاريع محددة.

لكن من خلال تجارب الدول التي استخدمت سندات المغتربين تبين أنها ليست حلاً سحرياً، بل أداة تحتاج إلى حوكمة وشفافية عالية وتوقيت سياسي مناسب حتى لا يتم تسييسها. وفي حالات الدول الهشة أو الخارجة من نزاعات، قد تتحول هذه السندات إلى عبء إضافي إذا تم طرحها من دون ضمانات واضحة أو مشاريع ملموسة. ولذلك فإن تطبيق هذا النموذج في سوريا إن طرح مستقبلاً لا يمكن أن يتم إلا في إطار ضيق، مرتبط بمشاريع محددة، وبإدارة مستقلة، وبأدوات تخفيف مخاطر حقيقية.

وفي هذا السياق، تبدو تجربة نيجيريا في التفكير بصندوق مخصص للمغتربين ذات دلالة خاصة. فالصندوق لا يسعى فقط إلى جذب التحويلات، بل إلى تجميعها وتوظيفها استثمارياً ضمن أفق زمني طويل نسبياً، وبحوكمة احترافية. هذا النموذج بالرغم من تعقيده، يفتح نقاشاً مهماً حول الفرق بين تشجيع التحويلات للاستهلاك، وبين تحويلها إلى رأسمال منتج. وفي حالة سوريا أشار الجزماتي أنه يمكن إنشاء صناديق استثمار مخصصة للمغتربين، تتيح لهم الاستثمار في مجالات واعدة مثل التكنولوجيا، والطاقة المتجددة، والعقارات، إضافة إلى إشراكهم في تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، أو طرح شهادات ادخار بالدولار بعوائد ثابتة.

إلى جانب الأدوات المالية، تلعب الحوافز غير النقدية دوراً حاسماً في بناء الثقة مع المغتربين. التجربة التونسية تظهر أن تسهيل الإجراءات القانونية، وتخفيف الأعباء الضريبية، وتخصيص مساحات استثمارية مدعومة حكومياً، كلها عوامل قد تكون أكثر تأثيراً من رفع العوائد المالية نفسها. فالمغترب لا يتخذ قراره الاستثماري بناءً على العائد فقط، بل على إحساسه بالأمان القانوني والانتماء والقدرة على المتابعة.

يشدد الدكتور حسن غرة في هذا الخصوص على أن الحوافز الضريبية والجمركية يمكن أن تلعب دوراً مهماً في تشجيع المغتربين على استخدام القنوات الرسمية، بدلاً من السوق السوداء. ولا يهدف ذلك فقط إلى ضبط حركة الأموال، بل إلى تشجيع المغتربين على تخصيص جزء من تحويلاتهم للاستثمار.

ويؤكد الجزماتي الفكرة نفسها، داعياً إلى تقديم إعفاءات وتسهيلات واضحة، وشهادات ادخار مضمونة، إلى جانب التعاون مع مصارف وشركات تحويل دولية معروفة لتقليل كلفة التحويل وضمان الأمان.

في النهاية، تشير التجارب الدولية إلى أن تحويلات المغتربين يمكن أن تتحول من مورد هش وغير منظم إلى ركيزة من ركائز السياسة الاقتصادية، لكن ذلك يتطلب وجود خطوات مدروسة تسهم في الانتقال من عشوائية التحويل إلى التنظيم. والجدير بالذكر أن نجاح تجارب الدول لا يكمن في نقلها بحذافيرها إلى سوريا، بل بفهم آلية الاستفادة، وشروط نجاحها، واستنباط تجربة خاصة تناسب الوضع الاقتصادي السوري.

اقرأ أيضاً: التحويلات الخارجية إلى سوريا: شريان نجاة أم قيدٌ على التعافي؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى