المجتمع السوري

من أزمة إلى مورد اقتصادي هام: كيف يمكن حل مشكلة النفايات؟

بقلم هلا يوسف

لم تعد أزمة النفايات في سورية مجرد مشكلة خدمية مرتبطة بالنظافة العامة، بل تحولت خلال السنوات الماضية إلى واحدة من أكثر القضايا المعقدة، بسبب نتائجها الصحية والبيئية والاقتصادية والاجتماعية. حيث تراكمت أسباب الأزمة خلال السنوات السابقة. إلا أن هذه الأزمة ازدادت بعد عام 2011، حيث أصبحت جزءاً لا يتجزأ من المشهد اليومي في كل المدن. لفهم هذه الأزمة بعمق، لا بد من العودة إلى جذورها، ثم تتبع آثارها، وصولاً إلى استعراض تجارب دولية تثبت أن النفايات، رغم خطورتها، يمكن أن تتحول إلى فرصة حقيقية إذا تمت إدارتها بوعي وتخطيط. وهذا ما سنحاول تقديمه في هذا المقال.

أسباب أزمة النفايات

قبل عام 2011، كان يتم جمع النفايات المنزلية في معظم المدن السورية بشكل منتظم نسبياً، إلا أن المشكلة كانت تكمن في ما بعد الجمع. فمدافن النفايات كانت في الغالب مكشوفة، ويجري التخلص من القمامة عبر الحرق في حفر مفتوحة، من دون أي فصل بين النفايات المنزلية والنفايات الخطرة أو الطبية. هذا الأسلوب البدائي في الإدارة لم يكن مستداماً، لكنه استمر لسنوات في ظل غياب البدائل.

ومع اندلاع الصراع وتدهور الأوضاع الأمنية والخدمية، دخل ملف النفايات مرحلة أكثر تعقيداً. فقد شهدت خدمات النظافة انهياراً شبه كامل في كثير من المناطق، وبدأت أكوام القمامة تتكدس في الشوارع والأحياء السكنية. ومع نقص الإمكانات، لجأت البلديات إلى حلول اضطرارية، مثل الحرق العشوائي أو الإغراق غير المنضبط، وهي إجراءات لم تعالج المشكلة بقدر ما فاقمت آثارها الصحية والبيئية.

في دمشق تظهر ملامح الأزمة بوضوح. فقبل عام 2011، كانت المحافظة تنتج نحو 3000 طن من النفايات يومياً. وكانت تعتمد على معمل لفرز ومعالجة القمامة تم إنشاؤه في منطقة الغزلانية عام 1994، بتقنيات بدائية حتى بمعايير ذلك الوقت. ومع توسع المدينة وزيادة عدد سكانها، لم يعد هذا المعمل قادراً على مواكبة الكميات المتزايدة، وأصبحت طاقته الإنتاجية محدودة قياساً بحجم المنطقة التي يفترض أن يخدمها.

أما حالياً لا تضم دمشق سوى مكب نظامي واحد يحتوي على مطمر صحي، ووحدة لمعالجة النفايات الطبية، ومدفن مؤقت للنفايات الخطرة، إضافة إلى معمل قديم لتحويل القمامة إلى سماد. هذا المعمل كانت طاقته عند تأسيسه تبلغ نحو 700 طن يومياً، لكنها انخفضت لاحقاً إلى نحو 200 طن خلال الصراع الذي تلا الثورة السورية، ثم إلى قرابة 100 طن يومياً، نتيجة انقطاع الكهرباء وكثرة الأعطال، ما جعله عاجزاً عن استيعاب سوى جزء بسيط من النفايات المنتجة.

وتتعاظم الأزمة بسبب النقص الحاد في العمالة. فضعف الرواتب جعل العمل في قطاع النظافة غير جاذب، ما أدى إلى عجز البلديات عن شغل عشرات الوظائف الشاغرة. ويضاف إلى ذلك تهالك البنية التحتية، من شاحنات نقل قديمة وحاويات غير كافية، الأمر الذي يعيق الجمع المنتظم للنفايات ويساهم في تراكمها في الشوارع.

كما لعبت الكثافة السكانية المتزايدة دوراً أساسياً في تفاقم المشكلة، إذ أدى تدفق أعداد كبيرة من النازحين إلى مضاعفة كميات القمامة، وزاد الضغط على نظام البلدية الذي يعاني أصلاً من ضعف الإدارة وسوء التخطيط، عدا عن مظاهر الفساد التي تظهر في التوزيع غير العادل للحاويات وفرض رسوم غير فعالة.

التأثيرات الصحية والبيئية للأزمة

لا تتوقف آثار النفايات عند حدود المنظر العام، بل تمتد لتشكل تهديداً مباشراً لصحة الإنسان والبيئة. فمكبات القمامة تعد من المصادر الرئيسية لانبعاث غازات الاحتباس الحراري، حيث ينتج عن تحلل النفايات كميات كبيرة من الميثان وثاني أكسيد الكربون، ما يساهم في تغيّر المناخ ويؤثر في جودة الهواء.

ومع غياب الشروط الهندسية السليمة، تتحول المكبات إلى مصادر خطيرة لتلوث المياه السطحية والجوفية. فالعصارة السائلة الناتجة عن رطوبة النفايات ومياه الأمطار المتسربة تحمل معها مركبات كيميائية ومعادن ثقيلة، تتغلغل في التربة وتصل إلى مصادر المياه، مصحوبة بروائح كريهة وانبعاثات من الجسيمات الدقيقة والهباء الحيوي، ما يزيد من مخاطر الأمراض التنفسية.

داخل هذه المكبات تحدث تفاعلات كيميائية وميكروبيولوجية معقدة تؤدي إلى تشكل ملوثات غازية خطرة ومواد عضوية ثابتة، مثل الديوكسينات والهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات، إضافة إلى الجسيمات الدقيقة والمعادن الثقيلة. وعندما تصل الغازات الحمضية إلى الغلاف الجوي، تسهم في تكوين الأمطار الحمضية التي تضر بالنباتات والتربة وتؤثر سلبياً على نمو المحاصيل وإنتاجيتها.

ويزداد الخطر مع الحرق العشوائي للنفايات، الذي يطلق دخاناً محملاً بمواد سامة مثل الديوكسينات والفيورانات، ما يرفع احتمالات الإصابة بالأمراض المزمنة. كما يؤدي تسرب العصارة إلى شبكات الصرف والمسطحات المائية إلى خفض نسبة الأكسجين في المياه، مهدداً الحياة المائية ومخلاً بتوازن النظم البيئية.

وتتنوع النفايات في سورية بين صناعية تحتوي على معادن ثقيلة، وكهربائية ناتجة عن الأجهزة المعطلة، وتجارية، وزراعية، وحيوانية، ومنزلية وطبية، إضافة إلى النفايات العضوية والخطرة. إلا أن النفايات الإنشائية تبقى التحدي الأكبر، إذ خلف الدمار الواسع كميات هائلة من الردم والخرسانة والحديد والأخشاب. وتقدر التقارير الدولية حجم هذه الأنقاض بنحو 142.5 مليون طن، ما يضع سورية في مراتب متقدمة عالمياً من حيث التلوث بهذا النوع من النفايات.

النفايات كمورد اقتصادي وبيئي.. تجارب دولية بالأرقام

تظهر التجارب الدولية أن النفايات يمكن أن تتحول من عبء إلى مورد اقتصادي فعال. ففي السويد يعاد تدوير أو تحويل نحو 99% من النفايات المنزلية إلى طاقة أو مواد قابلة لإعادة الاستخدام. وتعمل 34 محطة لتحويل النفايات إلى طاقة على تزويد نحو 250 ألف أسرة بالكهرباء والتدفئة، بما يغطي قرابة 20% من احتياجات التدفئة في البلاد، ما ساهم في خفض الاعتماد على الوقود الأحفوري بنسبة 10%.

أما ألمانيا فقد بلغت نسبة إعادة تدوير النفايات البلدية فيها أكثر من 67% عام 2023. ويساهم قطاع إعادة التدوير بنحو 50 مليار يورو سنوياً في الاقتصاد، ويوفر قرابة 300 ألف وظيفة مباشرة، مع عائدات بلغت نحو 16 مليار يورو في عام واحد.

أما في اليابان فيقوم النظام على الالتزام الدقيق، وتعد بلدة كاميكاتسو نموذجاً مميزاً، حيث تفرز النفايات إلى 34 فئة مختلفة، ما قلل كميات النفايات المرسلة إلى الحرق والطمر وخفض الكلفة البيئية.

وفي سويسرا أدت سياسة “ادفع مقابل ما ترميه” إلى خفض النفايات غير القابلة لإعادة التدوير بنحو 90 كيلوغرام للفرد سنوياً خلال 20 عاماً، مع إعادة تدوير 93% من الزجاج و91% من الألمنيوم.

أما كوريا الجنوبية، فقد خفضت هدر الطعام من 130 كيلوغرام للفرد سنوياً إلى أقل من 11 كيلوغرام عبر نظام وزن ودفع، وتحول النفايات الغذائية إلى غاز حيوي وطاقة وسماد. وفي ويلز ارتفعت نسبة إعادة تدوير النفايات المنزلية من 5% إلى 64% خلال 20 عاماً بفضل التعليم والسياسات التحفيزية.

بحسب البيانات تسهم إعادة التدوير في توفير الموارد وخلق فرص العمل، إذ يوفر تدوير طن واحد من الورق 17 شجرة ونحو 50% من المياه، ويعمل في هذا القطاع نحو 12 مليون شخص. وبالرغم من ذلك لم يعاد تدوير سوى 9% من البلاستيك عالمياً، بينما تراكم 79% في البيئة أو المكبات.

كيف يمكن تحويلها من عبء إلى فرصة؟

رغم عمق أزمة النفايات في سورية، فإنها تحمل في طياتها إمكانية التحول إلى مدخل للتنمية، إذا تم التعامل معها بعقلية مختلفة تقوم على الاستثمار والاستدامة بدل الحلول المؤقتة. فإعادة بناء منظومة إدارة النفايات يمكن أن تكون نقطة انطلاق لتحسين الخدمات، وتوفير فرص عمل، والحد من التلوث في آنٍ واحد.

أولى الخطوات تبدأ من البنية التحتية، عبر إنشاء محطات صغيرة لتحويل النفايات العضوية إلى طاقة، سواء على شكل غاز حيوي أو كهرباء. مثل هذه المشاريع إذا تم تنفيذها بدعم من جهات دولية مثل UNDP أو البنك الدولي، يمكن أن تؤمن مصادر طاقة لمناطق تعاني من نقص الخدمات، كالأحياء المكتظة أو ضواحي المدن، بالتزامن مع إقامة مراكز محلية لفرز وتدوير البلاستيك والورق، ما يخفف الضغط على المكبات ويخلق فرص عمل مباشرة.

ولا تقل التشريعات والتوعية أهمية عن المشاريع التقنية. ففرض قوانين بسيطة تلزم بفصل النفايات عند المصدر، مدعومة بحملات توعية عبر المدارس ودور العبادة ووسائل الإعلام، يمكن أن يغير سلوك الأفراد تدريجياً. كما أن تقديم حوافز ضريبية وتشجيعية للقطاع الخاص للاستثمار في جمع النفايات أو إعادة تدويرها قد يفتح الباب أمام مبادرات محلية مبتكرة.

أما على صعيد فرص العمل فإن قطاع النفايات قادر على استيعاب أعداد كبيرة من الشباب، إذا ما تم تحسين رواتب عمال النظافة وتوفير تدريب مهني للعمل في مراكز الفرز والتدوير. ويمكن أيضاً تمكين النساء من خلال إشراكهن في هذه الأنشطة، على غرار تجارب دول مثل رواندا، حيث ساهمت مشاركة النساء في هذا القطاع في تعزيز دخلهن واستقلاليتهن الاقتصادية.

وتبقى الشراكات الدولية عنصراً حاسماً، سواء عبر توسيع مبادرات قائمة مثل توزيع الحاويات في بعض المناطق، أو من خلال نقل الخبرات من دول متقدمة في هذا المجال، كالسويد التي راكمت تجربة طويلة في تحويل النفايات إلى طاقة.

في جوهر هذه الرؤية، تقوم الحلول المستدامة لإدارة النفايات على مبادئ التقليل وإعادة الاستخدام وإعادة التدوير. وتشمل هذه الحلول فصل النفايات من المصدر، وتحويل النفايات العضوية إلى سماد، وتطبيق تقنيات تحويل النفايات إلى طاقة، إضافة إلى مبادرات الاقتصاد الدائري التي تعيد التفكير في أنماط الإنتاج والاستهلاك. كما يمكن للأنظمة الذكية، مثل الحساسات التي تراقب امتلاء الحاويات، أن تقلل من الفوضى وتراكم القمامة في الأحياء.

وتتعدد طرق معالجة النفايات بين الطمر الصحي وفق معايير هندسية صارمة، والحرق ضمن محارق متطورة، وإعادة التدوير، والتحلل العضوي لإنتاج الأسمدة. هذه الطرق لا تلغي المشكلة نهائياً، لكنها تخفف من مخاطرها وتحول جزءاً منها إلى مورد نافع. ويرى مختصون أن التوعية المجتمعية تبقى حجر الأساس، من خلال برامج إعلامية وتعليمية ترسخ الوعي البيئي، وتشجع على الاستثمار في الصناعات التدويرية.

ومع ذلك لا تخلو هذه الرؤية من تحديات واقعية. فالوضع الاقتصادي الهش يحد من القدرة على تنفيذ مشاريع كبيرة، وعدم الاستقرار السياسي قد يعرقل الاستمرارية، فيما يتطلب ضعف ثقافة إعادة التدوير حملات توعية طويلة الأمد. وبالرغم من هذه العقبات، فإن تحويل النفايات إلى فرصة يظل خياراً ممكناً، إذا توفرت الإرادة والتخطيط، ووضعت صحة الإنسان والبيئة في رأس الأولويات.

اقرأ أيضاً: كانون الثاني 2026.. بداية عام خدمية في دمشق بلغة الأرقام وعيون المواطنين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى