منع دخول الشاحنات الأجنبية يعيد الحق للجانب السوري ويفعّل السيادة الاقتصادية

بقلم هلا يوسف
عند النظر إلى واقع النقل البري السوري، لا يمكن الحديث عن تطوير هذا القطاع دون التطرق إلى مشكلاته التي تفرضها سياسات خارجية أحادية، والتي لا تأخذ بالاعتبار للجانب السوري وعوائده الاقتصادية. فقد عانى قطاع النقل البري منذ سنوات من اختلالات واضحة في فرص العمل والتبادل، لكن الوضع تغير مع التحرير ووجود فرص لفرض تعامل مختلف يعيد الحقوق لأصحاب الشاحنات العاملين على خطوط النقل البري. وإدراك الأخيرين لهذا الوضع دفعهم لإعلاء مطالبهم عدة مرات، مما دفع بالحكومة السورية لإصدار قرار أثر على حركة النقل داخل البلاد وخارجها. فقرار منع دخول الشاحنات غير السورية إلى الأراضي السورية، باستثناء شاحنات الترانزيت، فتح الباب أمام تساؤلات متعددة: هل جاء القرار استجابة حقيقية لمطالب داخلية مزمنة؟ وهل يشكل خطوة إصلاحية في إدارة التجارة والنقل؟ أم أنه يحمل في طياته أعباء إضافية على حركة التبادل مع دول الجوار؟ والأهم، هل يمكن تحويله من أزمة آنية إلى فرصة لإعادة التوازن؟
مضمون القرار الحالي: تنظيم العبور وتفعيل الأسطول السوري
أصدرت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك قراراً دخل حيز التنفيذ فجر السبت، يقضي بعدم السماح بدخول الشاحنات غير السورية إلى الأراضي السورية عبر المنافذ البرية، مع استثناء الشاحنات العابرة بصفة “ترانزيت”. ونص القرار على اعتماد آلية مناقلة البضائع داخل ساحات الجمارك، بحيث تقوم الشاحنات القادمة من دول الجوار بتسليم حمولتها عند الحدود، على أن تتولى الشاحنات السورية نقل البضائع إلى الداخل.
كما ألزم القرار جميع الشاحنات، سورية وغير سورية، بعدم دخول المنافذ البرية أو البحرية إلا بعد الحصول على إيصال أصولي صادر عن مكتب نقل البضائع، تتولى وزارة النقل تنظيمه، في خطوة تهدف إلى ضبط حركة الشحن ومنع العشوائية في التشغيل.
وبحسب الهيئة فإن القرار لا يستهدف دولة بعينها، بل يطبق على جميع دول الجوار، وجاء استجابة لمطالبات واحتجاجات أصحاب الشاحنات السورية الذين اشتكوا من حرمانهم من العمل، في وقت تدخل فيه آلاف الشاحنات الأجنبية محملة وتغادر محملة، بينما يمنع الأسطول السوري من المعاملة ذاتها.
تحركات الأردن ولبنان… احتواء الأزمة بدل تصعيدها
أحدث القرار ارتدادات سريعة على الحدود، حيث تكدست مئات الشاحنات عند المعابر، لا سيما مع الأردن ولبنان، ما استدعى تحركات رسمية ومهنية في البلدين. ففي الأردن نوقشت الأزمة خلال محادثات ثنائية بين مسؤولي وزارتي النقل، وتركزت النقاشات على فهم آلية القرار السوري، وتخفيف التعقيدات اللوجستية، ومعالجة تكدس الشاحنات في معبر نصيب. وأعرب ممثلو قطاع التخليص والنقل عن خشيتهم من تأثر الصادرات الأردنية، خاصة مواد البناء التي تدخل السوق السورية بكميات كبيرة.
في المقابل، جاء الموقف اللبناني حذراً لكنه غير تصعيدي. فقد حذرت اتحادات النقل البري من الانعكاسات السلبية على السائقين والتجار، ولا سيما في ما يتعلق بالمواد الغذائية القابلة للتلف، مؤكدة في الوقت نفسه استمرار التواصل مع الجهات السورية لإيجاد حلول تضمن مصلحة الطرفين وتحافظ على انسيابية التبادل.
وبالنظر إلى هذه التحركات فإن الدولتين الأردنية واللبنانية ينظران إلى القرار باعتباره إشكالية تشغيلية قابلة للمعالجة، أكثر من كونه خلافاً سياسياً، وهو ما يفتح المجال أمام حلول تفاوضية.
التأثيرات الإيجابية والسلبية للقرار
في الحقيقة، ينطوي هذا القرار على جوانب إيجابية عديدة بالنسبة لسوريا. فهو يعيد تشغيل أسطول النقل البري المحلي، ويوفر فرص عمل لآلاف السائقين، ويعالج اختلالاً واضحاً في ميزان الشحن. فالإحصاءات الرسمية تشير إلى هذا الاختلال، إذ أنه خلال شهر واحد فقط، دخلت إلى سوريا نحو 55 ألف شاحنة محملة بالبضائع المستوردة، في حين لم تتجاوز الشاحنات المصدرة جزءاً بسيطاً من هذا الرقم. مع تركيا وحدها، استوردت سوريا ما يقارب 27,500 شاحنة مقابل تصدير نحو 1,250 فقط، وهو نمط يتكرر مع الأردن ولبنان.
كما يرسخ القرار مبدأ المعاملة بالمثل، ويعكس استجابة حكومية لمطالب قطاع حيوي ظل مهمشاً لفترة طويلة، الأمر الذي يرفع منسوب الثقة بين العاملين في هذا القطاع والجهات الرسمية.
في المقابل، لا يخلو القرار من آثار سلبية. فآلية المناقلة ترفع تكاليف النقل والتخليص، وتزيد من زمن التوريد، ما ينعكس على الأسعار النهائية، خاصة للسلع الغذائية والزراعية. كما قد يؤدي التطبيق المفاجئ للقرار إلى إرباك التجار والمستوردين، وإلى تراجع مؤقت في حجم التبادل التجاري مع بعض الدول. وهنا يظهر التحدي الأساسي في تحقيق التوازن بين حماية الداخل وتقليل الأضرار على السوق.
قرار سوريا تجاه السعودية ومصر… السياق الأوسع للمعاملة بالمثل
القرار الحالي لا يمكن فصله عن سياسة سابقة انتهجتها دمشق، تمثلت في منع دخول الشاحنات السعودية والمصرية في تموز 2025، رداً على استمرار منع الشاحنات السورية من دخول أراضي البلدين. وقد استند ذلك القرار إلى مبدأ المعاملة بالمثل، باعتباره حقاً سيادياً معترفاً به دولياً.
هذا التوجه يعكس سعي سوريا إلى إعادة صياغة علاقتها التجارية والنقلية على أساس التكافؤ، لا الانفتاح الأحادي. وقد تزامن مع خطوات معاكسة في اتجاهات أخرى، مثل إعادة تفعيل الترانزيت مع تركيا، مما يدل على أن السياسة السورية لا تقوم على الإغلاق، بل على إعادة التموضع واختيار الشراكات الأكثر توازناً.
غير أن هذا النهج يبقى محفوفاً بالمخاطر إذا لم يتم تدعيمه بمسار دبلوماسي نشط، إذ قد يؤدي التصعيد المتبادل إلى إضعاف التبادل التجاري، وزيادة الضغوط على القطاع الخاص في الدول المعنية.
الحلول الممكنة… من إدارة الأزمة إلى استثمارها
تبدو الحلول ممكنة إذا ما جرى التعامل مع القرار كأداة تنظيمية مؤقتة لا كإجراء دائم. ويأتي في مقدمة هذه الحلول إعادة التفاوض الفني والوزاري مع دول الجوار، لوضع آليات تشغيلية تضمن تكافؤ الفرص دون تعطيل التجارة. كما يمكن لسوريا استثمار القرار لتسريع تطوير بدائل لوجستية، عبر تعزيز التعاون مع العراق وتركيا، وتوسيع الاعتماد على الموانئ البحرية، وحتى إحياء مشاريع النقل السككي، بما يخفف الضغط عن المعابر البرية.
وفي حال تعثرت الحلول الثنائية، يبقى خيار اللجوء إلى أطر إقليمية عربية مطروحاً لتوثيق التمييز في المعاملة، ومنح الملف بعداً مؤسسياً وقانونياً يعزز الموقف التفاوضي.
في النهاية، يعكس قرار هيئة المنافذ محاولة جادة لإعادة ضبط قطاع النقل البري، وحماية شريحة واسعة من العاملين فيه، ضمن هامش محدود من السيادة الاقتصادية للدولة. لكنه في الوقت نفسه يضع الحكومة أمام مسؤولية إدارة تداعياته بحكمة، بحيث لا يتحول إلى عبء على التجارة أو إلى توتر دائم مع الجوار.
اقرأ أيضاً: إعادة النقل الطرقي الترانزيت بين سوريا وتركيا خطوة نحو استعادة الدور الإقليمي









