المجتمع السوري

منع استيراد بعض المنتجات الزراعية: هل أنقذ المزارع أم أثقل كاهل المواطن؟

بقلم هلا يوسف

بعد مضي يومين على شهر رمضان المبارك، بدأت الجولات الإعلامية لرصد أسعار الخضار والفواكه في الأسواق السورية، خصوصاً عقب تطبيق قرار منع استيراد عدد من الأصناف الزراعية والحيوانية. هذا القرار الذي شغل خبراء الاقتصاد والمزارعين على حد سواء، في توقعات تأثيره على الأسعار في الشهر الفضيل نتيجة زيادة الطلب. مما دفع بموجة من الأسئلة التي سنحاول الإجابة عليها ضمن مقالنا، ومنها: هل حقق قرار منع الاستيراد أهدافه؟ وماذا عن ارتفاع الأسعار حالياً؟ وكيف يمكن تحقيق التوازن بين متطلبات السوق وتصريف منتجات المزارعين؟

أصدرت اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير في وقت سابق قراراً يقضي بمنع استيراد مجموعة واسعة من المنتجات الزراعية والحيوانية، في خطوة قالت إنها تهدف إلى حماية الإنتاج المحلي من المنافسة الخارجية. وشمل القرار أصنافاً أساسية تدخل يومياً في غذاء الأسر، منها: البطاطا، والبطاطا المفرزة، والملفوف، والقرنبيط، والجزر، والبرتقال، والليمون، والفريز الطازج، وبيض المائدة، والفروج الحي، والفروج الطازج والمجمد وأجزاؤه. كما توسعت القائمة لتضم الحمضيات عموماً، مثل الرمان، والكاكي، والتفاح، والتين المجفف، والخس، والبندورة، والفول السوداني، والباذنجان، والفليفلة، والزيتون وزيت الزيتون.

ولم يقتصر الأمر على إعلان القرار، بل رافقته إجراءات تنفيذية واضحة، إذ ألزمت إدارة الجمارك العامة في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك بعدم قبول أو تسجيل أي بيان جمركي يخص الأصناف المشمولة، مع التأكيد على إعادة أي شحنة مخالفة إلى بلد المنشأ على نفقة أصحابها، وفرض عقوبات قانونية صارمة بحق المخالفين. وهنا تبدأ الحلقة الأولى من التأثير: فعندما يغلق باب الاستيراد، يصبح السوق معتمداً بالكامل على الإنتاج المحلي، ما ينقل النقاش مباشرة إلى سؤال القدرة على تلبية الطلب.

في الأوساط الزراعية لاقى القرار ترحيباً ملحوظاً. عدد من المزارعين رأوا فيه فرصة طال انتظارها لتسويق محاصيلهم دون منافسة المنتجات المستوردة التي كانت تطرح أحياناً بأسعار أقل من كلفة الإنتاج المحلي. حيث أكد بعضهم أن الأسعار التي طلبوها هذا الموسم لم تكن ممكنة في السنوات السابقة، ما يمنحهم هامش ربح أفضل ويعزز استمرارية العمل الزراعي.

لكن هذا الارتياح لم يكن شاملاً للجميع. فبعض المزارعين أشاروا إلى أن أصنافاً مثل البندورة، التي تعد محصولاً استراتيجياً في الساحل السوري، كان من يفترض أن يتم إدراجه ضمن الحماية الأوسع، في حين رأى آخرون أن بعض المنتجات، كالحمضيات، شهدت ارتفاعاً كبيراً في الأسعار وكان من الممكن السماح باستيراد محدود لها لتخفيف الضغط عن المستهلكين. ومن هنا ينتقل الجدل من دعم الإنتاج إلى كيفية إدارة التوازن بين العرض والطلب.

رأي الخبراء بانعكاسات القرار

كان لعدد من الخبراء رؤية استباقية لما سيحدث في السوق، وخصوصاً في شهر رمضان. إذ حذر الباحث الاقتصادي حيان حبابة من أن القرار، رغم نواياه الداعمة للإنتاج الوطني، قد ينعكس سلباً على معيشة المواطنين، خاصة أن أكثر من 90% من السوريين يعيشون ظروفاً اقتصادية صعبة بحسب الإحصاءات الرسمية. وأوضح أن هذه الشريحة تعتمد بشكل أساسي على المنتجات الزراعية لتأمين غذائها اليومي، وأن أي نقص في المعروض سيؤدي تلقائياً إلى ارتفاع الأسعار، مما يفاقم التضخم ويزيد الأعباء على الأسر ذات الدخل المحدود.

كما شدد حبابة على أن حماية المنتج المحلي سياسة اقتصادية معروفة، لكنها تنجح عندما يكون هناك اكتفاء ذاتي فعلي. أما في حال عدم توافر كميات كافية لتغطية حاجة السوق، فإن وقف الاستيراد قد يخلق فجوة تترجم بشكل سريع إلى ارتفاعات سعرية. ومع ذلك أشار إلى احتمال أن يكون القرار خطوة مؤقتة تهدف إلى مواجهة السلع المستوردة.

وتشارك معه نفس الرأي رئيس لجنة سوق الهال بدمشق محمد العقاد، الذي أكد أن القرار يحمل جوانب إيجابية وأخرى تحتاج إلى متابعة دقيقة. فهو من جهة يمنح المزارعين فرصة لتصريف إنتاجهم، لا سيما في المواسم التي تشهد وفرة في البطاطا والحمضيات والفواكه. ومن جهة أخرى حذر من أن بعض المنتجات غير المتوافرة محلياً قد تشهد نقصاً في المرحلة الأولى، مما يستدعي رقابة دقيقة لضمان عدم استغلال الوضع ورفع الأسعار بشكل غير مبرر.

وأشار العقاد إلى أن أسواق دمشق تعتمد على تنسيق مستمر بين المنتجين والجهات الجمركية لضبط حركة السلع، مؤكداً أن بعض الأصناف متوافرة بكثرة حالياً، في حين يحتاج بعضها الآخر إلى استيراد محدود لسد العجز. وبذلك تتضح أهمية المرونة في تطبيق القرار بما يحقق الغاية منه دون إرباك السوق.

الأسعار والرقابة في شهر رمضان

عند النظر إلى أسعار الخضار والفواكه بالأسواق خلال شهر رمضان، نلاحظ ارتفاعاً ملحوظاً، نتيجة زيادة الاستهلاك التي أدت إلى زيادة الأسعار. فقد كشفت الأرقام الحالية حجم التحدي الواقع على الأسر السورية، فقد بلغ سعر كيلو لحم العجل نحو 190 ألف ليرة، فيما تجاوز لحم الغنم 200 ألف ليرة، ما يجعل اللحوم خارج متناول شريحة واسعة من الأسر.

أما في سوق الخضار، فوصل كيلو البندورة إلى 9000 ليرة، والبطاطا إلى 5000 ليرة، والخيار 8000 ليرة، والباذنجان 9000 ليرة، والبصل اليابس 6000 ليرة. وتراوح سعر الليمون بين 18 و20 ألف ليرة، والثوم بين 20 و35 ألف ليرة. وفي الفواكه، بلغ كيلو الموز نحو 12 ألف ليرة، والبرتقال بين 13 و15 ألف ليرة، فيما تجاوز التفاح 15 ألف ليرة للكيلوغرام الواحد. كما وصل سعر ليتر الزيت إلى نحو 23 ألف ليرة في بعض المحال، إضافة إلى ارتفاعات في السكر والأرز والبرغل.

أمام هذه الأرقام، تغير سلوك الشراء بشكل واضح. فكثير من العائلات اتجهت نحو سياسة الشراء “بالحبة” بدلاً من الكيلو. وتقديرياً يمكن تسعير حبة البندورة أو الخيار أو البصل أو البطاطا بنحو 1000 ليرة، وقد تصل البطاطا إلى 2000 ليرة حسب الحجم، وحبة الباذنجان 2000 ليرة، والفليفلة الكبيرة 3000 ليرة، وحبة الموز 2000 ليرة.

وتعقيباً على ذلك أوضح الخبير الاقتصادي وأمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حبزة أن تراجع القدرة الشرائية دفع المواطنين إلى الشراء بالتجزئة، سواء بالحبة أو بالأوقية، لتأمين الاحتياجات الأساسية فقط. وأشار إلى أن تصدير بعض المنتجات كالحمضيات والتفاح بالتوازي مع منع الاستيراد، ومن دون دراسة دقيقة لحاجة السوق في رمضان، ترك المجال للتجار للتحكم بالعرض والأسعار في ظل اقتصاد السوق الحر، مما زاد الضغط على المستهلكين.

في المقابل أكد عواد قطيش، رئيس دائرة حماية المستهلك وسلامة الغذاء في مديرية التجارة الداخلية بحمص، أن المديرية كثفت إجراءاتها الرقابية قبل وخلال رمضان، عبر تسيير دوريات صباحية ومسائية، ومراقبة أسعار السلع الأساسية كالسكر والأرز والزيت واللحوم والخضار والفواكه والألبان والحلويات والعصائر الرمضانية.

كما يجري التأكد من الإعلان الواضح عن الأسعار، ومنع الاحتكار، ومتابعة الفواتير، مع استقبال الشكاوى عبر الرقم 119 على مدار الساعة، وتثبيت سيارات تموينية في نقاط محددة لمعالجة المخالفات فوراً.

في النهاية، لا يكمن التحدي الحقيقي في منع الاستيراد بحد ذاته، بل في إدارة السوق بحكمة تضمن حماية المزارع من جهة، وصون القدرة الشرائية للمواطن من جهة أخرى، لأن أي خلل في هذه المعادلة سينعكس مباشرة على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

اقرأ أيضاً: ماذا تبقّى من الصناعة في حلب اليوم؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى