ماذا ينقص تجربة المجتمع المدني السورية اليوم؟ دروس من بولندا وتونس
منظمات المجتمع المدني السوري بين الفراغ والتحول المؤسسي

الكاتب: أحمد علي
حين تتبدل قواعد الحكم فجأة، تصبح الأسئلة اليومية أشد إلحاحاً من الشعارات. من يدير الخدمات حين تتراجع مؤسسات الدولة؟، ومن يهدئ المخاوف حين ترتفع الشكوك؟، ومن يرسم حدود العلاقة بين المجتمع والسلطة الجديدة؟ تقرأ ورقة بحثية صادرة عن المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة للباحث محمد السكري هذه الأسئلة عبر مسار المنظمات والجمعيات خلال السنة الأولى من المرحلة الانتقالية، وتشرح لماذا اتسع الدور الوظيفي للحقل المدني بينما بقي أثره المؤسسي محدوداً.
منظمات المجتمع المدني السوري ودورها
ترى الدراسة أن منظمات المجتمع المدني السوري ظهرت في الأسابيع الأولى بعد السقوط كشبكة استجابة سريعة أكثر منها فاعلاً مؤسسياً قادراً على التأثير في قواعد المرحلة الجديدة. أعادت جمعيات تشغيل خدمات أساسية، ونظمت الإغاثة، وقدمت دعماً نفسياً واجتماعياً، واشتغلت كوسيط محلي يخفف الاحتكاك بين السكان والسلطات الناشئة. لكن هذا الحضور لم يتحول إلى مسار مستدام يعيد تشكيل المجال العام على أسس ديمقراطية واضحة.
وتؤكد الورقة أن المعضلة لا ترتبط بنقص الحريات أو قلة النشاط، بل بغياب تصور استراتيجي لدى جزء واسع من الفاعلين حول وظيفة المجتمع المدني في انتقال سياسي. لذلك بقيت الأدوار محصورة غالباً في تقديم الخدمات، مقابل ضعف الاستثمار في وظائف التنظيم والرقابة وبناء الشبكات. كما تشير إلى هشاشة داخلية في الحوكمة، وتشتت في الهوية البرامجية، واعتماد كبير على تمويل خارجي لا ينسجم دائماً مع أولويات التحول وبناء الثقة.
إرث السيطرة وقطع التراكم
تضع الورقة هذا الأداء ضمن تاريخ طويل من التسييس والاحتواء، فالمجال الأهلي السوري عرف بدايات قانونية وتنظيمية، ثم دخل لاحقاً في طور الدولة الأمنية التي أعادت هندسة المجتمع المدني، فقلصت الاستقلالية ووسعت منظمات موالية تؤدي وظائف اجتماعية تخدم رؤية السلطة. وتشير الدراسة إلى أن الانفتاح المحدود قبل 2011 بقي مضبوطاً إدارياً وأمنياً، بينما ازدهرت منظمات واجهة أقرب إلى الذراع الاجتماعية للدولة من كونها تعبيراً عن المبادرة المستقلة.
ومع “الثورة” توسع العمل المدني في مناطق المعارضة ودول اللجوء، واضطلع بمهام كانت تقليدياً من اختصاص الدولة. غير أن هذا التوسع جاء في ظروف طوارئ وعنف ونزوح، فكان البناء التنظيمي سريعاً ومتقطعاً، وتفاوتت الخبرات بين الداخل والخارج. وتلفت الورقة إلى أن هذا الإرث جعل العمل المدني يدخل المرحلة الانتقالية وهو يحمل خبرة ميدانية واسعة، لكنه يفتقد تراكم مؤسسي متين يساعده على الانتقال من إدارة الأزمات إلى التأثير في السياسات العامة.
عام الانتقال وحدود الإنجاز
تصف الدراسة السنة الأولى بأنها مرحلة سيولة تنظيمية أكثر من كونها مرحلة تأسيس مؤسسي. بيئات العمل انقسمت بين مناطق توفر قدراً أعلى من الاستقرار والموارد يسمح ببرامج أكثر انتظاماً، ومناطق أخرى واجهت قيوداً أمنية وسياسية وأطراً قانونية أضعف، مثل مناطق قوات سوريا الديمقراطية والسويداء.
وتقدّم تجربة حلب مثالاً على نجاح ممكن حين تتوفر شراكة عملية وضرورات ملحّة، إذ أسهمت منظمات المجتمع المدني السوري في إعادة تشغيل الخدمات وتنظيم الدعم والوساطة المحلية بعد توقف العمليات العسكرية.
لكن الورقة تلاحظ أن النجاحات بقيت مرتبطة بظروف استثنائية ولم تتطور إلى نموذج دائم ينتقل بين المناطق. كما تشير إلى تمركز جزء معتبر من الفعل المدني في دمشق وحلب، وإلى أن التنافس داخل الحقل المدني نفسه، وتبدل مواقع بعض النخب بين المجتمع المدني والعمل السياسي، يفتحان نقاشاً حول الثقة والتمثيل وحدود التفويض.
ضبط قانوني وتداخل إداري
على صعيد السياسات العامة، ترى الورقة أن الدولة في المرحلة الانتقالية لم تعتمد قمعاً مباشراً، بل اتجهت إلى ضبط إداري قانوني تدريجي يعيد تعريف الشرعية وحدود الفعل المدني. في البدايات ظهر اتجاه لترخيص مؤقت واسع وتنظيم أولي للعلاقة بحكم الحاجة إلى خدمات تقدمها المنظمات، ثم برزت لاحقاً إجراءات رقابية أشد على التمويل والتنسيق والانتساب، ما أثار اعتراضات اعتبرت أن الضبط يتحول إلى سيطرة مقنعة تحد من الاستقلالية.
وتضيف الدراسة أن المشكلة تتصل بإدارة جزئية للقطاع وعدم وجود إصلاح هيكلي شامل، مع تداخل أدوار جهات حكومية متعددة في الملف المدني. هذا التداخل يخلق ضبابية في المرجعية ويضعف الحوكمة العامة للقطاع، ويجعل منظمات المجتمع المدني السوري أقرب إلى منفذ خدمات مرتبط بإجراءات متغيرة بدل أن تكون شريكاً مجتمعياً مستقلاً يراقب ويقترح.
دروس مقارنة وتحديات المستقبل
لتوضيح ما ينقص النموذج السوري، تقارن الورقة بتجربتين. في بولندا بعد 1989 تظهر أهمية منظمات متخصصة في حقوق الإنسان والرقابة على الانتخابات وبناء الثقافة المدنية ضمن إطار قانوني يضمن الاستقلالية، ما سمح بتحول المجتمع المدني إلى شريك يضغط ويقترح. وفي تونس بعد 2011 يبرز أثر اعتماد التصريح بدل الترخيص وحصر حل الجمعيات بالقضاء، بما وسع المجال العام وفتح أدواراً في الحوكمة والمساءلة والعدالة الانتقالية، مع بقاء تحديات التمويل والتفاوت في القدرات.
انطلاقاً من ذلك، تحذر الدراسة من استمرار حصر منظمات المجتمع المدني السوري في الإغاثة والخدمات وحدها، وتعد هذا الحصر وصفة لإدامة هشاشة الدولة والمجتمع معاً. وتميل إلى أن الطريق الأقرب يبدأ بإطار قانوني عصري واضح، وسياسات تنسيق مكتوبة تقلل التداخل بين المؤسسات، بالتوازي مع استثمار المنظمات في حوكمتها وشفافيتها وبناء شبكات للمناطق، والانخراط في ملفات السلم الأهلي والعدالة الانتقالية بوصفها مسؤوليات مجتمعية لا امتيازات سياسية.
اقرأ أيضاً: المجتمع المدني في سوريا: إعادة تشكيل لدوره بمشاركة الاتحاد الأوروبي









