أعمال واستثمار

من خط الإنتاج إلى مصرف سوريا المركزي: من يعطّل من؟

الكاتب: أحمد علي

لا تُقرأ تغييرات القواعد الاقتصادية في سوريا من القرارات وحدها، بل من أثرها داخل خط الإنتاج، فعندما تتأخر مادة أولية أسبوعاً يتغير جدول العمل، وعندما تُحجز دفعة مالية أشهر تتجمد خطط التوسعة. لذلك تحولت منصة تمويل المستوردات خلال السنوات الأخيرة إلى عنوان أكبر من كونها أداة مصرفية، لأنها لامست صميم العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، بين الحاجة إلى ضبط القطع الأجنبي وبين حاجة المعامل إلى سيولة يمكن التنبؤ بها.

منصة تمويل المستوردات تعود للواجهة

عاد الجدل حول منصة تمويل المستوردات إلى السطح مع تصريحات لرجل الأعمال السوري عصام أنبوبا، رئيس شركة أنبوبا للصناعات الزراعية، حين ربط ارتفاع إنتاج شركته بما اعتبره تبدلاً في بيئة الاستيراد والتمويل منذ بداية 2025. ونُقل عنه انتقاداً للمنصة، مع إشارته إلى أن شركته خلال عام واحد حققت إنتاجاً يوازي عدة سنوات سابقة، وهو توصيف يلفت الانتباه لأنه يضع سؤالاً مباشراً أمام السياسات الاقتصادية، هل كانت الإجراءات المالية عائقاً فعلياً أمام التوسع، أم أن عوامل أخرى كانت هي الحاسمة؟

قرار الإلغاء ومصير الأموال

لفهم خلفية النقاش، لا بد من العودة إلى قرار مصرف سوريا المركزي بإلغاء منصة تمويل المستوردات مع السماح للمستوردين بتمويل مستورداتهم من مصادرهم الخاصة دون المرور بالآلية السابقة. وألغيت مواد وتعليمات مرتبطة بالنظام الذي كان يحكم التمويل عبر المنصة، بما يعني نظرياً تقليل زمن الانتظار وتخفيف القيود على حركة المستوردات.

غير أن الإلغاء على الورق لا ينهي تلقائياً آثار ما سبقه، فالتقارير الاقتصادية المحلية في 2025 تحدثت عن بقاء أموال صناعيين وتجار “محجوزة” رغم توقف العمل بالمنصة، وهو ما أعاد الشكوى من زاوية مختلفة، إذ ليست المشكلة في وجود منصة من عدمها فقط، بل في كيفية إغلاق الملفات القديمة، وضمان استرداد المبالغ، وتوضيح مسار الاعتراضات والتسويات.

الإنتاج المحلي حين تتغير القواعد

في رواية أنبوبا، كانت النقطة المفصلية هي تسهيلات الاستيراد والجمركة مقارنة بما قبل 2025، إضافة إلى تخفيف القيود التي كانت تُطلب لتمويل المستوردات. في حديث منسوب إليه قال عصام أنبوبا: “أنتجنا ما يعادل إنتاج سبع سنوات سابقة”. وهذه الجملة تبقى ادعاءً من طرف واحد ما لم تدعمها بيانات إنتاج منشورة أو أرقام قطاعية مستقلة، لكنها تكشف طريقة تفكير شائعة لدى الصناعيين، حيث يُقاس نجاح السياسة العامة بقدرتها على تقليل الاحتكاك اليومي مع الإجراءات.

على الأرض، أي مصنع يعتمد على مواد أولية مستوردة يتأثر بثلاث حلقات مترابطة. الأولى هي القدرة على الحصول على التمويل والتحويلات، أما الثانية فهي وضوح شروط الاستيراد والوثائق المطلوبة. والثالثة هي زمن التخليص والرسوم.

وعندما تتغير حلقة واحدة يتغير إيقاع الإنتاج، لكن التحسن الحقيقي يحتاج استقراراً في الحلقات الثلاث معاً. ولهذا لا يكفي الحديث عن منصة تمويل المستوردات وحدها، بل عن البيئة التي جعلتها ضرورة ثم جعلت إلغاءها مطلباً.

في هذا السياق، أشارت تقارير إلى أن إجراءات إجازات الاستيراد واستماراته تم تعليقها، وأن إدخال البضائع صار يعتمد على حزمة وثائق أبسط مثل الفاتورة التجارية وشهادة المنشأ وبوليصة الشحن. ومع ذلك لفتت تقارير أخرى إلى أن الغموض في بعض التفاصيل بقي قائماً، وهو ما يجعل “السهولة” تجربة متفاوتة بين تاجر وآخر وبين منفذ حدودي وآخر.

طاولة دبي وأسئلة العودة

وردت تصريحات أنبوبا على هامش لقاءات لرجال أعمال سوريين في دبي، وهي ليست ساحة محايدة في النقاش السوري الاقتصادي، لأن جانباً كبيراً من رأس المال السوري المقيم في الخارج يراقب فرص العودة أو الشراكة من هناك. وتحدثت التقارير عن اجتماع ضم عشرات رجال الأعمال السوريين في الإمارات على هامش القمة العالمية للحكومات في شباط 2025، لمناقشة مستقبل الاستثمار في سوريا مع مسؤولين في الحكومة الانتقالية، وهي إشارة إلى أن قنوات الحوار مع قطاع الأعمال في الخارج صارت أكثر انتظاماً.

وعادةً ما يرفع هذا النوع من اللقاءات سقف التوقعات، لكنه يضع أيضاً معايير جديدة للمصداقية، فالمستثمر الخارجي يسأل عن قابلية تحويل الأرباح، وعن قواعد المنافسة، وعن حماية العقود، وعن استقرار القرارات. في هذه الأسئلة تعود منصة تمويل المستوردات كرمز لمشكلة أوسع تتعلق بالتنبؤ. فحتى عندما يُعلن قرار الإلغاء، يبقى السؤال عن كيفية تطبيقه في البنوك والجمارك والمعابر، وعن مدى توحيد الإجراءات بين المؤسسات.

بين العقوبات وشفافية السوق

لا يمكن فصل أي نقاش حول الصناعة السورية عن ملف العقوبات، وفي كانون الثاني 2026 ذكرت وسائل إعلام أن المحكمة العامة للاتحاد الأوروبي رفضت طعناً قدمه عصام أنبوبا ضد إبقاء اسمه على قوائم العقوبات، وهو ما يعكس تعقيد تعامل الشركات السورية مع التمويل الخارجي والشركاء الدوليين، حتى عندما تتحسن بعض الإجراءات داخل البلاد.

في المقابل، تتبنى السلطات السورية أحياناً سياسات حماية للمنتج المحلي عبر قرارات منع أو تقييد استيراد سلع موسمية أو محددة، كما حدث مع قرارات تتعلق بوقف استيراد أصناف من الخضار والفواكه خلال فترات معينة من 2025. وهذه القرارات تُقرأ لدى المنتجين كإسناد للسوق المحلي، بينما يراها آخرون مخاطرة إذا تسببت بنقص أو ارتفاع أسعار.

المهم هنا أن نجاح أي سياسة حماية مرتبط بوجود منافسة عادلة وشفافية في الكلفة والرسوم، وإلا تحولت الحماية إلى احتكار.

خلاصة الصورة أن منصة تمويل المستوردات لم تكن مجرد إجراء مصرفي، بل نقطة تماس بين سياسات النقد والتجارة والصناعة. وإلغاء المنصة قد يخفف قيوداً ويقصر مسارات التمويل، لكنه لا يحل وحده مشاكل الثقة ولا يعالج تركة الأموال المحجوزة إن لم تُغلق بوضوح.

وفي المقابل، تفتح تصريحات عن طفرة إنتاجية كبيرة باباً للنقاش حول ما يحتاجه القطاع الخاص فعلاً كي يوسع عمله، من كهرباء ووقود ومواد أولية، إلى قضاء تجاري وإحصاءات شفافة تسمح للناس بمقارنة الأقوال بالأرقام. فعندها يمكن تقييم ما إذا كان الجدل حول منصة تمويل المستوردات خطوة نحو قواعد أكثر قابلية للتطبيق، أم مجرد تبديل عنوان لبيروقراطية قديمة. وحتى ذلك الحين يبقى الاختبار الحقيقي هو الشفافية والاستقرار وتبادل المعلومات بين الدولة والسوق. وإعلان أرقام الإنتاج وتفاصيل الإجراءات ونشرها بشكل دوري قد يكون الخطوة الأهم لتهدئة هذا الجدل.

اقرأ أيضاً: حريق النويلاتي وصدام الواقع: لماذا هجرت شركات الإنتاج بلدها؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى