المجتمع السوري

موسم ذهبي عالق خلف الشاشة.. منصة تسويق القمح تشعل غضب مزارعي الحسكة

موسم وفير وحقول ممتدة بلون الذهب وآمال كبيرة علقها مزارعو الحسكة على محصول القمح بعد سنوات من الجفاف والتراجع الإنتاجي، إلا أن هذه الآمال اصطدمت هذا العام بعقبة غير متوقعة، تمثلت في منصة تسويق القمح الإلكترونية التي أطلقتها المؤسسة السورية للحبوب لتنظيم عمليات تسويق المحصول واستلامه من المزارعين.

أُنشئتِ المنصة باعتبارها إجراءً لتسهيل الإجراءات وتخفيف الازدحام أمام مراكز الاستلام وفقاً للجهات الرسمية، أما المزارعون فيتحدثون عن واقع مختلف تماماً، فبدلاً من تسريع عملية التسويق وجدوا أنها أدت إلى تأخير حصولهم على أدوار التسليم، وأجبرتهم على الانتظار لأيام وأحياناً لأسابيع طويلة في الوقت الذي يحتاج فيه القمح إلى النقل والتخزين السريع لتجنب الخسائر.

منصة تسويق القمح عقبة تهدد موسم

أطلقت المؤسسة السورية للحبوب خلال الشهر الماضي منصة إلكترونية جديدة بهدف تنظيم عمليات استلام القمح للموسم الحالي، حيث تقوم فكرة منصة تسويق القمح على تسجيل بيانات المزارعين إلكترونياً واختيار مركز التسليم ومن ثم الحصول على موعد محدد لاستلام المحصول.

هذه المنصة وفقاً للجهات الرسمية تعتبر خطوة متطورة باتجاه إنهاء الفوضى التي كانت ترافق مواسم التسويق السابقة وتقليل الازدحام أمام الصوامع ومراكز الاستلام، بالإضافة إلى تحسين إدارة الكميات وتوزيعها على المراكز المختلفة وفق طاقتها التشغيلية.

وفي هذا السياق، يؤكد معاون مدير زراعة الحسكة المهندس عز الدين الحسو، في حديث صحفي إن الإجراءات الإدارية الخاصة باستقبال المحصول ميسرة وسهلة، موضحاً أن المشكلة الأساسية تتركز في آلية الحجز عبر المنصة الإلكترونية.

لكن هذه المبررات لم تقنع عدداً كبيراً من المزارعين الذين وجدوا أنفسهم أمام إجراءات جديدة لم يعتادوا عليها من قبل، خاصة أن إطلاق المنصة جاء في وقت متأخر نسبياً وفق المحصول في حين أن هناك مناطق ريفية ما تزال تعاني من ضعف خدمات الإنترنت والاتصالات.

المواعيد مؤجلة والمخاوف متزايدة

بدأت تظهر الشكاوى من الأيام الأولى لانطلاق موسم الحصاد، تحديداً عندما وجد المزارعون أن المواعيد المحددة لهم عبر منصة تسويق القمح بعيدة عن موعد انتهاء حصادهم، فبعض المزارعين حصلوا على مواعيد استلام مؤجلة لأشهر ووصلت بعضها إلى شهر أيلول المقبل، في حين أن المحصول يكون قد تم حصده وأصبح جاهزاً للتسليم خلال حزيران.

وقد أثار الفارق الزمني موجة استياء وغضب كبيرين بين المزارعين الذين وجدوا أن الانتظار الطويل قد يعرض محاصيلهم لخسائر كبيرة، خاصة أن موسم القمح بعد حصاده يحتاج إلى ظروف تخزينية مناسبة وصحيحة، في حين أن بقاءه لفترات طويلة مكشوفاً أو داخل الشاحنات قد يعرضه للتلف أو الرطوبة أو الحرائق، بالإضافة إلى تكلفة الحراسة والنقل والتخزين.

احتجاجات تل تمر

الاعتراضات لم تبقَ محصورة في الشكاوى الفردية، ففي ريف تل تمر شمالي الحسكة نظم المزارعون وقفات احتجاجية طالبوا فيها بإلغاء المنصة الإلكترونية والعودة إلى آلية التسليم المباشر التي كانت متبعة خلال السنوات السابقة.

ورفع المحتجون شعارات تؤكد أن المشكلة لا تتعلق برفض التكنولوجيا أو التحول الرقمي وإنما بطريقة تطبيق النظام الجديد وتوقيته، فأي آلية جديدة يجب أن تراعي طبيعة العمل الزراعي الذي يعتمد على عامل الزمن والتأخير في استلام المحصول قد يذهب بجهود موسم كامل من الزراعة والري والحصاد.

هذه الاحتجاجات تعكس حجم التوتر الذي بدأ يتشكل بين المنتجين من جهة وبين الجهات المشرفة على عملية التسويق من جهة أخرى لا سيما مع اتساع رقعة الحصاد ودخول كميات أكبر من القمح إلى السوق.

الفجوة الرقمية في الريف

تكشف أزمة منصة تسويق القمح الإلكترونية عن جانب آخر من التحديات المرتبطة بالتحول الرقمي في القطاع الزراعي السوري، ففي الوقت الذي أصبحت فيه الخدمات الإلكترونية خطوة ضرورية في مسار تحديث الإدارة العامة يبقى نجاحها مرتبطاً بمدى جاهزية البيئة التي تطبق فيها وكذلك البنية التحتية.

ففي أجزاء واسعة من ريف الحسكة لاتزال خدمات الإنترنت غير مستقرة كما أن نسبة كبيرة من المزارعين وبشكل خاص كبار السن لا يمتلكون الخبرة الكافية للتعامل مع الأنظمة الإلكترونية الحديثة، ولذلك يضطر الكثير منهم إلى الاستعانة بأشخاص آخرين أو بمكاتب خدمات لإتمام عملية التسجيل ومتابعة الطلبات.

وهذا ما يقود إلى نقطةٍ جوهريةٍ لا يمكن التغافل عنها، ألا وهي وجوب تحقيق متطلبات المنصة الإلكترونية قبل إطلاقها، فالتحول الرقمي لا يتمّ دون بنيةً تحتيةً متكاملةً تشمل الاتصال الجيد والدعم الفني ومراكز للإرشاد والمساعدة والتدريب المستمر للمستخدمين، وإلا فإن التقنية قد تتحول إلى عبء إضافي بدلاً من أن تكون أداة للتسهيل.

الحسكة قلب القمح السوري

لطالما شكلت محافظة الحسكة خزاناً استراتيجياً للقمح السوري، فهي كانت لعقود المصدر الرئيسي لإمداد الأسواق السورية بالمادة الأساسية، ووفقاً لبيانات وزارة الزراعة السورية فإن المساحات المزروعة بالقمح خلال الموسم الحالي بلغت نحو 1.2 مليون هكتار على مستوى البلاد أي ما يعادل 86 بالمئة من الخطة الزراعية الموضوعة للموسم.

فيما تتوقع الجهات الرسمية أن يصل إجمالي الإنتاج إلى نحو 2.3 مليون طن إذا استمرت الظروف المناخية الملائمة حتى نهاية الموسم، كما تشير تقارير محلية إلى أن محافظة الحسكة وحدها قد تسهم بأكثر من مليون طن من الإنتاج المتوقع وهذا ما يجعل أي خلل في عملية التسويق مسألة تتجاوز حدود المحافظة وتلامس ملف الأمن الغذائي السوري بأكمله.

الاستعدادات الرسمية لاستقبال الموسم

تؤكد الجهات الرسمية أنها اتخذت سلسلة من الإجراءات لتسهيل عملية التسويق، حيث أعلنت محافظة الحسكة عن تجهيز عشرات المراكز والصوامع لاستقبال المحصول خلال الموسم الحالي، كما تحدثت مصادر رسمية عن افتتاح 20 مركزاً لاستلام القمح في محافظة الحسكة وحدها مع استكمال التحضيرات الفنية والإدارية اللازمة لاستقبال الكميات المتوقعة من المحصول.

كما عقدت المحافظة اجتماعات تنسيقية بين مديرية الزراعة والمؤسسات المعنية بهدف معالجة العقبات التي قد تواجه عملية التسويق، وتعتبر المنصة الإلكترونية جزءاً من خطة أشمل تهدف إلى تنظيم تدفق محاصيل القمح على المراكز ومنع الازدحام الذي كان يحدث في المواسم السابقة نتيجة وصول أعداد كبيرة من الشاحنات في الوقت نفسه.

وبهذا تأتي أزمة المنصة الإلكترونية في وقت حاسم بالنسبة للقطاع الزراعي خاصة أن الأمر يتعلق بالمنصة بمصير أهم المحاصيل الاستراتيجية في البلاد، وفي الوقت الذي تنتظر فيه آلاف الأطنان من القمح دورها للوصول إلى مراكز الاستلام والصوامع يبقى السؤال مفتوحاً حول إمكانية الجهات المعنية على الموازنة بين تنظيم العمل إلكترونياً وبين محاصيل يقف مزارعوها في نهاية المطاف على خط الإنتاج الأول للأمن الغذائي السوري.

اقرأ أيضاً: رقمنة تسويق القمح في حلب.. خطوة لتعزيز الأمن الغذائي وتقليص الهدر

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى