سياسة

مناف طلاس من باريس..كيف يرى الدولة في محاضرة؟

بقلم: هلا يوسف

انشغلت الأوساط الإعلامية والسياسية بالظهور العلني الأول “للجنرال” مناف طلاس في باريس ضمن محاضرة تناولت الوضع السوري الراهن، ورؤيته لمستقبل سوريا. وعلى مدار الأيام السابقة تم الترويج لهذه المحاضرة، ونظراً لأهمية طلاس العسكرية في النظام السابق قبل الثورة السورية، وما أحدثه انشقاقه عنه من ضجة إعلامية وقتها، فإن هذه المحاضرة اتخذت أبعاداً عدة، لذلك في هذا المقال سنسلط الضوء على أبرز ما جاء في محاضرته، وننقل لكم ردود الأفعال المختلفة من كافة التوجهات حولها، بالإضافة إلى محاولة بسيطة لتفسير ظهوره، وتخمين الدور الذي يمكن أن يلعبه في المرحلة القادمة.

استضاف معهد العلوم السياسية “سيانس بو” في باريس، يوم السبت، محاضرة للعميد السوري المنشق مناف طلاس، نظمها تجمع Le Cercle France Liban (حلقة فرنسا – لبنان)، وقد تناول طلاس من خلالها رؤيته للوضع الراهن في سوريا وآفاق المستقبل.

وقد جرت المحاضرة وسط إجراءات أمنية صارمة، حيث طُلب من الحضور التسجيل المسبق عبر موقع إلكتروني وإبراز بطاقات الهوية للتأكد من الأسماء، مع منع التصوير والتسجيل داخل القاعة.

وأمام عشرات المشاركين، عبّر طلاس عن أمله في نجاح المرحلة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع، وشدد على أن النجاح في المرحلة الانتقالية يتطلب إشراك جميع السوريين في السلطة. في حين انتقد احتكار طرف واحد للحكم، ونصح الشرع بضرورة “الدخول إلى الدولة لا إلى السلطة”، وأوضح أنه مستعد للتعاون معه رغم غياب أي تواصل مباشر حتى الآن.

أكد طلاس خلال محاضرته أنه لا يسعى لرئاسة سوريا، وأن هدفه هو توحيد البلاد والمساهمة في بناء الدولة، لا التنافس على السلطة. كما أوضح أنه يفضل نموذج ديني معتدل، ينتمي للأشعرية أو الصوفية، وتقوم على المشاركة السياسية دون فرض نفسها على الآخرين كالإسلام السياسي.

كما دعا إلى تشكيل مجلس عسكري يوحد القوى المسلحة ويؤسس لجيش وطني علماني وليس إسلامي، وحذر من انهيار المؤسسة العسكرية وسعيه لإنقاذها، وكشف عن اتصالات تربطه بآلاف الضباط المنشقين ومن قوات أخرى على الأرض مثل قسد وفصائل أخرى. كما رأى أن تقليص صلاحيات الرئيس لصالح المجلس العسكري يضمن ضبط المرحلة الانتقالية.

أما بشأن اللامركزية، فأكد دعمه لمنح المحافظات صلاحيات واسعة لإدارة شؤونها مع الحفاظ على وحدة الجيش والدولة، رافضاً فكرة الفدرالية الكاملة، لكنه دعم اللامركزية الإدارية.

أما عن مسألة السلام مع إسرائيل، فاعتبر أن البحث بهذا الملف يعد سابق لأوانه، بسبب هشاشة الوضع السوري الذي ترافق مع غياب المؤسسات القادرة على اتخاذ قرارات سيادية، مؤكداً أن أي خطوة في هذا التوقيت الذي تفتقد فيه البلاد لدستور وبرلمان وجيش وطني يعدّ سلام مفروض أو استسلام.

وفي ما يخص اللاجئين، دعا طلاس إلى وضع خطة عاجلة لعودة السوريين من دول الجوار ودمجهم ضمن آلية واضحة، مع ضرورة إشراك المغتربين في الغرب لاحقاً في عملية إعادة الإعمار بحكم خبرتهم المؤسساتية التي اكتسبوها من البلدان التي عاشوا فيها.

كما أكد على أن القرار الأممي 2254 يبقى المرجعية الأساسية للحل، لكنه يحتاج إلى تعديل بعد سقوط نظام الأسد، بحيث تقود المرحلة الانتقالية هيئة حكم تشاركية تضم مختلف القوى السياسية والاجتماعية.

اقرأ أيضاً: بين التأييد والتجاهل وغياب التطبيق: أين يقف القرار 2254 الخاص بسوريا؟

ردود الفعل على ظهور مناف طلاس

لم تمر محاضرة الجنرال السوري المنشق مناف طلاس مرور الكرام، بل شكلت دوامة من الجدل الواسع والانقسام داخل أوساط المتابعين السوريين. فقد اعتبر بعض المراقبين أن طلاس يمتلك القدرة على لعب دور جامع خلال المرحلة الانتقالية، معتمدين برأيهم على خلفيته العسكرية وعلاقاته السابقة ضمن الدائرة المقربة من الأسد، مدفوعين بالمصداقية السياسية التي يحملها مقارنة بشخصيات أخرى مرتبطة بالنظام نظراً لانشقاقه المبكر.

وعلى النقيض رأى آخرون أن ظهوره يفتقر إلى الشرعية الشعبية الفعلية، مشيرين إلى أن شريحة واسعة من السوريين لا تزال تنظر إليه كأحد عناصر النظام الذي سعوا لإسقاطه، وأن جهوده السياسية الحالية قد تُفسر على أنها محاولة لإعادة بناء صورة شخصية فقدت نفوذها الميداني منذ سنوات.

وقد علقت المعارضة والناشطة الحقوقية فرح يوسف على محاضرة مناف طلاس بأن سوريا اليوم تواجه أزمة عميقة لا يمكن الاستمرار فيها. معتبرة أن الحكم العسكري أو الفصائلي، مهما تغيرت الأسماء، ليس حلاً لأن المشكلة في بنية السلطة نفسها، لا في الأشخاص على حد قولها، وتوافقت مع رأي طلاس بأن خريطة الطريق واضحة وفق القرار 2254 الذي ينص على انتقال سياسي تقوده سورية بمجلس عسكري محدود، وهيئة حكم انتقالي مدنية، بدعم المجتمع الدولي، مشيرةً أن الحل هو عملية سياسية تشاركية، لا استبداد جديد، تضع حدّاً للفوضى وتحمي الشعب السوري.

من جانب آخر أظهرت مصادر مقربة من الحكومة السورية الحالية عدم الاكتراث بمحاضرة طلاس، واعتبرتها “محاولة لتلميع رجل بلا رصيد سياسي”، مع التأكيد على أن تأثيره على المعادلات السياسية والعسكرية داخل البلاد يبقى محدوداً.

ومع ذلك لفت حضور دبلوماسيين أوروبيين إلى أن بعض دوائر القرار في الغرب تتابع الملف السوري عن كثب، وتعتبر شخصيات مثل طلاس جسراً محتملاً لمرحلة ما بعد الأسد، حتى لو بقي تأثيرهم المباشر على الأرض محدوداً في الوقت الراهن.

تفسير توقيت الظهور ومستقبل الدور المحتمل لطلاس

تقول مصادر إعلامية أن اختيار مناف طلاس باريس لإلقاء محاضرته لم يكن عشوائياً، فالعاصمة الفرنسية تحمل علاقة تاريخية بعائلة طلاس منذ عقود، كما توفر فضاءً سياسياً وإعلامياً مناسباً لإعادة تقديم نفسه كلاعب محتمل في الملف السوري. وأضافت المصادر أن هذا الظهور في سبتمبر 2025 جاء بالتزامن مع تحولات متسارعة على الساحة السورية، وتجاذبات إقليمية ودولية، ومحاولات عربية لإعادة دمشق إلى محيطها، وجهود غربية لإيجاد صيغة جديدة لتسوية الأزمة.

وبذلك، وبالاعتماد على الرؤى الإعلامية الكثيرة التي تمّ طرحها، يمكن تصور مستقبل طلاس ضمن ثلاثة سيناريوهات رئيسية، أولها النجاح المحتمل القائم على تكوين جبهة عسكرية سياسية قادرة على لعب دور مؤثر خلال المرحلة الانتقالية، مستفيداً من خبرته العسكرية وشبكته السابقة داخل النظام.

بينما شمل السيناريو الثاني الحد الأدنى من التأثير، بحيث يبقى ظهوره مجرد تذكير بوجوده دون ترجمة عملية على الأرض، بسبب نقص الشرعية الشعبية أو القدرة على بناء تحالفات فعالة. بينما ذهب السيناريو الثالث لاعتباره محاولة استثمار دولي مؤقت، أي أن هناك بعض القوى الدولية تحاول استغلاله كخيار مرحلي في مرحلة ما بعد الأسد، دون أن يكون له تأثير طويل الأمد على السياسات الداخلية السورية.

لمحة عن مناف طلاس

ولد مناف مصطفى طلاس عام 1964 في دمشق، وهو ابن وزير الدفاع السوري الأسبق مصطفى طلاس، أحد أبرز رجالات حافظ الأسد. صعد بسرعة في السلم العسكري حتى تولى قيادة اللواء 105 في الحرس الجمهوري التي كانت إحدى أقوى وحدات النخبة للنظام السوري.

في صيف 2012، أعلن طلاس انشقاقه عن النظام وغادر إلى فرنسا، وقد اعتبرت هذه الخطوة بمثابة ضربة رمزية للنظام من داخل دائرته المقربة. وعاش في باريس بعيداً عن الأضواء منذ ذلك الوقت حتى ظهر مجدداً خلال هذه المحاضرة.

والجدير بالذكر أن طلاس يمتلك خبرة عسكرية وتنظيمية واسعة، لكنه يفتقر إلى التجربة السياسية المباشرة، ما يجعله بالنسبة للبعض مرشحاً محتملاً لدور مزدوج عسكري سياسي في مرحلة انتقالية، بينما يراه آخرون محدود التأثير بسبب افتقاده للشرعية الشعبية والبنية السياسية المؤسسية التي تسمح له بالتحرك بفعالية.

اقرأ أيضاً: قسد: ندعم تشكيل مجلس عسكري مشترك ومتواصلون مع طلاس

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى