المجتمع السوري

مليون مستفيد على خط الحياة: ثلاث اتفاقيات في القطاع الصحي مع منظمة الأمين

بقلم هلا يوسف

تعمل الحكومة السورية على ترميم الواقع الصحي الهش الذي خلفه النظام السابق، محاولةً الوقوف دون انهيار المؤسسات الصحية. وفي إطار ذلك وجدت وزارة الصحة طريقها لدعم الرعاية الصحية عبر توقيع اتفاقيات مع شركات ومنظمات فاعلة في هذا المجال، علها تخرج الشعب السوري من براثن الحرب. لذلك جاءت الاتفاقيات الموقعة مع الجمعية الدولية لرعاية ضحايا الحروب والكوارث “منظمة الأمين” كخطوة عملية تهدف إلى توسيع نطاق الخدمات الطبية وتحسين جودتها، ولا سيما في المناطق التي شهدت تراجعاً حاداً في التغطية الصحية خلال السنوات الماضية.

حيث وقعت وزارة الصحة ثلاث اتفاقيات تعاون مع منظمة الأمين التي دخلت حيز التنفيذ فور توقيعها، وتهدف إلى دعم استمرارية الخدمات الصحية وتعزيز البنية التحتية الطبية في عدد من المحافظات السورية. وتشمل هذه الاتفاقيات تقديم نحو 920 خدمة صحية عبر 956 كادراً طبياً ومسانداً، ليستفيد منها قرابة مليون شخص في محافظات حلب، وإدلب، وحماة، وحمص، وريف دمشق، وريف حمص.

وأوضح مدير التخطيط والتعاون الدولي في وزارة الصحة الدكتور زهير القراط أن الاتفاقية الأولى تتضمن تشغيل ودعم 80 منشأة صحية، تشمل 70 مركز رعاية صحية أولية و10 مراكز لغسيل الكلى، إضافة إلى خدمات العلاج الفيزيائي وإعادة التأهيل، والأطراف الصناعية، وذلك في محافظات حلب وإدلب وحماة وحمص.

أما الاتفاقية الثانية، فتتعلق بإنشاء مركز صحي متقدم في مدينة قدسيا بريف دمشق، جرى اختيار موقعه بناءً على دراسة للاحتياج، وسيجهز وفق معايير عالية تضاهي المعايير العالمية. ويتضمن المشروع ملحقات خدمية تشمل مسجداً ومحال تجارية استثمارية، يعود ريعها لدعم استدامة عمل المركز.

في حين تنص الاتفاقية الثالثة على إنشاء مركز صحي متقدم وعيادات خارجية في مدينة القصير بمحافظة حمص، إضافة إلى مسجد، ومحال تجارية، وبئر مياه لتأمين الاحتياجات الأساسية، في إطار دعم المدينة التي تعرضت لدمار واسع خلال سنوات الحرب.

وأكد القراط أن هذه المشاريع تندرج ضمن جهود الوزارة لتوسيع مظلة التغطية الصحية وتحسين جودة الخدمات، في وقت يشهد فيه القطاع الصحي تحديات غير مسبوقة.

منظمة الأمين شريك إنساني بخبرة ميدانية

من واقع صحي صعب، استطاعت منظمة الأمين إثبات نفسها في مجال الدعم الإنساني، إذ تعد الجمعية الدولية لرعاية ضحايا الحروب والكوارث “الأمين” منظمة إنسانية غير حكومية وغير ربحية، تأسست عام 2012 كمبادرة تطوعية أطلقها عدد من الأطباء والأكاديميين والمتطوعين، تخليداً لذكرى الشهيد محمد أمين حرصوني، واستجابة للاحتياجات المتزايدة للمتضررين من الأزمات الإنسانية.

تعمل المنظمة وفق مبادئ العمل الإنساني المتعارف عليها دولياً، وعلى رأسها الإنسانية والحياد وعدم الانحياز والاستقلالية، وتتبنى قيماً أساسية تشمل الثقة والاستجابة والمساءلة والنزاهة والشفافية، وتشمل تدخلاتها قطاعات الصحة والمياه والإصحاح والمأوى والتعليم والتغذية والحماية والأمن الغذائي وسبل العيش.

وقد حصلت الأمين على تراخيص رسمية في عدة دول، منها المملكة المتحدة والسويد والولايات المتحدة وتركيا، وشاركت في استجابات إنسانية في سوريا وتركيا ولبنان واليمن وفلسطين والسودان والعراق وأوكرانيا وغيرها، بالتنسيق مع السلطات المحلية والمنظمات الدولية.

من جانبه أكد المدير التنفيذي لمنظمة الأمين الدكتور معاوية حرصوني، أن هذه الاتفاقيات تتميز بتنوع مشاريعها وتوزعها الجغرافي، ما يجعل أثرها أوسع وأكثر شمولاً. وأشار إلى أن العمل في بعض المراكز الصحية بدأ بالفعل قبل توقيع الاتفاقيات، استجابة للحاجة العاجلة، ولا سيما في المناطق التي تعاني نقصاً حاداً في الخدمات الصحية.

اقرأ أيضاً: هل تنقذ الإصلاحات الحكومية التأمين الصحي؟

قطاع صحي على حافة الانهيار

تأتي هذه الاتفاقيات في ظل واقع صحي بالغ التعقيد، ورثته الحكومة السورية بعد سقوط النظام السابق أواخر عام 2024. فقد كشفت سنوات الحرب حجم التهالك الذي أصاب المنظومة الصحية، من مستشفيات مدمرة أو خارجة عن الخدمة إلى نقص فادح في الكوادر الطبية، وانعدام شبه كامل لأجهزة التشخيص المتقدمة في القطاع العام، مثل الرنين المغناطيسي والتصوير الطبقي المحوري.

كما أدت هجرة آلاف الأطباء والمختصين إلى الخارج إلى فجوة كبيرة في التخصصات الطبية، حتى أصبحت بعض الاختصاصات النادرة، كالتخدير والطب النفسي والطب الشرعي، على وشك الاندثار. وعلى الرغم من التوقعات بعودة بعض الكوادر بعد سقوط النظام، فضل معظمهم البقاء في الخارج بسبب الاستقرار المهني والأمان الشخصي والمالي الذي بنوه في الخارج.

إلى جانب النقص في الكوادر والتجهيزات، يواجه العاملون الصحيون ضغوطاً كبيرة تتراوح بين متطلبات أداء الواجب المهني في ظروف شديدة الصعوبة والضغوط الشعبية والأهلية التي وصلت في بعض الحالات إلى الاعتداء الجسدي والتهديد بالسلاح وأحياناً وصل إلى حد القتل التي كان أخرها مقتل موظفين في مشفى الكندي بحمص. كما يعاني الأطباء من ضعف الحماية القانونية، إذ قد يتحولون إلى متهمين في قضايا تقصير، رغم أن الأسباب غالباً ما تعود إلى نقص الإمكانات وليس إلى أخطاء مهنية مباشرة.

وفي خضم هذه الأزمات، يبقى المريض هو الطرف الأضعف، ولا سيما مرضى الأمراض المزمنة كالسرطان وأمراض القلب والكلى والسكري. فكثير منهم لا يعرف أين يتجه للحصول على العلاج، أو كيف يؤمن دواءً مفقوداً، أو سريراً شاغراً في مستشفى عام، في ظل ارتفاع تكاليف العلاج في القطاع الخاص إلى مستويات تفوق قدرة معظم السوريين.

اقرأ أيضاً: المراكز الصحية في دمشق وريفها .. كيف يُرهن الاستشفاء بالتمويل المستدام؟

تحذيرات أممية وأزمة تمويل

وفق بيانات منظمة الصحة العالمية، شهد 7.4 ملايين شخص في سوريا تراجعاً في إمكانية الحصول على الأدوية والعلاج، فيما تأثر أكثر من 400 مرفق صحي بتخفيضات التمويل. ولا تعمل سوى 58% من المستشفيات و23% من مراكز الرعاية الصحية الأولية بكامل طاقتها، وسط نقص مزمن في الأدوية والكهرباء والمعدات.

وحذرت المنظمة من فجوة تمويلية خطيرة، إذ يبلغ نداء التمويل الصحي لعام 2025 نحو 141.5 مليون دولار، مع فجوة تمويل تتجاوز 77 مليون دولار، ما يهدد بانهيار النظام الصحي إذا لم يقدم دعم مستدام.

باختصار، تشكل الاتفاقيات الموقعة بين وزارة الصحة ومنظمة “الأمين” خطوة مهمة في مسار التعافي الصحي، لكنها تبقى جزءاً من مسار طويل وشاق لإعادة بناء منظومة صحية أنهكتها الحرب وسنوات الإهمال. إذ إن نجاح هذه المبادرات مرتبط بتكامل الجهود الحكومية والإنسانية، وتوفير دعم دولي مستدام، إلى جانب قرارات إصلاحية جريئة من الداخل، لتكون صحة المواطن أولوية.

اقرأ أيضاً: الأطباء المقيمون في مشافي وزارة الصحة..عشرة أشهر بلا رواتب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى