سياسة

ملياراتٌ مفقودة!! مؤسسة الحبوب السورية تثير الجدل .. وما علاقة سنغافورة؟

بقلم: ديانا الصالح

أثارت قضية الفساد والاختلاس التي كشفها الجهاز المركزي للرقابة المالية مؤخراً ضمن مؤسسة الحبوب السورية، موجة غضب واسعة لدى الجماهير السورية، وذلك نتيجة لوقْع ضخامة الأرقام المجسّدة للخسائر المالية الفادحة في ظلّ النظام السابق، والتي تعكس الفشل الإداري والرقابي لعدد من فروع الحبوب المختلِسة، من هذا السياق يثور تساؤل هام: ما هي الأسباب الكامنة لتفشي تلك الظاهرة بدوائر الدولة؟ وهل يمكن الحدّ منها في ظل القيادة الجديدة أم أنها عرف متعارف عليه عبر الأزمان؟

لمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..

فساد مؤسسة الحبوب السورية

سلّط الجهاز المركزي للرقابة المالية الضوء على التجاوزات المُستنزِفة للموارد العامة ضمن مؤسسة الحبوب السورية في عهد النظام السابق، حيث يظهر الفساد بأبهى حلته ضمن أروقة المؤسسة دون رادع رقابي أو محاسبة، وكأنه يزجّ نفسه كعنصر أساسي لا يُستغنى عنه في عمل بعض الفروع المكشوفة بتواطئها وفسادها.

بالعودة إلى الكشف البياني للجهاز المالي يُكشَف الستار عن الخسائر الفادحة الناجمة عن وقوع مخالفات وتجاوزات جسيمة، تقدّر بأكثر من 6.1 مليار ليرة سورية، ما يعكس عمق المأساة المتمثّلة بالفشل الرقابي والإداري، الذي أفضى إلى تبديد الأموال العامة في قطاع الحبوب أحد أكثر القطاعات الحيوية أهمية، لصلته الوثيقة بالأمن الغذائي المهدَّد بالانعدام وفقاً للتقارير الدولية.

وتظهر التحقيقات تواطؤ عدّة أفرع ضمن مؤسسة الحبوب السورية في متاهات الفساد، أولها فرع حلب المُتذاكي بحيلة التلاعب الأجري، وذلك من خلال قيامه بتحصيل الأجور والرسوم الخاصة بالعتالة وفقاً لقيمتها القديمة، متجاوزاً تعليمات التجارة الداخلية بزيادة تلك الأجور في ذلك الوقت، ما سبّب خسائر مادية فادحة قُدِّرت بمبلغ 1.1 مليار ليرة.

بينما تجسّدت صدمة الأرقام، بنموذج الفساد الأخطر من حلب والذي تجلى بفرع القامشلي، حيث فجّر مفاجأة فساد من العيار الثقيل، بالنقص الهائل في كميات القمح الطري البالغ 870 ألف طن، بقيمةٍ قدرها 5 مليارات ليرة.

كما أفادتِ التحقيقات بوقوع تجاوزات ضمن فرن السقيلبية في حماه، تمثّلت بالنقص المرافق لكميات الخميرة، إلى جانب النقص الملحوظ بمادة المازوت والتي قدرت بكمية 1300 لتر، ما أسفر عن خسارات مالية كبيرة تقدّر بمبلغ 54 مليون ليرة.

وعلى ذلك، تعكس هذه الأرقام الضخمة صورة مرعبة لعشعشة الفساد ضمن أكثر القطاعات الحيوية أهميةً، لتأثيره المباشر على الأمن الغذائي للوطن، فبدلاً من السعي نحو التكافل وتجسيد مبدأ الشفافية والرقابة للمساهمة في عملية ردع خطر الانعدام الغذائي المحدق بسوريا، تتجلى أبشع أنواع الاستنزاف للثروات العامة تحقيقاً لمآرب خاصة بحتة.

أسباب تفشي الفساد

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي إبراهيم نافع قوشجي، أن الأسباب الكامنة وراء تفشي الفساد، تعدت كونها تجاوزات فردية، لتشكل بنية متكاملة داعمة للسلطة السابقة وتثبيتاً لسيطرتها، وعلى ذلك يحدد قوشجي الأسباب الجوهرية بنقطتين أساسيتي تتمحوران حول غياب الرقابة والشفافية، إضافة إلى تسخير المؤسسات العامة للمصالح الخاصة، عبر استخدامها كأدوات للنهب والابتزاز بدلاً من خدمة المواطن.

كما أشار العديد من الاقتصاديين إلى مجموعة من الأسباب الكامنة وراء تفشي الفساد ضمن مؤسسسات الدولة، نذكر منها ما يلي:

المركزية وانعدام الشفافية

تعد مركزية القرار وفقاً لرأي الخبراء. سبباً رئيسياً للفساد الإداري، فتركز القرار بيد جهات محددة يخلق بيئة خصبة للمحسوبيات والرشاوي، خصوصاً مع غياب مبدأ الشفافية.

تراجع السيادة القانونية

تُمارس القوانين في كثير من الأحيان بانتقائية، مع تطبيقه غير العادل على فئات دون أخرى،كما أن الفساد القانوني الناجم عن تعقيد الإجراءات الروتينية أيضاً من الظواهر المتفشية ضمنأروقة مؤسسات الدولة.

التضخم والتدهور الاقتصادي

كما أن أهم أسباب الفساد يتمثل بالأزمة الاقتصادية إلى جانب التضخم وما يرافقها من انخفاض في الأجور وتدني المستوى المعيشي مع غلاء الأسعار، إضافة إلى غياب شفافية التوزيع وغيرها من الآثار المترتبة على التردي الاقتصادي الذي يجبر الموظف على تطبيق حلول بديلة لكسب لقمة العيش ما يشجع على انتشار الرشاوي والمحسوبيات.

الانعدام الرقابي ومبدأ المحاسبة:

وذلك يتمثل بضعف الأداء الرقابي للجهات المسؤولة كالقضاء على سبيل المثال، إضافة إلى اللجوء لكسر حدّة القواتين بالكثير من حالات الفساد لصالح جهات كبرى،ما يؤدي إلى انفلات المحاسبة والمساءلة بالتالي تملّص الفاسدين من العقاب.

وعلى ماسبق، خلص بعض الخبراء إلى نتيجة مفادها: أن المزيج القائم على السلطة المختلِسة والأزمة الاقتصادية إضافة لغياب الرقابة والشفافية ومبدأ المحاسبة، فضلاً عن القوانين الهزيلة، تنقل حالة الفساد من المخالفات الفردية إلى بنية مؤسسية، أي أن المعالجة لا تقتصر على ضبط السلوك والتجاوزات الفردية بل تتطلب عدة إجراءات إصلاحية شاملة، ابتداءً من الإصلاحات السياسية إلى الاقتصادية، مع القانونية فضلاً عن خلق إدارة تفرض مبدأ الشفافية والمحاسبة.

الاستفادة من التجربة السنغافورية

مما لا شك فيه أن حالة الفساد عامة بين الدول، ولكنّ شدتها تتباين من دولة إلى أخرى وفقاً للتطبيق الإداري والقوانين السارية لدى كل دولة، وقد تمكنت عدة دول من تحقيق تقدّم ملحوظ في الحدّ من تلك الظاهرة، علّ أبرزها التجربة السنغافورية، وما خلُصت إليه من نتائج إيجابية ملموسة.
فيما تتلخص خطوات سنغافورة الجدية للتخلص من الفساد الإداري بعدة إجراءات، منها:

الالتزام السياسي

أدى إرساء رئيس الوزراء لي كوان يو، للإدارة السياسية بشكل مبكر بانتخاب حزب الأعمال الشعبي خلال سنة 1959، إلى وضع حدود مفصلية للقضاء على الفساد، عبر تشكيل حكومة نزيهة مع شعار عدم التسامح على الإطلاق مع تفشي هذه الظاهرة على اختلاف مستويات المجتمع، ما رسّخ فكرة المساءلة وعدم التهاون الفسادي في وجدان المواطنين السنغافوريين.

الإطار التشريعي الصارم

تنطلق سنغافورة في عمليتها للتخلص من هذه الظاهرة، بالاعتماد على قانونين أساسيين هما قانون (PCA) المانع للفساد، و(CDSA) الخاص بمصادرة غنائم المخالفات، بالتالي يضيّق الخناق غلى المختلِسين بتصوير التجاوزات على أنها أنشطة عالية الخطورة ومنخفضة العوائد.
استقلال القضاء
يتيح استقلال القضاء في سنغافورة الحد من المخسوبيات والتدخلات السياسية، فهو يلتزم مبدأ الشفافية والموضوعية في التطبيق الفعلي للسيادة القانونية، مع تنفيذه لعقوبات شديدة تصل إلى السجن ودفع غرامات مالية باهظة.

مكتب التحقيق

مكتب التحقيق السنغافوري هو الجهة الوحيدة المسؤولة عن التحقيق بمسالة الفساد، وهو معروف بنزاهته وسمعته الطيبة مع عدم التهاون والمحاسبة لأي تجاوز محتمل، ويمارس عمله دون خوف أو تفكير بالمحسوبيات، فهو يتبع لرئاسة الوزراء مباشرة.

الإدارة العامة

أيضاً من الإجراءات الإصلاحية المتبعة في سنغافورة، إنشاء إدارة عامة جديرة بالثقة، مزوّدة بمدوّنة سلوك، تحدد المعايير الأخلاقية والسلوكية للعاملين مع تعزيز مبدأ النزاهة والشفافية.

أما بالنسبة لتطبيق التجربة السنغافورية على الواقع السوري، فتحتاج إلى إصلاحات جوهرية ضمن البيئة السياسية والإدارية بشكل عام، تقوم على ما يلي:

  • استقلالية القضاء وتحييده عن النزاعات
  • تشكيل جهة رقابية موحّدة ذات صلاحياة واسعة

تعزيز معايير مبدأ الشفافية والمراقبة السلوكية لدى عاملي الدولة

كخلاصة، يتّضح أن العمل الجادّ للتخلص من ظاهرة الفساد في سوريا أمر ممكن، ولكنه يتطلب إجراءات إصلاحية بنيوية عميقة، بالتوازي مع البناء السياسي القائم على الشفافية والمحاسبة، برأيك هل تستطيع الجهات المسؤولة النجاح في ذلك أم أنّ الطبع يغلب التطبّع؟

اقرأ أيضاً: إعادة إعمار سوريا .. من يدفع ثمن الثلث المفقود؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى