ملكية السوريين تدخل العصر الرقمي.. السجل العقاري أمام أصعب عملية ترميم

الكاتب: أحمد علي
في حياة كثير من السوريين لا تبدو ورقة الملكية مجرد وثيقة، هي في الواقع بيت غادرته الأسرة على عجل، ودكان عاش منه أب، وقطعة أرض بقيت آخر ما يربط أبناء موزعين بين بلدان عدة بقريتهم. لذلك يحمل إعلان وزارة الإدارة المحلية والبيئة في 31 آب 2026 عن بدء التحضير لأتمتة السجل العقاري والمساحي، بالاستفادة من خبرات تركية، معنى أكبر من نقل معاملة من نافذة مزدحمة إلى شاشة.
وحسب المعلن، ستقيّم فرق فنية المتطلبات وتضع خطة لخدمات رقمية متكاملة تُطبق تدريجياً في المحافظات. وهذه بداية مهمة، لا إعلاناً عن اكتمال النظام، فالسجل السوري يدخل الرقمنة بعد حرب أضاعت وثائق وأتلفت مكاتب وخلطت بين ملكيات رسمية ووقائع سكن وحيازة ووراثة لم تُسجل. إذ تستطيع التقنية أن تحفظ الحق وتسرّع خدمته، لكنها تستطيع أيضاً أن تمنح الخطأ القديم عمراً أطول. وأصعب ما في المشروع ليس مسح الورق، بل الاتفاق على الحقيقة التي ستظهر خلف اسم كل عقار.
الورقة التي تحمل بيتاً
يعاني السجل الورقي بطبيعته من البطء وتكرار الإدخال وصعوبة الوصول بين المحافظات، ويستطيع النظام الرقمي ربط الصحيفة العقارية بالمخطط والمساحة والمعاملة، وتسجيل كل تغيير ووقت حدوثه، وإتاحة طلب الوثيقة ومتابعتها من دون رحلات متكررة أو اعتماد كامل على الموظف والوسيط. وبالنسبة إلى مالك يعيش بعيداً أو وريث يحاول ترتيب تركة، قد يعني ذلك اختصار أشهر من الانتظار والقلق.
لكن السرعة لا تنفع إذا لم يثق المواطن بأن النسخة الرقمية تطابق الأصل وأن أحداً لا يستطيع تعديلها خفية. فقيمة السجل تأتي من حجيته ومن قدرة الناس على الاعتراض والتصحيح، لا من حداثة واجهته. ولهذا يجب أن يبدأ المشروع من سؤال بسيط وصعب معاً، أي سجل سيُعتمد عندما تختلف النسخ، ومن يملك قرار الترجيح، وكيف يعرف صاحب العلاقة أن عقاره دخل النظام كما كان فعلاً.
الترميم يسبق المسح الضوئي
وثقت تقارير أممية فقدان وثائق ملكية وتضرر أو تدمير سجلات عقارية ومساحية خلال النزاع، وفي أحياء توسعت خارج التنظيم، سبقت البيوت الأوراق أصلاً. لذلك لا يكفي وضع كل ما بقي في ماسح ضوئي، ينبغي أولاً جرد الأصول وتحديد ما فُقد أو تضرر، ومقارنة النسخ المركزية والمحلية، وحفظ صور عالية الجودة مع وصف مصدر كل صفحة وحالتها وتاريخ إدخالها.
عندما يظهر تعارض، يجب ألا يختفي خلف اختيار إداري صامت. يمكن جمع الصحيفة العقارية مع أحكام المحاكم وعقود الكاتب بالعدل وقيود الضرائب والبلدية والمرافق، ثم إحالة الملف المختلف عليه إلى مسار قانوني واضح. بعض هذه الأدلة يثبت الملكية وبعضها يثبت الحيازة فقط، ولا يجوز مساواتها آلياً. وظيفة التقنية أن تكشف الفجوة وتحتفظ بأثر القرار، لا أن تحسم نزاعاً يحتاج قاضياً وسماعاً للأطراف.
الغائبون هم الاختبار الأصعب
قد تُراجع أسرة موجودة في دمشق بيانات منزلها فوراً، بينما لا يعرف مالك في مخيم أو مهاجر في قارة بعيدة أن رقمه العقاري تغير أو أن مهلة اعتراض بدأت. وهناك ورثة لم ينجزوا حصر الإرث، ونساء سكنّ في منازل الأسرة من دون تسجيل حصصهن، وأشخاص فقدوا هوياتهم ووثائقهم. فإذا صُممت الرقمنة لمن يستطيع الحضور فقط، فستجعل المسافة سبباً جديداً لضياع الحق.
الحل هو نافذة اعتراض طويلة ومعلنة، وتمثيل قانوني موثوق، وخدمة قنصلية أو إلكترونية للتحقق من الهوية، ومساعدة مجانية لمن لا يملك الوثيقة أو القدرة الرقمية. كما ينبغي تجميد التصرف في العقار عندما يظهر نزاع جدي إلى أن يُفصل فيه، مع إشعار الأطراف بوسائل متعددة، وحماية الغائب ليست استثناءً إنسانياً، بل شرط لبناء سوق عقارية لا تحمل في داخلها نزاعات مؤجلة.
شاشة أسرع وخطر أسرع
يقلل النظام الجيد مساحة الرشوة لأنه يفصل مقدم الطلب عن بعض نقاط الاحتكاك ويسجل زمن المعاملة ومسارها، لكنه يخلق سلطة جديدة لمن يملك صلاحية الدخول. وتعديل واحد في قاعدة مركزية قد يصيب حقاً كاملاً إذا غابت المراجعة. لهذا تحتاج كل عملية إلى هوية موظف وتوقيع رقمي وسجل تدقيق لا يُمحى، مع فصل من يدخل البيانات عمن يوافق على التغيير.
وتحتاج المنظومة إلى نسخ احتياطية مشفرة في مواقع مستقلة، واختبارات استعادة دورية، وحماية من الاختراق والبرمجيات الخبيثة، وخطة عمل عند انقطاع الشبكة. كما يجب أن يرى المواطن تاريخ التغييرات التي تخص عقاره وأن يتلقى إشعاراً بأي معاملة جديدة. فالأمن هنا ليس بنداً تقنياً خلفياً، بل إنه باب المنزل نفسه، لأن اختراق قاعدة الملكية قد يصنع ضرراً مادياً وقانونياً واسعاً في دقائق.
الخبرة التركية وحدود الوصول
اطلع ممثلون عن السجل العقاري التركي وشركة توركسات على عمل مديريات ومكاتب التوثيق، ضمن تعاون سبقته مذكرة في البنية الرقمية ومراكز البيانات. تستطيع الخبرة الخارجية اختصار أخطاء التصميم وتقديم أنظمة مجربة، لكن البيانات العقارية من أكثر بيانات الدولة حساسية. لذلك يجب أن يبقى واضحاً أين تُخزن، ومن يرى النسخ الحية، ومن يملك الشيفرة والمفاتيح، وما الذي يحدث عند انتهاء العقد.
ينبغي نشر نطاق التعاون ومعايير الشراء ونقل المعرفة، وبناء فريق سوري قادر على تشغيل النظام وتدقيقه من دون اعتماد دائم على المورد. ولا يعني طلب الشفافية التشكيك في الشريك، بل حماية المشروع والشريك معاً من شائعات يمكن أن تنمو حول ملف الملكية. فأفضل تعاون هو الذي يترك مؤسسة محلية أقوى وبيانات تحت سيادة قانونية واضحة وقدرة مستقلة على الصيانة والتطوير.
كيف يعرف السوري أن حقه آمن
يمكن بدء التطبيق في مناطق تتنوع فيها حالة السجلات، ثم قياس نسبة الصحائف المطابقة وعدد الاعتراضات وزمن تصحيحها وحوادث الدخول غير المصرح به. ويجب أن يحصل كل مالك على نسخة مجانية أولى للمراجعة، مع مكتب مساعدة وخط واضح للشكاوى. نشر النتائج، بما فيها الأخطاء، يبني ثقة أكبر من إعلان نجاح كامل لا يراه الناس في معاملاتهم.
أما التوسع إلى بقية المحافظات فينبغي أن يتبع جودة البيانات لا جدولاً احتفالياً، فإذا كان سجل منطقة متضرراً، تستحق وقتاً أطول ولجنة تحقق أوسع. وإذا كانت وثائقها سليمة، يمكن الانتقال أسرع. بهذه المرونة يصبح النظام مرآة أمينة لتفاوت الواقع السوري، لا قالباً واحداً يضغطه، وعندها فقط يشعر صاحب البيت أن العصر الرقمي جاء ليحرس ملكيته، لا ليطلب منه إثباتها من جديد أمام شاشة.
ختاماً، تملك رقمنة السجل العقاري فرصة حقيقية لتقليل الانتظار والوساطة وحماية النسخ وربط الخدمات بين المحافظات. غير أن قيمتها ستتحدد قبل تشغيل أول بوابة عامة، حين تُجرد السجلات ويُكشف التعارض ويُصمم حق الاعتراض وتُحمى بيانات الغائبين والورثة وسكان المناطق غير المنظمة.
فالمشروع الناجح لا يحول الورق إلى صورة وواقع فحسب، بل يعيد بناء الثقة بين المواطن والسجل. فإذا احتفظ بكل تغيير، وأعطى صاحب الحق طريقاً مفهوماً للتصحيح، ووضع التعاون التقني داخل حدود معلنة، تصبح الرقمنة جزءاً من ترميم البلد، أما نسخ سجل مجروح كما هو، فسيجعل الجرح أسرع تداولاً وأصعب محواً.
اقرأ أيضاً: كاريكاتير: الدخل المحدود في مواجهة أسعار العقارات









