ملف السكك الحديدية: فساد بعشرات المليارات لماذا يظهر الآن؟

الكاتب: أحمد علي
حين يتوقف القطار، لا تتوقف الأسئلة بطبيعة الحال، فالسكك الحديدية في سوريا هي أيضاً شبكة كانت تربط المدن بالمرافئ وتخفف كلفة نقل السلع، ثم تحولت خلال سنوات الحرب إلى مرآة لانقطاع الخدمات وتراجع الدولة عن أبسط وظائفها. لذلك، عندما خرج إلى العلن خبر عن قضية فساد داخل المؤسسة العامة للخطوط الحديدية، بدا الأمر أكبر من رقم في تقرير رقابي. بدا كأنه نافذة على طريقة إدارة المال العام في قطاع يتطلع الناس إلى أن يعود للحياة، لا أن يُستنزف بصمت.
ملف السكك الحديدية تحت المجهر
خلال الأيام الأولى من كانون الثاني 2026 أعلنت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش في سوريا أنها كشفت قضية فساد في المؤسسة العامة للخطوط الحديدية تتعلق بعقود توريد مشبوهة أُبرمت في عامي 2023 و2024. بحسب ما نقلته وكالة سانا، قدّرت الهيئة الأثر المالي بأكثر من 19 مليار ليرة سورية، وتحدثت عن إجراءات شملت إحالة الملف إلى القضاء وفرض منع سفر على بعض المتورطين والسعي إلى استرداد مبالغ اعتُبرت مصروفة بلا وجه حق.
المخالفات وقعت خلال فترة حكم الرئيس السابق بشار الأسد، وهذا الإطار الزمني ساعد على انتشار الخبر، لأنه يفتح سؤالين متلازمين. كيف استمرت هذه العقود أصلاً، ولماذا تُعلن نتائجها الآن بهذه الصراحة!
عقود التوريد وفروقات الأسعار
جوهر القضية، وفق بيان الهيئة وتغطيات وزارة النقل، يدور حول تضخيم أسعار قطع الغيار والصيانة التي تحتاجها القاطرات. الوزارة أشارت إلى أن غالبية العقود محل الشبهة كانت تخص قطع صيانة القاطرات، وهي الحلقة التي يتوقف عليها تشغيل الخطوط. كما تحدثت تقارير صحفية عن تواطؤ بين موظفين ومورّد أدى إلى فروقات سعرية غير قانونية قُدرت بنحو 13 مليار ليرة من إجمالي الضرر.
هذا النوع من القضايا عادة لا يرتبط بقرار واحد، بل بسلسلة قرارات صغيرة، تبدأ من صياغة شروط فنية ضيقة، مروراً بضعف المنافسة، وصولاً إلى تمرير فواتير لا يملك كثيرون القدرة على تدقيقها. ومع أن العقوبات وصعوبات الاستيراد تخلق بيئة معقدة، فإن ملف السكك الحديدية يذكّر بأن تعقيد السوق لا يبرر غياب الضوابط، لأن الحديث هنا عن مرفق عام لا عن تجارة خاصة.
سكك مدمرة وكلفة باهظة
التوقيت لا يمكن فصله عن حالة القطاع نفسه. فالتقارير الإعلامية تحدثت عن أن طول شبكة السكك الحديدية السورية يناهز 2552 كيلومتراً، وأنها تضررت بشدة خلال الحرب. وفي تصريحات نُسبت لوزير النقل يعرب بدر في تشرين الأول 2025، قيل إن إجمالي طول الشبكة يقارب 2800 كيلومتر، وإن نحو 1800 كيلومتر تضرروا، بينما بقي قرابة 1000 كيلومتر قيد التشغيل، مع تقدير كلفة إعادة التأهيل بنحو 5.5 مليارات دولار. اختلاف الأرقام هنا مفهوم لأن طرق احتساب الخطوط العاملة والمتوقفة تختلف، ولأن بعض الخطوط تاريخياً خارج الخدمة أو تعمل بنطاق محدود.
الأثر ليس على البنية وحدها، بل على حركة النقل نفسها. بيانات مرصودة لقطاع السكك تظهر تراجعاً كبيراً في نقل الركاب والبضائع خلال سنوات الصراع مقارنة بما قبل 2011، ما يعني أن الخسارة تتضاعف بين تدمير الأصول وتوقف الإيرادات.
في المقابل، وضع البنك الدولي في تشرين الأول من العام الفائت 2025 تقديراً محافظاً لكلفة إعادة إعمار الأصول المادية في سوريا عند 216 مليار دولار، مع حصة كبيرة للبنية التحتية (ووصلت تقديرات أخرى إلى 500 مليار دولار). وعندما توضع هذه الصورة العامة بجانب قضية مثل ملف السكك الحديدية، يصبح واضحاً أن كل هدر مالي يعني تأخير خدمة يحتاجها الناس فعلياً، ويعني أيضاً رفع كلفة الإصلاح لاحقاً.
اقرأ أيضاً: أزمة النقل في ريف دمشق .. هل من حلول؟
لماذا يظهر الملف الآن؟
لا توجد إجابة واحدة، لكن عدة مؤشرات تساعد على فهم المشهد. المؤشر الأول سياسي ومؤسساتي، لأن الإعلان يأتي بمرحلة انتقال بعد سقوط نظام الأسد، ما قد يفسر رغبة السلطات الجديدة في فتح ملفات قديمة لبناء شرعية رقابية وتقديم إشارات قطيعة مع الممارسات السابقة.
أما المؤشر الثاني فهو اقتصادي، فالحديث عن إعادة تأهيل الخطوط وصيانة القاطرات، وعن محاولات لإحياء الحركة على بعض المسارات، يعني أن حجم المشتريات سيزداد، وبالتالي تزيد حساسية أي فساد في التوريد. بالتوازي، تبحث البلاد عن استثمارات لقطاع النقل، وقد شهد عام 2025 إعلان اتفاقات استثمارية كبيرة في مشاريع نقل داخل دمشق، بحسب ما نقلته وكالة أسوشيتد برس بعد تخفيف عقوبات غربية.
في مناخ كهذا، قد يصبح فتح ملف السكك الحديدية رسالة طمأنة بأن الأموال الجديدة لن تُدار بالطريقة نفسها.
المؤشر الثالث اجتماعي. رقم مثل 19 مليار ليرة يتحول سريعاً إلى قصة غضب، حتى إن كانت قيمته بالدولار محل جدل بسبب تذبذب سعر الصرف. بعض التغطيات قدّرت الخسارة بما يقارب 1.7 مليون دولار، لكن قيمتها داخل اقتصاد منهك تُقاس أيضاً بما كان يمكن أن تشتريه من قطع وخدمات تشغيل.
ما الذي يمنع التكرار؟
إغلاق ملف قضائي لا يعني إغلاق الباب أمام تكرار النمط. فالحماية تبدأ من طريقة التعاقد، لا من لحظة اكتشاف المخالفة. عندما تصبح قاعدة المورّد الوحيد هي السائدة، يصبح تضخيم الأسعار أسهل، خصوصاً في قطاعات تعتمد على مواصفات فنية لا يفهمها سوى قلة. الحلول الواقعية التي تُطرح في أدبيات الشفافية تقوم على توسيع المنافسة قدر الإمكان، ونشر عقود التوريد الأساسية وأسعارها المرجعية، وربط الصرف بتدقيق فني ومالي مسبق، لا الاكتفاء بالمحاسبة بعد وقوع الضرر.
كذلك، يحتاج ملف السكك الحديدية إلى ربط واضح بين نتائج التحقيق وبين خطة تشغيل القطاع. إذا كانت القاطرات هي العصب كما وصفتها وزارة النقل، فالمطلوب أن يعرف الجمهور ما الذي سيتغير في سلاسل التوريد والصيانة، وكيف سيُقاس الأثر على الأرض، وأين ستذهب الأموال المستردة.
في النهاية، يظل ملف السكك الحديدية اختباراً بسيطاً في شكله، كبيراً في دلالته. إذا قاد إلى إصلاحات تعاقدية ورقابية يمكن قياسها، فقد يصبح نموذجاً لما يجب أن يحدث في قطاعات أخرى. وإذا توقف عند حد إعلان خبري وإحالات لا يسمع الناس بعدها شيئاً، فسيُقرأ بوصفه حلقة أخرى في سلسلة طويلة، يعرف السوريون نهايتها مسبقاً لأنهم عاشوها أكثر مما ينبغي.
اقرأ أيضاً: السكك الحديدية.. مجرد خطوط أم مفتاح سوريا السري للتعافي الاقتصادي؟









