ملتقى شباب سوريا في جامعة الفرات: هل تتحول قضايا الشباب إلى استراتيجية وطنية؟

الكاتب: أحمد علي
لا يبدأ دور الشباب من صورة جماعية في نهاية ورشة. يبدأ من السؤال الأبسط، هل يسمعهم أحد عندما يخرجون من القاعة؟ ملتقى شباب سوريا في جامعة الفرات يضع هذا السؤال أمام اختبار جديد. فالكلام عن استراتيجية وطنية للشباب لا يكون جدياً إذا بقي في حدود الإنصات العام، أو إذا تحول إلى عناوين واسعة لا تجد طريقها إلى التعليم والعمل والحقوق والسلم الأهلي.
الملتقى عُقد في مبنى كلية الزراعة بجامعة الفرات في دير الزور، بتنظيم من مكتب شؤون الشباب في مديرية الشؤون السياسية في المحافظة. ووفق ما نشرته سانا، ناقش المشاركون محاور تتعلق بالتعليم والتدريب والتمكين، والإعلام والتأثير، والحقوق المدنية، والأمن والسلم المجتمعي. هذه العناوين تبدو كبيرة، لكنها ليست بعيدة عن الحياة اليومية لشاب سوري يبحث عن مكانه بعد سنوات طويلة من الانقطاع والخسارة والانتظار.
ملتقى شباب سوريا بين الكلام والخطة
قال المشرف على فريق التيسير في وزارة الرياضة والشباب عبد الفتاح شيخ عمر إن الورشة تأتي ضمن سلسلة تنظمها الوزارة لاستطلاع آراء الشباب وتصوراتهم حول مسارات حياتهم الشخصية والمهنية، تمهيداً لإضافتها إلى ما قدمه الشباب في المحافظات الأخرى وبناء الاستراتيجية الوطنية خلال الفترة المقبلة. هذا يعني أن لقاء دير الزور ليس نشاطاً محلياً معزولاً، بل حلقة ضمن مسار يراد له أن ينتهي بوثيقة وطنية.
لكن الوثيقة ليست غاية بحد ذاتها. السوريون عرفوا كثيراً من اللقاءات التي انتهت إلى توصيات جميلة، ثم اختفت في الأدراج. لذلك يصبح السؤال الأهم هو ما الذي سيحدث بعد جمع الآراء. من سيصوغها؟ من سيقرر الأولويات؟ هل ستُنشر المخرجات؟ وهل سيعرف المشاركون لماذا أُخذت فكرة واستُبعدت أخرى؟
الاستراتيجية الوطنية، إذا كانت جادة، تحتاج إلى أكثر من لغة عامة عن التمكين. تحتاج إلى أهداف قابلة للقياس. كم فرصة تدريب ستُفتح؟ كيف ستُربط الجامعات بسوق العمل؟ ما آلية مشاركة الشباب في القرار المحلي؟ كيف ستصل البرامج إلى الأرياف والمناطق المتضررة؟ وكيف سيُقاس النجاح بعد سنة أو ثلاث أو خمس؟
دير الزور ليست مجرد محطة
تكتسب جامعة الفرات معنى خاصاً في هذا السياق. دير الزور ليست محافظة عادية في الخريطة السورية الأخيرة. هي منطقة حملت آثار الحرب على بنيتها وخدماتها وتعليمها وأسواقها. لذلك لا يكفي أن تُدرج قضايا شبابها ضمن عناوين وطنية عامة. يجب أن تظهر خصوصيتها في أي استراتيجية مقبلة.
في دير الزور، يتصل التعليم بسؤال العودة إلى الجامعة بعد الانقطاع. ويتصل التدريب بسؤال الوظيفة في سوق محدود. ويتصل السلم المجتمعي بذاكرة الانقسام والنزوح وفقدان الثقة. أما الإعلام والتأثير، فلا يقتصران على استخدام المنصات، بل على قدرة الشباب على قول ما يعيشونه من دون خوف أو استبعاد.
هنا تظهر أهمية أن تكون الورش المحلية أكثر من نسخة مكررة في كل محافظة. الشباب في حمص لا يطرحون بالضرورة الأسئلة نفسها التي يطرحها شباب دير الزور أو إدلب أو ريف دمشق. المشترك موجود، لكن الفروق مهمة. والاستراتيجية التي تتجاهل الفروق تتحول سريعاً إلى نص عام لا يعالج شيئاً بدقة.
الشباب لا يحتاجون منصة فقط
أوضحت منسقة الورشة آية الجاسم أن اللقاء ركز على إيصال صوت الشباب وأخذ آرائهم بشفافية، وتضمن عروضاً تفاعلية وحواراً بين الحضور الرسمي والجمعيات والمنظمات والشباب المشاركين. كما جرى الحديث عن جلسات ختامية ناقشت 12 محوراً، اختيرت منها 8 لإيصال صوت الشباب إلى الجهات المعنية.
هذه التفاصيل مفيدة، لكنها تفتح سؤالاً ضرورياً. ما المعايير التي حددت المحاور الثمانية؟ وهل ستعود الجهات المنظمة إلى المشاركين لتقول لهم ما الذي جرى باقتراحاتهم؟ المشاركة لا تكتمل لحظة الكلام. تكتمل عندما يرى الشاب أن كلامه دخل في قرار، أو في برنامج، أو في تعديل مسار.
وتزداد أهمية هذا السؤال مع الحديث عن مؤتمر وطني للشباب السوري بمشاركة نحو 1500 شاب وشابة من داخل سوريا وخارجها. العدد كبير، لكنه لا يكفي وحده. التمثيل هو الأهم. هل يحضر شباب الأرياف؟ هل تحضر النساء الشابات؟ هل يحضر العاطلون عن العمل، والطلاب المنقطعون، ومصابون الحرب، وذوو الإعاقة، والعائدون من النزوح؟ إذا غابت هذه الفئات، فسيبقى المؤتمر واسعاً في الشكل وناقصاً في المعنى.
الاستراتيجية تبدأ من التعليم والعمل
لا يمكن فصل قضايا الشباب في سوريا عن التعليم والعمل. بحسب يونيسف، بقيت سوريا في عام 2025 بين أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً، مع 16.7 مليون شخص بحاجة إلى دعم إنساني، بينهم 7.5 ملايين طفل، إضافة إلى 2.45 مليون طفل خارج المدرسة. هذه الأرقام لا تخص الأطفال وحدهم. إنها تخبرنا عن جيل سيصل إلى سن الشباب وهو يحمل نقصاً في التعليم والمهارة والثقة بالمستقبل.
من هنا يجب أن تكون الاستراتيجية الوطنية للشباب مرتبطة بخطط واضحة للتعليم والتدريب والعمل. لا يكفي تنظيم دورات قصيرة بلا صلة بسوق حقيقي. ولا يكفي الحديث عن ريادة الأعمال في بيئة لا تملك تمويلاً ولا كهرباء مستقرة ولا شبكات دعم. الشاب يحتاج إلى مسار عملي، من المدرسة أو الجامعة إلى التدريب، ومن التدريب إلى فرصة عمل، ومن العمل إلى قدرة على بناء حياة.
في ملتقيات أخرى، مثل حمص، طُرحت أسئلة عن تدني الأجور وفرص العمل ودور الوزارة في دعم الشباب. هذه الأسئلة لن تكون بعيدة عن دير الزور. فقد تكون المشاركة السياسية مهمة، لكنها تفقد قوتها عندما يشعر الشاب أن المستقبل الاقتصادي مغلق. السياسة لا تطعم وحدها، والعمل بلا حقوق لا يبني مواطنة. المطلوب الجمع بين الأمرين.
من يسمع ومن ينفذ؟
تستطيع الوزارة أن تجمع الآراء من المحافظات كلها. هذه خطوة أولى. لكن الاستراتيجية لن تكتسب قيمتها إلا إذا عُرفت الجهة التي ستنفذ، والميزانية التي ستُخصص، والبرنامج الزمني الذي سيُعتمد، وآلية المتابعة التي ستكشف ما تحقق وما لم يتحقق. من دون ذلك ستبقى الورش نشاطاً مفيداً في ظاهره، ضعيف الأثر في الواقع.
الشباب السوريون لا يطلبون لغة احتفالية. يريدون أن تكون أسئلتهم جزءاً من القرار. يريدون جامعة تستطيع أن تفتح باباً للعمل، وبلدية تستمع لهم، وبرنامجاً تدريبياً لا ينتهي بورقة، ومنصة إعلامية لا تختصرهم في صورة، وحقوقاً مدنية تجعلهم شركاء لا جمهوراً.
ملتقى شباب سوريا في جامعة الفرات يمكن أن يكون خطوة في هذا الاتجاه، إذا جرى التعامل معه كبداية لا كنشاط مكتمل. قيمة الملتقى لا تقاس بعدد الحضور ولا بعناوين المحاور، بل بما سيصل من دير الزور إلى الاستراتيجية الوطنية، وبما سيعود من تلك الاستراتيجية إلى دير الزور على شكل برامج وفرص ومؤسسات تعمل.
الخلاصة بسيطة. الشباب قالوا كلمتهم، أو بدأوا يقولونها. الآن يبدأ امتحان الجهات التي دعتهم إلى الكلام. فإذا تحولت المخرجات إلى خطط واضحة، سيكون الملتقى جزءاً من مسار وطني يستحق المتابعة. وإذا بقيت في حدود التوثيق، فسيكون لقاءً آخر يضاف إلى ذاكرة طويلة من الكلام غير المكتمل. وسوريا لا تملك ترف إضاعة شبابها مرة أخرى.
اقرأ أيضاً: مرسومان رئاسيان يقضيان بإحداث كليتين جديدتين في جامعة الفرات









