سياسة

ملتقى “سوريا للسلام”: من يحدد أولويات المرحلة الانتقالية؟

الكاتب: أحمد علي

لا تبدأ المرحلة الانتقالية من منصة الخطابات. تبدأ من السؤال الأبسط والأصعب معاً: من يقرر ما يحتاجه السوريون الآن؟ بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام وتبدل موازين القوى، لم يعد يكفي أن تُعقد الملتقيات وأن تتزاحم الكلمات حول السلام والتعافي. المهم أن يظهر، خلف اللغة الهادئة، مسار واضح يحدد الأولويات، ويمنح أصحاب الحاجة مكاناً في صياغتها، لا مقعداً متأخراً في القاعة.

ملتقى سوريا للسلام بين الدولة والشركاء

انطلقت فعاليات ملتقى “شركاء مبادرة سوريا للسلام” في فندق الشام بدمشق في 2 حزيران 2026، بتنفيذ من الوكالة الألمانية للتعاون الدولي، وبدعم من الخارجية الألمانية والخارجية الدنماركية والاتحاد الأوروبي. جمع الملتقى ممثلين عن مؤسسات حكومية سورية، ومنظمات مجتمع مدني، وجهات مانحة دولية، ودبلوماسيين وباحثين، لمناقشة أولويات وفرص المرحلة الانتقالية.

هذا التكوين الواسع يمنح الملتقى ثقلاً، لكنه يضعه أيضاً في منطقة حساسة. فكل طرف يدخل النقاش من زاوية مختلفة. الحكومة تتحدث عن السيادة وتنظيم الدعم وربط التعاون الخارجي بالحاجات الوطنية. المانحون يبحثون عن برامج قابلة للتنفيذ والقياس. المجتمع المدني يريد مساحة حقيقية لا دوراً شكلياً في مشاريع جاهزة. وبين هذه المستويات كلها، تقف المجتمعات المحلية بسؤالها اليومي: ماذا سيتغير في الماء والكهرباء والخدمات والأمان وفرص العمل؟

مدير إدارة التعاون الدولي في وزارة الخارجية والمغتربين، قتيبة قاديش، ربط المرحلة الانتقالية باستعادة زمام المبادرة وترسيخ المرجعية الوطنية، وبناء شراكات متوازنة تحترم أولويات السوريين. هذه الصياغة مفهومة في بلد تعرّض طويلاً لتعدد قنوات التمويل والتدخل وتضارب الأجندات. لكنها تحتاج إلى اختبار عملي. فالمرجعية الوطنية لا تكتمل إذا بقيت محصورة في المؤسسات الرسمية وحدها، ولا تصير شاملة إلا عندما تستطيع البلديات والنقابات والمنظمات المحلية والضحايا والنازحون التعبير عن حاجاتهم ضمن آلية واضحة.

ليست المشكلة في وجود دعم خارجي. سوريا تحتاج إلى الدعم، وإلى الخبرة، وإلى التمويل. المشكلة تبدأ عندما يصبح التمويل هو الذي يحدد الأولويات، أو عندما تصبح السيادة عنواناً لإغلاق النقاش. المرحلة الانتقالية تحتاج إلى الاثنين معاً: قرار وطني واضح، وشراكة لا تتحول إلى وصاية.

الأولويات لا تولد من القاعات وحدها

تحدثت جلسات الملتقى عن السلم الأهلي، والتماسك الاجتماعي، والدعم الدولي، والدبلوماسية، والعمل السياسي، ودور المجتمع المدني، ونزاهة الإعلام، والشمولية السياسية. هذه كلها عناوين صحيحة. لكن كثرة العناوين قد تخفي أحياناً غياب الترتيب. ففي بلد مثل سوريا، لا يكفي أن نقول إن كل شيء مهم. يجب تحديد ما هو عاجل، وما هو ممكن، وما هو مؤجل، ومن يتحمل المسؤولية في كل مسار.

هذا هو الفارق بين الحوار والعمل. الحوار يفتح الباب، لكنه لا يصلح شبكة الكهرباء، ولا يعيد مدرسة، ولا يحل مشكلة عائلة لا تعرف إن كانت ستعود إلى بيتها أم لا. لذلك كان لافتاً تركيز بعض المشاركين على ضرورة الانتقال من النقاش إلى النتائج. فالسوريون سمعوا كثيراً من الكلمات خلال السنوات الماضية، وبعضهم صار ينظر إلى أي ملتقى جديد بشيء من الحذر. ليس رفضاً للحوار، بل خوفاً من أن يتحول إلى بديل عن القرار.

المجتمع المدني يستطيع أن يكون جسراً مهماً في هذه المرحلة، لكنه يحتاج إلى مساحة آمنة ومستقلة. دوره لا ينبغي أن يقتصر على تنفيذ مشاريع ممولة أو حضور جلسات تشاورية. المنظمات القريبة من الناس تعرف تفاصيل لا تظهر في الأوراق الرسمية: أين ينكسر السلم الأهلي، أين تفشل المساعدة، أين يشعر النازح بأنه غير مرئي، وأين تتحول الخدمة إلى امتياز. هذه المعرفة لا تقل قيمة عن بيانات الوزارات أو تقارير المانحين.

لكن المجتمع المدني نفسه ليس كتلة واحدة. فيه منظمات خبيرة وراسخة، وفيه مبادرات ناشئة، وفيه أيضاً تفاوت في القدرة والتمثيل. لذلك لا يكفي القول إن المجتمع المدني حاضر. السؤال الأدق هو: من حضر باسمه؟ ومن غاب؟ وهل يستطيع المشاركون نقل أصوات المجتمعات المحلية، أم أنهم يعيدون إنتاج لغة النخبة نفسها؟

الشراكة حين تصبح امتحاناً للثقة

تحتاج سوريا إلى شراكات دولية، لكنها تحتاج أكثر إلى قواعد لهذه الشراكات. التمويل يجب أن يكون شفافاً، واختيار المشاريع يجب أن يكون معلناً، والنتائج يجب أن تُقاس بما يلمسه الناس لا بما يُكتب في نهاية البرنامج. في مرحلة انتقالية، كل مشروع صغير قد يحمل أثراً سياسياً واجتماعياً. ترميم مدرسة، إعادة تأهيل مركز صحي، دعم إعلام محلي، أو تدريب موظفي إدارة عامة، كلها خطوات قد تبني ثقة أو تستهلكها.

الجهات الدولية، من جانبها، لا تدخل المشهد بلا حسابات. أوروبا تريد استقراراً في سوريا، وتخفيفاً لضغوط اللجوء، ومساراً يمكن أن يبرر الدعم أمام جمهورها ومؤسساتها. هذا طبيعي في السياسة الدولية. لكن الخطورة أن تتحول حاجات السوريين إلى ملفات قابلة للتمويل فقط. فما لا يدخل في دفتر المانح قد يكون، في نظر الناس، أولوية لا تحتمل الانتظار.

في المقابل، لا تستطيع الحكومة السورية أن تطلب دعماً واسعاً ثم تدير الأولويات بعقلية مغلقة. حجم التحديات أكبر من قدرة مؤسسة واحدة، وأعمق من أن يُحل بقرارات فوقية. التعافي يحتاج إلى إدارة عامة أكثر كفاءة، وإلى اعتراف بأن الثقة تآكلت خلال السنوات الماضية، وأن استعادتها لا تتم عبر البيان الرسمي فقط، بل عبر إشراك فعلي ومساءلة واضحة.

من هنا يبدو ملتقى سوريا للسلام فرصة لا جواباً نهائياً. قيمته لا تقاس بعدد الحاضرين أو الجهات الداعمة، بل بما سيأتي بعده. هل ستصدر عنه آليات متابعة؟ هل ستُترجم النقاشات إلى خطط محلية؟ هل ستعرف المحافظات والبلدات كيف تستفيد من هذه المبادرات؟ وهل سيكون للمواطن، في النهاية، طريق واضح ليقول إن هذه هي أولويتي؟

الخلاصة أن ملتقى سوريا للسلام وضع سؤال المرحلة الانتقالية على الطاولة، لكنه لم يحسمه. من يحدد الأولويات؟ لا الحكومة وحدها، ولا المانحون وحدهم، ولا المجتمع المدني بوصفه عنواناً عاماً. الأولويات العادلة تولد من تفاوض واضح بين الدولة والمجتمع والجهات الداعمة، وتُختبر في التنفيذ لا في الخطاب. إذا استطاع الملتقى أن يفتح هذا المسار، فسيكون خطوة مفيدة. أما إذا بقي مناسبة حسنة التنظيم بلا أثر قابل للقياس، فسيضاف إلى قائمة طويلة من الحوارات التي قالت الكثير، وتركت الناس ينتظرون القليل.

اقرأ أيضاً: ملتقى شباب سوريا في جامعة الفرات: هل تتحول قضايا الشباب إلى استراتيجية وطنية؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى