ملتقى رواق ورقمنة التراث السوري..ماذا يعني ذلك فعلاً؟

بقلم: ريم ريّا
في سوريا كل شيء يتسارع، ويركب ركب التطور والرقمنة، حتى التراث السوري الذي يختزل القِدم والعراقة لم يعد محصوراً في الكتب أو الذاكرة الشفوية، بل بات جزءاً من فضاء رقمي مفتوح تسعى وزارة الثقافة لكي تقدمه وتجعله في متناول الجميع. فقد أطلق في دمشق تحت رعاية “وزارة الثقافة” ملتقى رواق، كمبادرة تهدف إلى حفظ التراث السوري المادي واللامادي، وإعادة تقديمه عبر أدوات حديثة تجمع بين التوثيق والتفاعل. التفاصيل في المقال، وهل هذه المبادرة نافعة فعلاً أم مجرد تعبئة لجدول الأعمال؟
التراث السوري في عيون ملتقى رواق
انطلقت أعمال ملتقى رواق للتراث السوري، أول أمس يوم الجمعة 27 آذار، تحت رعاية وزارة الثقافة في المكتبة الوطنية بدمشق، بهدف توثيق التراث السوري المادي واللامادي وإتاحته عبر منصات رقمية متخصصة. الملتقى يسهم في تعزيز الشراكات، وتطوير آليات التوثيق، وحماية الإرث السوري من التزييف والاستهلاك، مؤكداً دعم الوزارة لاستعادة السردية الوطنية وعرضها للعالم بصوت أهلها.
وكانت قد وقعت الوزارة في كانون الثاني الماضي اتفاقية تعاون مع ملتقى رواق للتراث السوري، بهدف دعم توثيق التراث المادي واللامادي، وتعزيز الجهود الرامية إلى حفظ الذاكرة الثقافية الوطنية وإتاحتها للجمهور، وذلك في إطار دعم المبادرات الثقافية الجادة التي تعمل على توثيق التراث بوصفه نسيجاً متكاملاً يجمع بين الأثر المادي والحكاية اللامادية. يذكر أن الملتقى يهدف إلى توثيق عناصر التراث السوري المادي وغير المادي، وتعزيز الوعي المجتمعي بأهميته، ودعم المبادرات التي تسهم في حفظ الهوية الثقافية السورية وإبرازها محلياً ودولياً.
اقرأ أيضاً: الثقافة مرآة الوطن.. دور وزارة الثقافة في بناء الهوية في سوريا بعد التحرير

ماهو التراث اللامادي.. وما أهمية ربط التراث بمنصات رقمية؟
التراث اللامادي جزء من الهوية الثقافية لسورية وسبق أن عَرفنا به في مقال سابق لنا “التراث اللامادي في سوريا بين الارتباط بالهوية ومعركة الاندثار“، فهذا التراث معنوي وفني يضم الممارسات والتعبيرات التي لا يمكن اختزالها في شكل مادي، مثل العادات والتقاليد والفنون الشفوية “كالغناء والمواويل”، إلى جانب الحرف اليدوية والمطبخ الشعبي السوري، فالأكل ثقافة أيضاً تعكس هوية الشعب ونمط حياته. فالتراث اللامادي، يعكس روح المجتمع وأنماط عيشه عبر الزمن، رغم كونه الأكثر عرضة للاندثار بسبب اعتماده على النقل الشفهي والتجربة الحية.
هذا التراث يعكس روح المجتمع وأنماط عيشه وتكيفه عبر الزمن، بالرغم من كونه الأكثر عرضه للاندثار نتيجة تعاقب الأجيال واختلاف الثقافات والأفكار التي تولد مع كل جيل جديد. إضافةً إلى أن هذا التراث يعتمد على النقل الشفهي والتجربة الحية. ومن هنا تبرز أهمية تقديمه عبر منصات رقمية، إذ تتيح التقنيات الحديثة أرشفته بشكل منظم، مع توسيع نطاق الوصول إليه، فضلاً عن تقديمه بأساليب تفاعلية تجمع بين الصوت والصورة.
في حال نجحت هذه المبادرة، فسيتم ربط الماضي العريق السوري المتمثل بالتراث اللامادي بالأجيال الجديد، إلى جانب تعزيز حضوره في مجالات التعليم والإعلام. فضلاً عن أن ربط التراث السوري المادي واللامادي بالمنصات الرقمية لا يقتصر على عملية الحفظ وحسب، بل يتجاوزها إلى إعادة إنتاجه كمحتوى قابل للتداول والدراسة والتحديث المستمر والإطلاع بأي وقت، ذلك عبر تحويل المادة التراثية بشقيها المادي واللامادي إلى قواعد بيانات وأرشيفات رقمية، تضمن استمراريتها وتفتح المجال أمام توظيفها في السياقات الثقافية والمعرفية المعاصرة.

آراء حول فكرة مبادرة رواق لحفظ التراث السوري
أكد وزير الثقافة محمد ياسين الصالح، أن إطلاق الملتقى يأتي في إطار ترسيخ نهج الشراكة في العمل الثقافي باعتباره خياراً استراتيجياً للوزارة، وأوضح أن مشروع رواق التراث السوري، ماهو إلا خطوة عملية لتمكين المبادرات الثقافية وتحويل الجهود الفردية إلى أثر وطني مستدام.
بدورها، أوضحت مديرة الملتقى هلا قصص أن المبادرة هي حصيلة عمل الأشهر الثلاثة الماضية، بحيث ركزت على توثيق الحِرف كجزء من الذاكرة الثقافية، عبر منهجية تعتمد خمس وحدات: التنسيق، والمنصة الرقمية، والتوثيق، والتحرير، والترجمة، ويغطي الملتقى مجالات متعددة تشمل الحِرف والفنون والأزياء والعمارة والتراث الغذائي.
وضمن السياق أعلنت “قصص”، عن خطة خمسية (2026 – 2030) تتضمن مشاريع سنوية مركزة، مع التركيز هذا العام على “رواق الحِرف” و”رواق الأطعمة”، إلى جانب إنشاء أرشيف بصري ووثائقي شامل يعتمد على مصادر مكتوبة وميدانية، من أبرزها “قاموس الصناعات الشامية”.
كذلك، في السياق ذاته، لفت الفنان التشكيلي ومدرس الخط العربي أحمد كمال، إلى أهمية المبادرة في إبراز الهوية الثقافية والحفاظ على المخطوطات والفنون التراثية باعتبارها ركائز لبناء المستقبل.

هل هذا التوجه ناجح أم مجرد إجراء شكلي؟
من حيث المبدأ يمكن اعتبار التوجه الذي تقوده وزارة الثقافة خطوة إيجابية، نظراً لأهمية توظيف وسائل التقنيات الرقمية الحديثة في حفظ تراث الماضي وخدمته، على وجه الخصوص اللامادي منه. لكن لا يمكن الحكم حول شكلية هذه المبادرة من عدمها من دون الإطلاع على جودة التنفيذ ومراقبة استمرارية العمل وخط سيره.
ففي حال تم تطوير منصات فعالة وطرحها للمواطنين، وتم تحديث المحتوى بشكل دوري ومتقن على مستوى الصوت والصورة والشرح، وإشراك المختصين والمجتمع المحلي في هذه التجربة، يمكن أن يحقق هذا التوجه أثراً حقيقياً ومستداماً. أما في حال اقتصر على إطلاق مبادرات دون متابعة أو إنتاج محتوى نوعي ذو قيمة ملموسة، فهذا يعني حتمية كون الشاط شكلياً ويندرج ضمن الفعاليات المؤقتة لتعبئة جدول الأعمال دون تحقيق نتائج فعلية.









