سياسة

ملايين زائر في ستة أشهر: انتعاش سياحي حقيقي أم أرقام تقودها زيارات المغتربين؟

الكاتب: أحمد علي

سجلت سوريا 3.52 ملايين زائر خلال النصف الأول من عام 2026، مقابل 1.67 مليون في الفترة نفسها من 2025، وفق مديرية التخطيط والإحصاء في وزارة السياحة. تعني الزيادة البالغة 111% أن حركة الدخول تضاعفت خلال عام، لكنها تضع تعريف الانتعاش السياحي أمام سؤال عملي. فقد كان 2.13 مليون من القادمين سوريين مغتربين، أي نحو ثلاثة أخماس الإجمالي، بينما توزع الباقون بين 719 ألف زائر أجنبي و664 ألف زائر عربي.

تقدم هذه الأعداد دليلاً واضحاً على اتساع حركة السفر إلى البلاد، وعلى تحسن قدرة السوريين في الخارج على العودة للزيارة بعد سنوات من القيود والحرب. ولا تقدم، بصيغتها المنشورة، صورة كاملة عن اقتصاد السياحة. فبيانات الدخول لا تبين كم ليلة أمضاها الزوار، ولا مقدار ما أنفقوه، ولا الغرض الأساسي من الرحلة، ولا ما إذا كان حامل الجواز الأجنبي سائحاً للمرة الأولى أم سورياً حصل على جنسية أخرى وعاد لرؤية أسرته.

انتعاش سياحي تقوده ثلاث فئات

ارتفع عدد الزوار المغتربين من 1.22 مليون إلى 2.13 مليون خلال عام، بزيادة 75%. وبحساب الفروق بين الفترتين، أضافت هذه الفئة نحو 910 آلاف زائر، وهو ما يعادل قرابة نصف الزيادة الكلية. لذلك تقود زيارات المغتربين المشهد من حيث العدد ومن حيث الإضافة الفعلية، وهو أمر ينسجم مع طبيعة المرحلة. فملايين السوريين يعيشون خارج البلاد، وتراجع عوائق السفر يدفع جزءاً منهم إلى زيارة الأهل أو تفقد الممتلكات أو قضاء إجازة في مدنهم الأصلية.

هذا التركيب لا يلغي النمو في الفئتين الأخريين. قفز عدد الأجانب من 131 ألفاً إلى 719 ألفاً، وأضاف بذلك 588 ألف زائر، وسجل أعلى نسبة نمو لأن المقارنة بدأت من قاعدة محدودة جداً. أما الزوار العرب فزادوا من 320 ألفاً إلى 664 ألفاً. جاءت تركيا أولاً بين الأسواق الأجنبية المصدرة للزوار، ثم ظهرت ألمانيا والسويد والولايات المتحدة وهولندا وكندا والمملكة المتحدة، بينما تصدر الأردن الأسواق العربية إلى جانب لبنان والعراق.

توزع القادمين على هذه البلدان يحمل احتمالين لا تفصل بينهما النشرة الرسمية. قد يكون جزء من الزيادة طلباً سياحياً جديداً من مسافرين لا تربطهم صلة عائلية بسوريا، وقد يكون بعض حاملي الجوازات الأجنبية من السوريين أو أبناء العائلات السورية. حضور دول تضم جاليات سورية كبيرة يجعل الاحتمال الثاني معقولاً، لكنه لا يسمح بتحويله إلى حكم من دون بيانات عن بلد الميلاد أو سبب الزيارة. اتسعت قاعدة الوصول بوضوح، لكن الأرقام المتاحة لا تتيح تقدير حجم السياحة الأجنبية الخالصة.

توضح أرقام العامين السابقين أن التسارع بدأ قبل 2026، ثم اشتد خلال الأشهر الأخيرة. فبحسب المقارنة التي نشرتها الوزارة في كانون الثاني، بلغ إجمالي الزوار حتى نهاية تشرين الثاني 2025 نحو 3.56 ملايين، مقابل 3.01 ملايين في الفترة نفسها من 2024، بزيادة 18%. ارتفع العرب والأجانب معاً من 483 ألفاً إلى 868 ألفاً، أي 80%، بينما اقتصر نمو زوار المغتربين على 6%. جاءت قفزة النصف الأول من 2026، البالغة 111%، أسرع بكثير من الزيادة السنوية السابقة، وإن كان اختلاف طول الفترات يمنع وضع النسب في سلسلة حسابية واحدة.

كان هدف وزارة السياحة المعلن في كانون الثاني استقطاب خمسة ملايين زائر خلال 2026، صعوداً من نحو أربعة ملايين في 2025. حقق النصف الأول وحده أكثر من 70% من هذا الهدف. وقد تساعد أشهر الصيف وعودة المغتربين على تجاوزه، إلا أن الرقم السنوي سيبقى محتاجاً إلى توضيح طريقة احتساب الدخول المتكرر للشخص نفسه.

ماذا تقيس بيانات الزوار؟

يفرق التعريف الإحصائي المعتمد لدى منظمة الأمم المتحدة للسياحة بين الزائر الذي يبيت ليلة واحدة على الأقل، فيصنف سائحاً، وبين زائر اليوم الواحد. البيان السوري جمع الفئات تحت عنوان الزوار، ثم استخدم وصف السياح عند الحديث عن العرب والأجانب، من دون نشر المنهجية التي تربط بيانات الحدود بالإقامة الفعلية. هذا الفرق يؤثر مباشرة في قراءة العائد، لأن رحلة قصيرة عبر الحدود لا تساوي أسبوعاً يقضيه زائر في فندق ويتنقل بين عدة محافظات.

البيان لم ينشر عدد ليالي الإقامة أو متوسط مدة الزيارة أو الإنفاق السياحي. كما غابت نسب الإشغال الفعلية بحسب المحافظة وتصنيف الفندق، وعدد الزوار الذين دخلوا ضمن مجموعات منظمة. كان وزير السياحة قد أعلن في الأول من تموز زيادة تراوحت بين 150% و200% في نسب إشغال الفنادق وعدد السياح مقارنة بالعام السابق، ولا يحدد هذا التصريح مستوى الإشغال الذي بدأت منه الزيادة أو عدد الغرف والليالي المباعة. ترتفع النسبة بسرعة حين تكون سنة الأساس ضعيفة، بينما يحتاج قياس التعافي إلى أرقام مطلقة يمكن مقارنتها بين الفترات.

تظهر مشكلة إضافية عند العودة إلى وثيقة الأداء الرسمية لعام 2024. فقد سجلت الوثيقة حتى نهاية تشرين الثاني 1.974 مليون قادم عربي وأجنبي، وأضافت إليهم 2.528 مليون قادم سوري. هذا المجموع أعلى من خط الأساس البالغ 3.01 ملايين الذي استخدمته الوزارة لاحقاً لمقارنة 2025 بعام 2024. قد يكون الفرق ناتجاً من تغيير تعريف الزائر أو حذف الدخول غير السياحي أو مراجعة قاعدة البيانات، لكن الوثائق المنشورة لا تقدم تسوية تشرح الفارق. لهذا تبقى مقارنة 2026 مع 2025، داخل البيان نفسه، أكثر صلابة من بناء سلسلة طويلة تجمع نشرات صادرة بمناهج مختلفة.

كانت بيانات 2024 أكثر تفصيلاً في جانب الإقامة. فقد سجلت حتى نهاية أيلول 266 ألف نزيل عربي وأجنبي، بزيادة 3% عن 2023، وقضى هؤلاء 1.443 مليون ليلة فندقية، بزيادة 5%. وسجلت أيضاً 794 ألف نزيل سوري، بزيادة 9%، مع 1.556 مليون ليلة. لا تنشر بيانات 2026 مؤشرات مماثلة، ولذلك يمكن إثبات زيادة الداخلين ولا يمكن معرفة ما إذا كان متوسط الإقامة أو استخدام الفنادق قد تحسن مقارنة بعامي 2023 و2024.

زيارات المغتربين ذات أثر اقتصادي حتى عندما لا تدخل ضمن الرحلات الترفيهية المعتادة. الزائر الذي يقيم لدى أسرته قد لا يدفع ثمن غرفة فندقية، لكنه ينفق على النقل والطعام، وقد يمول إصلاح منزل أو يشتري سلعا وخدمات محلية. يتوزع هذا الإنفاق على نطاق أوسع من المنشآت السياحية المسجلة، ولذلك قد يظهر في حركة الأسواق أكثر مما يظهر في حسابات الفنادق. وفي المقابل، تبقى قدرة القطاع على جلب عملة أجنبية وخلق وظائف مستقرة مرتبطة بمدة الإقامة ونوع الإنفاق، وهما مؤشرين لم تنشرهما الوزارة.

يستفيد أصحاب المطاعم وشركات النقل ومقدمو الإقامة من زيادة الحركة، ويستفيد الاقتصاد المحلي في المناطق التي يقصدها المغتربون. لكن التوزيع الجغرافي غير معروف. إذا تركزت الزيارات في دمشق وحلب والساحل ومدن المنشأ العائلية، فلن تصل المنافع بالقدر نفسه إلى المواقع الأثرية أو المنشآت التي تنتظر عودة الرحلات الدولية المنظمة. غياب البيانات المحلية يمنع معرفة أين نشأت الوظائف الجديدة، وأي منشآت حصلت فعلاً على دخل إضافي.

العائد الاقتصادي بعد الدخول

تحتاج السياحة السورية إلى استثمارات تتجاوز استيعاب موجة موسمية من الزوار. قال الصالحاني في كانون الثاني إن إعادة تأهيل المواقع والفنادق والبنية التحتية قد تتطلب ما يصل إلى 100 مليار دولار خلال سبعة أعوام. وكانت الحكومة قد أعلنت في أيلول 2025 عقوداً مباشرة ومذكرات تفاهم سياحية تقارب قيمتها 1.5 مليار دولار، شملت تطوير منشآت قائمة وبناء فنادق ومنتجعات وإعادة تأهيل مناطق تاريخية. الفارق بين التقديرين يوضح حجم الأعمال التي لم تدخل التنفيذ بعد.

تعطي سنة 2010 مرجعاً أبعد لطبيعة القطاع قبل الحرب. استقبلت سوريا آنذاك نحو 8.5 ملايين سائح، بينهم 4.6 ملايين عربي و2.3 مليون أجنبي ونحو 1.5 مليون مغترب، وقدرت الإيرادات بنحو 8.4 مليارات دولار، بما يعادل قرابة 14% من الناتج المحلي وفق تقديرات منشورة. لا تعني مقارنة هذا الإجمالي مع 3.52 ملايين زائر في نصف عام أن البلاد اقتربت تلقائياً من ذروة 2010، فالفترة مختلفة والتعريف الحالي أوسع، كما أن الإيرادات لم تنشر. المرجع القديم يبين أن حجم الدخول كان مقترناً حينها بإنفاق قابل للقياس وبشبكة خدمات أكثر اكتمالاً.

تبدأ الأولويات من النقل الجوي والطرق، ثم توافر إقامة بمستويات سعرية مختلفة، وتأهيل المواقع المتضررة، وتدريب العاملين. هذه المجالات تحدد قدرة البلاد على تحويل الزيارة العائلية إلى رحلة أطول، وعلى استقبال زائر مستقل لا يملك أقارب يساعدونه في السكن والتنقل. كما تحتاج السوق إلى وسائل حجز ودفع واضحة ومعلومات محدثة عن المواقع والخدمات، لأن قرار السائح الأجنبي يتأثر بسهولة الوصول بقدر تأثره بالرغبة في مشاهدة المكان.

تبقى الظروف الأمنية عائقاً أمام سوق الرحلات المنظمة. كانت وزارة الخارجية البريطانية لا تزال، حتى 22 تموز 2026، تنصح بعدم السفر إلى سوريا كلها، وتحذر من أن مخالفة الإرشادات قد تبطل التأمين. وتستمر الخارجية الألمانية أيضاً في إصدار تحذير شامل من السفر. لا تمنع هذه التحذيرات كل زيارة فردية، لكنها ترفع كلفة التأمين وتحد من قدرة منظمي الرحلات على إدراج سوريا ضمن برامجهم، وهذا يفسر جانباً من اعتماد التعافي الحالي على من يملك سبباً عائلياً قوياً للقدوم ويتحمل مخاطر الرحلة.

سيحتاج التقييم التالي إلى نشر عدد السياح الذين باتوا في البلاد، ومتوسط ليالي الإقامة والإنفاق، والإشغال الفندقي الفعلي، وتوزع الحركة بين المحافظات. كما يفترض فصل الزائر السوري المقيم في الخارج عن حامل الجواز الأجنبي من أصل سوري، وبيان عدد الوافدين لأغراض العمل أو زيارة الأسرة أو السياحة. من دون هذه التفاصيل ستظل المقارنة السنوية مفيدة لقياس فتح الحدود وحركة الناس، وأضعف في قياس إنتاج القطاع ودخله.

تثبت بيانات النصف الأول أن حركة الوصول إلى سوريا تضاعفت، وأن الزيادة تسارعت مقارنة بما أعلن عن 2024 و2025، كما ارتفعت أعداد العرب والأجانب من مستويات منخفضة. وتثبت في الوقت نفسه أن المغتربين هم الكتلة الأكبر وأنهم قدموا قرابة نصف الزيادة العددية. الانتعاش السياحي قائم في حركة السفر والإنفاق المرتبط بها، لكنه لم يتحول بعد إلى تعاف موثق لقطاع متنوع وقادر على جذب رحلات دولية منتظمة. إثبات ذلك يحتاج إلى سلسلة إحصائية موحدة وبيانات إقامة وإنفاق، وإلى تنفيذ الاستثمارات وتحسن النقل والأمن، لا إلى عد الداخلين وحده.

اقرأ أيضاً: وزارة السياحة تطلق موسم صيف 2026.. رهان على المشاريع الصغيرة

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى