ضربة بريطانية-فرنسية قرب تدمر: هل تتغير خريطة مكافحة «داعش» داخل سوريا؟

الكاتب: أحمد علي
تدمر مدينة تحفظ ذاكرة القوافل والخرائب، وتعرف كيف تُخفي الضجيج في رمالها. لذلك بدا خبر الضربة الجوية البريطانية-الفرنسية قربها أشبه بجرس إنذار أكثر منه خبراً عابراً. مساء السبت 3 كانون الثاني 2026، استهدفت العملية منشأة تحت الأرض في جبال شمال تدمر، في لحظة يعيد فيها التنظيم ترتيب حضوره بين سوريا والعراق. السؤال الذي يهم الناس هنا بسيط: هل تتجه مكافحة داعش في سوريا إلى توزيع مختلف للميادين والأدوار، أم أننا أمام حلقة إضافية في مطاردة طويلة لا تتغير قواعدها كثيراً؟
مكافحة داعش في سوريا تتبدل
قالت وزارة الدفاع البريطانية إن سلاحَي الجو في بريطانيا وفرنسا نفذا عملية مشتركة لقصف مخبأ يُشتبه أنه كان يُستخدم لتخزين أسلحة ومتفجرات استعملها تنظيم داعش سابقاً. لندن أوضحت أن مقاتلات “تايفون FGR4” شاركت بدعم من طائرة تزويد بالوقود “فويجر”، وأن القصف تم بقنابل موجهة من نوع “Paveway IV” استهدفت عدة أنفاق وصول إلى المنشأة.
كما أكدت أن المنطقة كانت خالية من أي سكن مدني قبل الضربة، وأن التقييم التفصيلي للأضرار ما زال جارياً مع مؤشرات أولية على نجاح إصابة الهدف. وقدم وزير الدفاع البريطاني جون هيلي العملية كدليل على تصميم بلاده على الوقوف مع الحلفاء لمنع أي عودة لداعش، مؤكداً أن كل الطائرات عادت بسلام.
لماذا تدمر تعود للواجهة
الجغرافيا تفسّر كثيراً. البادية حول تدمر واسعة ومفتوحة وتمنح خلايا صغيرة قدرة على الحركة والاختفاء، وهو النمط الذي اعتمده داعش بعد خسارة المدن. قبل أسابيع فقط، قُتل جنديان أمريكيان ومترجم مدني في هجوم قرب تدمر، وفق تقرير لـ“رويترز” نقل عن القيادة المركزية الأمريكية أن مهاجماً منفرداً استهدف قافلة لقوات أمريكية وسورية قبل أن يُقتل، كما أُصيب ثلاثة جنود أمريكيين. التقرير أشار أيضاً إلى أن الهجوم جاء بعد إعلان سوري عن اتفاق تعاون سياسي مع التحالف بقيادة الولايات المتحدة.
وهذه الخلفية مهمة، ليس من باب الشطط، بل لأنها تجعل الضربة الأوروبية أقرب إلى جزء من موجة ضغط متصاعدة، لا مجرد “طلعة” تذكيرية.
رسائل لندن وباريس الجديدة
يبدو أن الضربة تحمل رسالتين متوازيتين. الأولى عملياتية: التركيز على منشأة تحت الأرض يعني أن المعركة تتحول من مطاردة أفراد إلى ضرب البنية التي تسمح لهم بالبقاء، مثل التخزين والتمويه وإدارة الإمداد. استهداف “أنفاق الوصول” يوحي بمحاولة تعطيل الموقع كعقدة لوجستية، وليس الاكتفاء بتفجير ما بداخله لحظة القصف.
أما الرسالة الثانية فهي سياسية: عندما تعمل لندن وباريس معاً في مكان حساس كهذا، فهي تقول إن مكافحة داعش في سوريا ما زالت ملفاً حياً داخل التحالف، وإن أوروبا تريد الظهور كطرف قادر على الفعل لا كصوت داعم فقط.
ومع تراجع الضوضاء الإعلامية سريعاً، يبقى أثر الضربة في رفع كلفة التخزين والتمويه أمام الخلايا الصحراوية.
توازنات الداخل السوري المعقدة
مع ذلك، الأرض لا تُدار بالتصريحات. سوريا مقسمة عملياً بين مناطق نفوذ وقوى محلية، وأي ضربة تفتح أسئلة عن التنسيق وتجنب الاحتكاك. وحتى لحظة كتابة هذا المقال فلا تعليق من الحكومة السورية على الضربة. لكن في تقرير نشرته “أسوتشيد بريس” نقلت تقديرات خبراء أمميين بأن داعش ما زال يضم بين 5000 و7000 عنصر عبر سوريا والعراق، ما يعني أن “العودة” لا تحتاج إلى إمارة علنية بقدر ما تحتاج إلى فراغات أمنية ومناطق صحراوية رخوة.
ما الذي قد يتغير
لن تتغير خريطة مكافحة داعش في سوريا بسبب ضربة واحدة، لأن التنظيم يتغذى على ثغرات الإدارة والأمن أكثر مما يتغذى على مخزن سلاح محدد. لكن الضربة قد تدفع تحولات تدريجية: زيادة الضربات الأوروبية الدقيقة في عمق البادية إذا تكررت الأهداف، ورفع مستوى تبادل المعلومات مع الشركاء على الأرض، ثم ربط الجو بحملات ميدانية تضيق على طرق الحركة والتمويل حتى لا تصبح الضربات مجرد استعراض.
الدليل على اتجاه الضغط الأوسع يظهر فيما نقلته “رويترز” يوم 30 كانون الأول 2025، فالقيادة المركزية الأمريكية وشركاؤها قتلوا أو قبضوا على نحو 25 من عناصر داعش خلال 11 مهمة بين 20 و29 كانون الأول، مع القضاء على أربعة مخابئ أسلحة، بعد ضربات كبيرة في 19 كانون الأول رداً على هجوم سابق.
الخلاصة أن ضربة تدمر لا تعيد رسم الخريطة وحدها، لكنها تلمّح إلى تعديل في الأدوات داخل مكافحة داعش في سوريا عبر ضرب مخابئ البنية التحتية، وتوسيع التنسيق بين الحلفاء، مع إدراك أن الحسم النهائي سيبقى رهناً بأمن محلي وقدرة دولة تتعافى بصعوبة على ملء الفراغ.
اقرأ أيضاً: شبح «داعش» يعود: كيف تساهم الفوضى في إطالة عمر التنظيم؟









