مقتل الطفلة فرح يفجر الجدل حول السحر والشعوذة!

بقلم هلا يوسف
أصبح “السحر والشعوذة” كلمتان تعلق عليهما العديد من قصص القتل، ففي مجتمع كان ولا يزال يؤمن بهذه الأفكار رغم تقدم العلم وتطوره، من الطبيعي أن تنتشر حولها الشائعات والكثير من التفاصيل غير الواضحة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي. وفي الوقت الذي يعتقد كثيرون أن مجتمعنا تخلص من الإيمان بهذه الأفكار، تخرج قصة مقتل الطفلة فرح عمار الحمود لتؤكد لنا أنها لا تزال تأخذ حيزاً في حياة بعض الناس، رغم عدم كشف الجهات الرسمية لملابسات القضية بعد. فيكفي أن تنظر للتعليقات على الفيس بوك لترى عدد الأشخاص الذين يؤكدون أن قرابين الأطفال للجن لا تزال موجودة.
في غباغب بريف درعا الشمالي، تحولت حادثة اختفاء الطفلة فرح ذات العامين والنصف إلى مأساة عائلية بعدما تم العثور على جثتها في مستودع للتبن في البلدة، وذلك بعد اختفائها لمدة أربعة أيام من أمام منزل عمتها أثناء اللعب.
ومع إعلان الطبابة الشرعية أن سبب الوفاة هو الاختناق، بدأت الأسئلة تزداد حول ما جرى للطفلة وكيف وصلت إلى المستودع، ومن يقف وراء وفاتها، خصوصاً وأن العائلة كانت تجلس قبالة المستودع الذي تم العثور عليها فيه. وفي الوقت نفسه، ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي روايات تتحدث عن احتمال ارتباط الجريمة بالسحر والشعوذة أو البحث عن كنز.
لكن هنا يجب التوقف قليلاً، لأنه حتى الآن لم تؤكد الجهات الرسمية هذه الروايات، كما لم تعلن بشكل نهائي عن هوية المسؤول عن الجريمة أو الدافع الحقيقي وراءها. ولذلك، فإن ما يتم تداوله عبر مواقع التواصل يمكن اعتباره معلومات فيسبوكية لا أكثر، حتى تنتهي التحقيقات وتظهر الحقيقة كاملة.
من اختفاء فرح إلى العثور على جثمانها… ماذا حدث؟
وفي تفاصيل الحادثة، تشير المعلومات المؤكدة أن فرح كانت في زيارة هي وعائلتها لمنزل عمتها، وكانت تلعب أمام المنزل، قبل أن تختفي بشكل مفاجئ، لتصيب العائلة حالة من القلق والخوف.
بدأ أفراد العائلة بالبحث عنها، ولم يبق الأمر محصوراً داخل الأسرة، إذ شارك عدد من أبناء البلدة في عمليات البحث، إلى جانب الجهات الأمنية، فكانت هناك آمال بأن تكون الطفلة قد ابتعدت عن المكان أو أضاعت الطريق. لكن عمليات البحث استمرت من دون نتيجة، إلى أن ظهرت إشارة قادت إلى مستودع للتبن.
فبحسب مصادر محلية، اشتبه أحد سكان المنطقة بوجود رائحة تنبعث من داخل المستودع، فأبلغ الجهات المختصة، وبعد أن حضرت الفرق المعنية إلى المكان، وفرضت طوقاً أمنياً حوله، كانت الصدمة الكبرى بالعثور على جثة الطفلة متوفاة.
وقال رئيس قسم الطبابة الشرعية في محافظة درعا، منصور الحسين، إن الكشف أظهر أن سبب وفاة الطفلة يعود إلى الاختناق، وأن الوفاة وقعت قبل نحو أربعة أيام من العثور عليها. كما أوضح أن الجثمان كان في مرحلة متقدمة من التفسخ، وهو ما يشير إلى مرور عدة أيام على الوفاة قبل العثور عليه.
ومن جهته، أعلن مصدر في قيادة الأمن الداخلي بدرعا فتح تحقيق في الحادثة، ودعا إلى عدم تداول معلومات غير صادرة عن الجهات الرسمية قبل اكتمال التحقيقات وصدور النتائج النهائية.
وهذا أمر مهم في مثل هذه القضايا، لأن انتشار الأخبار غير المؤكدة قد يزيد من حالة التوتر والغضب، وقد يؤدي أيضاً إلى توجيه الاتهامات إلى أشخاص من دون دليل. لذلك تبقى نتائج التحقيق هي الأساس في معرفة ما حدث فعلاً.
لماذا ظهرت روايات عن السحر والشعوذة والكنوز؟
بعد انتشار خبر وفاة فرح، بدأت مواقع التواصل الاجتماعي تتحدث عن روايات مختلفة حول الجريمة. فبعض المنشورات تحدثت عن اشتباه بتورط زوج عمة الطفلة وأشخاص آخرين، بينما ذهبت منشورات أخرى إلى الحديث عن احتمال ارتباط الجريمة بالسحر والشعوذة أو بمعتقدات تتعلق بالبحث عن كنز.
حيث قالت بعض المنشورات أن الطفلة تم قتلها في حفرة من حفر التنقيب عن الذهب، والقاتلين قدموها قرباناً للجن حتى يخرج لهم الكنز. ومن المؤكد أن هذا الكلام خرافات، لكن هناك من يؤمن بها فعلاً، خصوصاً عندما يكون هناك حوادث قتل لهذا السبب من قبل.
فقد أعادت قصة فرح حادثة القتل التي حدثت في درعا عام 2020، وذلك في قضية الطفلة ليمار التي كشفت التحقيقات حينها عن ارتباط الجريمة بمعتقدات تتعلق باستخراج الكنوز، بعد أن تم إيهام الجاني من قبل أحد المشعوذين بضرورة تقديم طفل كقربان.
وشكلت تلك القضية صدمة للسوريين حينها، ليس فقط بسبب مقتل طفلة، وإنما لأن الجريمة ارتبطت بأفكار وخرافات دفعت أشخاصاً إلى ارتكاب فعل بالغ الخطورة.
ولهذا، فإن عودة الحديث عن السحر والشعوذة مع قضية فرح أثارت مخاوف كثير من السوريين، خاصة أن السنوات الماضية شهدت أيضاً حوادث قتل طالت أشخاصاً اتُهموا بممارسة السحر والشعوذة.
ففي حزيران 2025، تحدثت تقارير محلية عن مقتل سيدتين برصاص مسلحين في مدينة البوكمال، وسط معلومات ربطت الجريمة باتهامات تتعلق بممارسة السحر والشعوذة.
وفي مدينة نوى بريف درعا، وقعت خلال عام 2025 حوادث قتل أخرى، من بينها مقتل خيرية محمد الفضيل، وهي مواطنة مغربية متزوجة من أحد أبناء المدينة، في تشرين الأول، بعد تداول معلومات عن اتهامها بممارسة السحر والشعوذة.
وفي أيلول من العام نفسه، قتل يوسف رضوان الدعاس، في حادثة قيل أيضاً إنها ارتبطت باتهامات مماثلة، بحسب ما أوردته مصادر محلية.
وفي شباط 2026، تحدثت مصادر محلية عن مقتل شخص في ريف الرقة الشمالي، بعد اتهامه بممارسة السحر والشعوذة، في حادثة وقعت داخل مزرعة القادسية، بحسب الروايات المتداولة.
ومن خلال القصص السابقة نكتشف أن المشكلة الأكبر هي أنه عندما تنتشر تهمة مثل “السحر والشعوذة”، قد تتحول الشائعة نفسها إلى حكم على شخص، وقد يجد بعض الناس أنفسهم أمام خطر حقيقي لمجرد أن أحداً اتهمهم بهذه الممارسات.
بين الشائعة والحقيقة… لماذا تبقى التحقيقات هي الفيصل؟
في قضية الطفلة فرح، كما في القضايا الأخرى، يبقى السؤال الأهم هو: أين تنتهي الحقيقة وتبدأ الشائعة؟ ويعد هذا السؤال مهم جداً، خصوصاً في عصر تنتشر فيه الأخبار بسرعة كبيرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. فقد تبدأ المعلومة من منشور واحد، ثم يعيد عشرات الأشخاص نشرها، وبعد ساعات يتعامل معها البعض وكأنها حقيقة مؤكدة، رغم أنها قد لا تكون مستندة إلى أي دليل.
وفي قضية فرح، ظهرت أسماء واتُهم أشخاص بالتورط، كما ظهرت روايات عن السحر والكنوز. لكن كل هذه المعلومات تحتاج إلى إثبات رسمي قبل التعامل معها على أنها حقائق.
وبحسب ما أوضحه المحامي أيهم السبسبي، فإن الجهات المختصة تتولى التحقيق في مثل هذه الجرائم لكشف ملابساتها وتحديد هوية الفاعلين، وبعد ذلك يمكن لذوي الضحية التوجه إلى القضاء للمطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الجريمة.
كما أن التحقيق في جرائم القتل يبدأ من الجهات المختصة بصورة تلقائية، ولا يحتاج بالضرورة إلى انتظار شكوى من ذوي الضحية. أما فيما يتعلق بممارسة بعض الأعمال المرتبطة بادعاء معرفة الغيب، فقد أشار المحامي إلى أن قانون العقوبات السوري يتضمن نصوصاً تجرم بعض هذه الممارسات عندما تتم بقصد الربح أو تؤدي إلى القتل، وتفرض عليها عقوبات محددة، إلى جانب مصادرة الأدوات المستخدمة بحسب الحالة.
وفي النهاية، لا تزال قضية الطفلة فرح قيد التحقيق، خصوصاً وأن هناك الكثير من الأسئلة حول هوية القاتل، وأسباب القتل، وغيرها من المعلومات التي قد تدحض الشائعات حول السحر والشعوذة، أو تثبتها.
اقرأ أيضاً: بين التقويم الهجري والميلادي يختبئ تاريخ رمضان وغرائبه!









