مفاوضات سوريا و«إسرائيل»: أمنٌ على حافة السياسة!

الكاتب: أحمد علي
ظلال الحدود لا تُرى بالعين المجرّدة فقط؛ تُقاس أيضاً بمدى ما تسمح به الوقائع من اقترابٍ أو ابتعاد. ما يجري اليوم بين دمشق وتل أبيب ليس تكراراً لمفاوضات «سلام شامل» على طريقة التسعينيات، بل قناة أمنية ضيّقة تبحث عن صيغة «خفض تصعيد» تمنع الانهيار وتؤجّل الانفجار. ومع كل اقترابٍ من تفاهمٍ أولي، يظهر تفصيلٌ صغير يكشف تعقيد الصورة: «ممرّ إنساني» تُريده جهة، وترى فيه الجهة الأخرى مسّاً بالسيادة...
مفاوضات سوريا و«إسرائيل» الآن: قناة أمنية لا تشبه مدريد
التوصيف الدقيق يسبق الأحكام. ما يدور راهناً – بحسب تسريبات نقلتها «رويترز» عن أربعة مصادر مطّلعة – هو مسارٌ أمني بوساطة أميركية دار في عواصم مثل باكو وباريس ولندن، واقترب من تفاهمٍ يُجمّد الضربات مقابل قيودٍ على تحريك العتاد قرب الحدود. عند اللحظة الأخيرة عاد مطلبٌ إسرائيلي بفتح «ممرّ إنساني» نحو السويداء إلى الطاولة، وهو ما رفضته دمشق باعتباره انتقاصاً من السيادة، فتوقّف الإعلان عن الاتفاق.
لكن هذه التفاصيل – بوصفها معلومات منسوبة إلى مصادر وليست بيانات رسمية – تحتاج أن تُقرأ بوصفها «صورة أولية» لا «نصاً مُبرماً». فالتمييز هنا مهم: لسنا أمام إعادة تشغيل «المسار السياسي» الواسع على غرار مؤتمر مدريد 1991 الذي رتّب مسارات سلام ثنائية ومتعددة، بل أمام تفاوض تقني محدود الغاية والزمن. وهذه النقطة وحدها تمنع الخلط بين ملفات «الأرض مقابل السلام» القديمة وبين ترتيبات ميدانية اليوم هدفها تقليل المخاطر لا حسم القضايا النهائية.
ذاكرة عملية لخفض المخاطر
أقرب مرجع عملي هو اتفاق فصل القوات لعام 1974 الذي أنشأ منطقة فصلٍ على جبهة الجولان بإشراف قوة المراقبة التابعة للأمم المتحدة (أندوف). وفي الأصل هذه الاتفاقية ليست وثيقة سلام، لكنها صيغة إدارة توتّر طويلة النفس أثبتت قابلية الاستمرار حين تفشل السياسة الكبيرة. لذلك ربما يعود الطرفان إليها كأرضية جاهزة لكل حديثٍ عن وقف الاحتكاك وتثبيت خطوط السلوك على الحدود. وتجديد ولاية أندوف دورياً يؤكد أن المجتمع الدولي لا يزال يرى في «الهندسة الأمنية» المؤقتة أداةً واقعيةً لتفادي التصعيد، حتى عندما تتعثر السياسة.
«الممر الإنساني» عقدة تُظهر تداخُل القانون بالسيادة
العنصر الجديد الذي أعاد العربة إلى الخلف هو اشتراط «ممر إنساني» باتجاه السويداء، وذلك بحسب التسريبات طبعاً، لأن لا شيء معلن رسمياً حتى اللحظة في هذا الإطار. من وجهة النظر «الإسرائيلية»، ثمة بعدان يُقدَّمان لتبرير الطلب: «حماية المكوّن الدرزي» في سوريا، وربط ذلك بترتيبات منطقة منزوعة السلاح جنوباً.
بالمقابل ترى دمشق أن أي ممرّ يُدار خارج سيادتها، حتى لو كانت غايته إنسانية، يفتح باب «استثناء» قد يتمدد. جوهر العقدة ليس المساعدات بحد ذاتها، بل من يملك مفاتيح الحركة ومَن يضمن ألّا يتحول المسار المدني إلى أداة ضغطٍ لاحقة. وبما أن مصدر التفاصيل تسريبات صحافية لا بياناً مشتركاً، فإن الحديث هنا عن «تعاريف» لا تزال قيد الشدّ والجذب.
واشنطن، الأمم المتحدة، الأردن، تركيا..
لا تجري المفاوضات بين سوريا و«إسرائيل» في فراغٍ ثنائي بطبيعة الحال. فالولايات المتحدة هي الوسيط الذي يملك حوافز وعصاً في الوقت نفسه، والأمم المتحدة، عبر أندوف، تمتلك خبرة تقنية في المراقبة وبناء آليات «فضّ الاشتباك»؛ أي اتفاقٍ جاد سيحتاج إلى تسخير هذه الأداة وتحديثها (كاميرات، رصد تحركات ثقيلة، خطوط اتصال فورية).
ولا يمكن إهمال كون الأردن جارٌ مباشر يدفع ثمن أي ارتجاج جنوب سوريا، سواء عبر ضغط أمني وحدودي، أو عبر موجات التهريب والنزوح؛ لذا يُعدّ تقليل مخاطر الجنوب مصلحةً أردنية مباشرة في هذا الإطار، وهو الذي كان طرفاً مباشراً في «خارطة طريق» السويداء التي لم تجد طريقها حتى اللحظة.
كذلك تركيا جارة سورية، وهي حذرة جداً فيما يخص الاتفاق مع «إسرائيل» لأنها تستشعر الخطر، لكن ذلك لم يدفعها لإعلان موقف صريح وواضح من مسألة العلاقات السورية مع الكيان حتى اللحظة، فيما تجدر الإشارة إلى أنها رعت – أو كانت طرفاً في رعاية – أول محادثات بين الجانبين ما بعد سقوط الأسد في باكو.
القانون الدولي حاضرٌ لكنه لا يَحسم وحده
المرجعية القانونية بالنسبة للجولان واضحة في قرارات الأمم المتحدة، وأبرزها قرار مجلس الأمن 497 (1981) الذي اعتبر فرض القوانين والإدارة «الإسرائيلية» على الجولان «لاغياً وباطلاً بلا أثر قانوني»، وأكّد استمرار انطباق اتفاقيات جنيف على المنطقة المحتلة. لكن القانون – بقدر وضوحه – لا يخلق ترتيبات أمنية من تلقاء نفسه؛ ما يفعله هو وضع سقفٍ لا تُخترق تحته خطوطٌ حمراء حين تُصاغ تفاهمات الميدان.
لهذا لا يمكن لأي مسار أمني أن يُستَخدم لتنميط وضعٍ نهائي على الجولان؛ فهو، بحُكم تعريفه، «إدارة للاشتباك» لا «حلاً للوضع القانوني».
حول التعاطي الإعلامي – السوشل ميدي؟
القول بأنّ ما يجري «مفاوضات سلام» يعيدنا إلى مجازٍ قديمٍ لا ينطبق على المرحلة. الصحيح أن الحديث يدور عن «مسار أمني مرحلي» يريد اختبار ثلاثة أمور: توقّف الضربات عبر الحدود، ضبط التحركات الثقيلة قرب خطوط الفصل، ومسارات إنسانية تُراقَب تقنياً. وهنا تصبح دقّة المصطلحات جزءاً من الدقة السياسية: ف«خفض تصعيد» لا «سلاماً»، و«ترتيبات المراقَبة» لا «تطبيعاً».
إذا كان هدف مفاوضات سوريا و«إسرائيل» الآن هو خفض المخاطر، فالمسار العملي يمكن أن يبدأ من نقاط صغيرة قابلة للقياس: توسيع أدوات المراقبة الأممية على خطوط فصل 1974، إنشاء «خط ساخن» مُلزِم للحوادث، تحديد نطاقات واضحة لحركة الآليات الثقيلة داخل مناطق تحديدٍ زمنية. بيد أن كل ذلك لا يمسّ بالوضع القانوني للجولان ولا يُنتج «سابقة» حدودية. فهذا النوع من «الهندسة الصبورة» يمكن القول إنه ينسجم مع طبيعة الملف: فتعقيده لا يسمح بأن يُعالج بصيغٍ كبرى سريعة..
ختاماً، يبدو واضحاً أن صورة الموقف أقرب إلى متاهةٍ لها مخارج تقنية مؤقتة لا أبواب خلاص نهائي. فالمفاوضات بين سوريا و«إسرائيل» محكومة الآن بمعادلة واقعية شديدة التعقيد تتجاذبها التوازنات وصراع المشاريع في المنطقة، بينما تبقى الأسئلة الكبرى – من مصير الجولان إلى شكل العلاقة النهائية – خارج الطاولة في هذه الجولة كما يبدو.
اقرأ أيضاً: خرائط النار تتوسع: قراءة في معاني وتداعيات الضربة «الإسرائيلية» في قطر على سوريا








