سياحة

مغاور جبل الزاوية.. سياحة بين الأسطورة وذاكرة الصخور والتاريخ

بقلم: ريم ريّا

في قلب الشمال السوري، وتحديداً في جبل الزاوية بمحافظة إدلب، تختبئ مئات المغاور والكهوف التي لا تروي فقط قصة الطبيعة، بل تختصر فصولاً طويلة من التاريخ الإنساني والحضاري. هذه المغاور، التي شكلت مأوى للإنسان الأول، وتحولت لاحقاً إلى حصون ومدافن وأماكن عبادة، باتت اليوم واحدة من أبرز الكنوز السياحية والثقافية التي تعكس عمق الحضارة السورية وتنوعها، وتفتح الباب أمام سياحة ثقافية وبيئية واعدة.

مغاور جبل الزاوية.. كنوز على خارطة السياحة في سوريا

مغاور صنعتها الحضارات وسكنها الإنسان منذ فجر التاريخ. تنتشر أكثر من ألف مغارة طبيعية وأثرية في جبل الزاوية، وتعود في جذورها إلى عصور ما قبل التاريخ. ما يجعلها من أقدم مواطن الاستيطان البشري في حوض المتوسط.

يؤكد الباحثون، أن هذه الكتل الجبلية الممتدة من جبل الأربعين حتى قرى جبل الزاوية، كانت ملاذاً للإنسان البدائي. لتتحول مع الوقت إلى فضاء معماري فريد بعكس تطور استخدام الإنسان للطبيعة وتطويعها للسكن ثم إلى التحصين والدفع. هذا التنوع الزمني يمنح المغاور قيمة علمية وثقافية عالية. جعلت بعضها يدرج على قوائم الحماية الأثرية.

اقرأ أيضاً: تل التويني في جبلة وحكايته من عصر البرونز والحديد

جبل الزاوية

رحلة المغاور في جبل الزاوية من العسكرة إلى المدافن المقدسة

لم تكن مغاور جبل الزاوية مجرد مساكن فقط، بل كان لها أدوار عسكرية ودينية واجتماعية متعاقبة كتعاقب الزمن عليها. فبعضها تم استخدامه كحصون دفاعية ومراكز رصد خلال العصور الإسلامية والحروب الصليبية، مثل مغاور: معترم، حصن سرفوت.

أما في مواقع أخرى، تحولت المغاور إلى مدافن لشخصيات رومانية وبيزنطية بارزة، ما تزال شواهدها قائمة حتى  اليوم، على سبيل المثال: مدافن القنطرة القريبة من طريق أريحا – جبل الأربعين. هذا التداخل بين الوظيفة العسكرية والجنائزية، عكس الأهمية الاستراتيجية والرمزية للمنطقة عبر العصور.

مغاور

مغاور الروح والأسطورة.. سياحة تتجاوز الحجر

إضافةً إلى قيمتها التاريخية، ارتبطت بعض مغاور جبل الزاوية بدور ديني واجتماعي عميق. لا سيما كهف الأربعين، الذي شكل ملجأ للمسيحيين في العهد الروماني، ليتحول فيما بعد في العهد الإسلامي إلى مكان للخلوة والتعبد، وبني بحواره مسجد ما تزال مئذنته شاهدةً على هذا البعد الروحاني. كما يقال أن جبل الأربعين “يحمي من يلجأ إليه بنيّة صافية”. ومن يدخل كهوفه خائفاً من البشر يخرج مطمئناً، ومن يدخلها طامعاً أو مستهيناً يضيع في دهاليزها. ولهذا انتشرت روايات عن سرداب لا يعرف له نهاية، قيل إنه يصل إلى أماكن بعيدة، وقيل إنه لا يفتح إلا لمن “كُتب له الخروج”.

كما نسجت حول المغاور أساطير شعبية، أبرزها أسطورة مغارة “الدرة”، التي ارتبطت بالمعتقات الشعبية حول الخصوبة، إذ يقال إن ماء المغارة “مبارك”، والنساء اللواتي حرمن الإنجاب إذا شربن منه بنية صادقة رزقن بالذرية. ولهذا لم ينظر إليها كمغارة فقط، بل كمكان أمل، تتقاطع فيه الخرافة مع حاجة الإنسان للتشبث بأي وعد.

في حين، تذهب بعض الروايات إلى أن أصواتاً كانت تسمع ليلاً من داخل المغاور، وأن الضوء يلمع أحياناً من فتحاتها دون نار أو قمر، ما عزز الاعتقاد بأن الجبل “حيّ”، يراقب، ويتذكر من مرّ به. لذلك كان كبار السن يحذرون من العبث بالمغاور أو المبيت فيها دون احترام، لأن الجبل “لا يؤذي، لكنه لا ينسى”.

لكن اليوم، تقف مغاور جبل الزاوية على مفترق بين الإهمال والفرصة. فهل يغضب الجبل الذي لا ينسى!. فهذه ليست كهوف صخرية، بل متحف طبيعي مفتوح يختزل آلاف السنين من التاريخ السوري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى