مقالات

مغامرة في لبنان لن تكون ضد حزب الله بل ضد السعودية وتركيا!

مقال رأي – عروة درويش – مغامرة في لبنان لن تكون ضد حزب الله بل ضد السعودية وتركيا!

نعيش اليوم لحظة إقليمية، وربّما دولية، شديدة الحساسية. وضمن هذه اللحظة نستمع لأصوات قليلة، مباشرة أو غير مباشرة، تدعو الجيش السوري إلى الدخول إلى لبنان وفتح جبهة ضدّ حزب الله، تحت عناوين من قبيل «مساعدة الدولة اللبنانية في نزع سلاح حزب الله»، أو «الانتقام من قتلة الشعب السوري» أو شعارات أخرى كثيرة تستسهل إراقة الدم السوري وجرّ سوريا إلى أتون صراعٍ، بالكاد تنجو وتتدبر أمورها دونه. لكن إن أغفلنا جميع الاعتبارات المباشرة وتأثيرها على الاستقرار في سوريا، وحاولنا أن نفهم عمق تأثير هكذا دعوات على الإقليم، سندرك بأنّ مثل هكذا عمل عسكري سيضرّ بحلفاءٍ لسوريا عملوا طوال العام الماضي على حفظ الاستقرار فيها، وأسمّي بشكل حرفي: السعودية وتركيا.

إننا اليوم في مرحلة إعادة ترتيب حتمية للقوى، وما الحرب الإيرانية–الإسرائيلية–الأمريكية الدائرة إلّا أحد فصولها الذي ينتظر انتهاء الأعمال العسكرية ليأخذ مفاعيله المباشرة. في مثل هذه اللحظات، لا تبقى الجبهات المحلية بينية ومنفصلة عن الحسابات الإقليمية الكبرى. أي صراع جديد تتورط فيه القوات المسلحة السورية في لبنان لن يكون معزولاً عن هذه البيئة، بل سيدخل مباشرة في هذا الصراع الإقليمي.

توريط سوريا ضد الاستقرار

أحد المرتكزات المهمة التي يجب البناء عليها في هذا السياق، هو الخطاب الذي طرحه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل الحرب الأخيرة عندما تحدث عن بناء إسرائيل لمنظومة تحالفات إقليمية ذات شكل «سداسي»، هدفها مواجهة ما وصفه بنفسه بمحورين في المنطقة: «المحور الشيعي المتراجع الذي تقوده إيران، ومحور سنّي آخذ في التشكل». هذا التصور لا ينظر إلى الصراع بوصفه مواجهة مع إيران فقط، بل بوصفه جزءاً من عملية إعادة تشكيل للتوازنات الإقليمية، ويرى في بعض الدول بأنّها محور «سنّي» يجب إضعافه قبل أن يكبر.

أثار تفسير عبارة «المحور السني» التي استخدمها نتنياهو نقاشاً واسعاً بين المحللين، لكنّ أكثر القراءات الوازنة ربطتها بالتقارب المتزايد بين السعودية وتركيا ومصر وباكستان، خصوصاً بعد توقيع اتفاق دفاعي سعودي–باكستاني وتزايد التنسيق السياسي بين الرياض وأنقرة والقاهرة. هذا التقارب لا يقوم على تحالف عسكري صريح – ليس بعد على الأقل – لكنه يعكس اتجاهاً إقليمياً نحو تنسيق المصالح بين هذه الدول في عدد من الملفات، ومعظم هذه الملفات تعني في محصلتها التناقض مع مصالح الإسرائيلي في المنطقة.

يمكننا هنا أن نستفيد من تحليل نشره مركز كارنيغي للشرق الأوسط حول التنافس الإقليمي، يشير فيه الباحثون إلى أن التوتر بين تركيا وإسرائيل يتجاوز الخلافات السياسية التقليدية، ويأخذ طابعاً بنيوياً مرتبطاً بتوازن القوى في شرق المتوسط وسوريا. ويلاحظ التقرير أن «سوريا قد تتحول إلى إحدى ساحات التنافس المباشر بين أنقرة وتل أبيب إذا استمر تآكل التوازنات الإقليمية»، وهو ما يعني أن إسرائيل تسعى لتفجيرات إضافية في سوريا ومحيطها، يمكنها أن تؤثر على التوازن القائم. وهذا بالمناسبة ليس بالأمر الذي يخفيه الإسرائيليون الذين يصرحون بأنّهم يحتاجون إلى سوريا ضعيفة مقسمة دائمة القتال فيما بينها.

وفي تحليل آخر لمركز الأبحاث ذاته نفسه حول الحرب الإيرانية–الإسرائيلية، يلفت الباحثون إلى أن تركيا لا تنظر إلى إضعاف إيران بوصفه هدفاً للحرب، بل تخشى أن يؤدي انهيار التوازن الإقليمي إلى «فتح المجال أمام إسرائيل لإعادة صياغة النظام الإقليمي بطريقة تقلص هامش القوى الإقليمية الأخرى». هذا النوع من القراءة يعكس إدراكاً في أنقرة بأن ما يجري لا يقتصر على الصراع مع إيران، بل هو مقدمة لقيام الإسرائيليين – والأمريكيين الداعمين لهم بالتأكيد – بتقويض نفوذ القوى الأخرى، وصولاً إلى إضعاف هذه القوى وبدء عمليات تدمير لها.

في هذا السياق أيضاً، وسعياً لتدعيم الموقف عبر الاستفادة من التحليلات المتوفرة حول الموضوع، يشير تحليل صادر عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي «INSS» إلى أن التقارب بين مصر وتركيا يمثل «تطوراً استراتيجياً قد يعيد تشكيل التوازنات في شرق المتوسط». ويضيف التحليل أن هذا التقارب «يعكس إدراكاً متزايداً لدى الدولتين بأن البيئة الإقليمية تتجه نحو إعادة اصطفاف أوسع في مواجهة تحولات القوة في المنطقة».

هذا التقارب تجلّى أيضاً في بيان القمة المصرية–التركية الأخيرة، حيث أكدت القاهرة وأنقرة دعمهما لسيادة سوريا ووحدتها واستقرارها، ورفض الانتهاكات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، كما شدد البيان على دعم استقرار لبنان عبر مقاربة تدريجية تحافظ على وحدة الدولة والسلم الأهلي. هذا الموقف يعكس رؤية إقليمية تقوم على احتواء الأزمات لا تفجيرها.

ينطبق الأمر ذاته على السعودية. انتقلت الرياض خلال المرحلة الأخيرة إلى الاستثمار المباشر في استقرار سوريا. فقد أعلنت حزم استثمارية كبيرة في قطاعات البنية التحتية والاتصالات والطيران والطاقة داخل سوريا، في خطوة تشير إلى أن المقاربة السعودية تقوم على دعم الاستقرار الاقتصادي والمؤسساتي للدولة السورية، وهو أمر مستقر في سلوك المملكة العربية السعودية تجاه سوريا حتى في تقاربها مع الدولة السورية قبل التحرير – وليس مع النظام – فالسياسة السعودية تدرك بأنّ سوريا يجب أن تكون دولة مستقرة حتى لا تصبح صاعق تفجير في المنطقة، وأن عليها أن تعمل لتسهيل حدوث ذلك.

لكن أيّ انخراط سوري في مغامرة عسكرية خارج الحدود سيهدد البيئة السياسية والاقتصادية التي تحاول السعودية المساهمة في بنائها داخل سوريا.

أما تركيا، فهي تنظر إلى استقرار سوريا بوصفه مسألة أمن قومي مباشر. خلال المرحلة التي تلت سقوط النظام السابق، برز الدور التركي بوصفه أحد أهم عوامل تثبيت التوازن الأمني داخل سوريا ومنع عودة الفوضى أو الصراع الطائفي. ولذلك فإن فتح جبهة جديدة في لبنان سيخلق ضغوطاً أمنية إضافية على الحدود السوريّة، ويضعف المسار الذي تعمل أنقرة على تثبيته، ويفتح الوضع لانفجارات محتملة على الحدود العراقية لا يريدها الأتراك أن تحدث.

يكفينا أن نراقب ردّات فعل الأتراك – وهم الأعضاء في الناتو والذين لديهم قواعد عسكرية أمريكية على أراضيهم – على الحرب الدائرة، والاستماع لتحليلات الإعلام المحسوب على السلطة لديهم، ليظهر لنا بوضوح مدى استياء حكّام تركيا من الأعمال العسكرية الإسرائيلية ضدّ إيران، أو تلك التي تحاول استخدام أكراد إيران لمحاولة قلب النظام والنأي بالنفس عن أيّ من هذه الأعمال. تستشعر أنقرة بالخطر، وعسكرة إضافية لدى الجارة السورية لن يكون بالأمر المساعد.

إعادة ترتيب التحالفات في المنطقة

تشير الكثير من التحليلات إلى أن إعادة تشكيل التحالفات في المنطقة أصبحت هدفاً واضحاً في السياسة الإسرائيلية الهادفة إلى لعب مركز القوة الوحيدة. كمثال، في قراءة نشرها الباحث الأمريكي ستيفن كوك في مجلس العلاقات الخارجية «CFR»، يلفت إلى أن الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية تقوم على «إعادة بناء شبكة تحالفات إقليمية تمنح إسرائيل موقع القوة المركزية في النظام الإقليمي الجديد». هذا النوع من المقاربات يفترض أن أي توازن إقليمي مستقل سيُنظر إليه في تل أبيب بوصفه تحدياً يجب احتواؤه.

ضمن هذه الصورة، يصبح السؤال هو: ما الذي سيحدث إذا دخلت قوى عسكرية سورية في مواجهة عسكرية ضدّ حزب الله داخل لبنان في هذا التوقيت؟

النتيجة الأولى ستكون فتح ساحة جديدة في لحظة إقليمية مشتعلة. مثل هذا التطور سيخلق حالة عدم استقرار على الحدود اللبنانية السورية، لكنه في الوقت نفسه سيعطي الكثير من الدول – إيران والعراق وإسرائيل – ذرائع ودوافع أوسع للتدخل العسكري والسياسي في لبنان وسوريا.

النتيجة الثانية هي إضعاف المسار الإقليمي الذي يقوم على تثبيت الاستقرار في سوريا. السعودية وتركيا تدعم هذا المسار بدرجات مختلفة، سواء عبر الاستثمار الاقتصادي أو عبر التنسيق السياسي والأمني. أي انفجار كبير في لبنان سيضعف هذا الاتجاه ويعيد المنطقة إلى منطق الفوضى المفتوحة.

النتيجة الثالثة تتعلق بطبيعة الصراع الإقليمي نفسه. إذا كانت إسرائيل تسعى إلى إعادة ترتيب توازنات المنطقة بعد إضعاف إيران، فإن تفجير ساحة لبنان سيؤدي عملياً إلى إضعاف الأطراف الإقليمية التي يمكن أن تشكل توازناً جديداً في المنطقة، وفي مقدمتها تركيا والسعودية. وليس علينا أن ننسى بأنّ الإسرائيليين أنفسهم، على لسان نتنياهو، وبمباركة أمريكية، تحدثوا عن السعي لفرض خارطة جديدة على المنطقة وإنشاء ما يُسمّى «بإسرائيل الكبرى». هذه «الإسرائيل الكبرى» لا تحترم الكثير من الحدود، لا بالمعنى الجغرافي، ولا بالمعنى الجيواستراتيجي. 

بهذا المعنى، فإن أي مغامرة عسكرية سورية في لبنان اليوم لا يمكن قراءتها فقط بوصفها مواجهة مع حزب الله أو حتى مع إيران. النتيجة الاستراتيجية الأوسع قد تكون ضرب البيئة الإقليمية التي تعمل حالياً على تثبيت الاستقرار في سوريا وإعادة بناء الدولة.

يتعلق تقدير هذه المسألة بتقدير المصالح الوطنية في لحظة إقليمية انتقالية حساسة. في هذه اللحظة لن تكون مغامرة كالتي نخشاها مجرد خطوة في صراع بيني، فضمن الحسابات الاستراتيجية الأوسع، قد تتحول إلى خطوة تضعف مسار الاستقرار الوطني، وتعيق تحركات وأهداف السعودية وتركيا لتثبيت التوازن والاستقرار في المنطقة. ولسنا من السذاجة لنقول بأنّ على الجيش السوري أن يسمح باستخدام أراضيه، من قبل أي قوّة كانت، لقتال إسرائيل. ما نقوله هنا هو أنّ حدود الجيش السوري يجب أن تكون سوريا… سوريا فقط.

اقرأ أيضاً: هل نشهد ولادة تيار «تشاركي» حقيقي من داخل السلطة؟

—————————————————————————

يفتح موقع «سوريا اليوم 24» صفحاته لكل من يحمل رأياً ويرغب في التعبير عنه بحرّية ومسؤولية، إيماناً منا بأن الحوار هو السبيل الأمثل لفهم الواقع وصياغة المستقبل. نحن نُجري لقاءاتنا مع ضيوف من مشارب فكرية وسياسية متعددة، نستمع إليهم ونعرض ما لديهم بأمانة وموضوعية، وننقل الآراء المختلفة من مصادر متعددة. ولكن نشرنا لآرائهم لا يعني بالضرورة تبنّيها، بل يأتي في إطار رسالتنا الهادفة إلى ترسيخ ثقافة الحوار وتبادل الرؤى في فضاء من الاحترام والانفتاح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى