مغارة زيتا.. كنز جيولوجي ينتظر أن يرى النور

بقلم هلا يوسف
لم يكن سكان منطقة القصير على دراية بوجود مغارة تشبه إلى حد كبير مغارة جعيتا اللبنانية. فعلى بعد نحو 35 كيلومتر إلى الغرب من مدينة حمص، وعلى مسافة 15 كيلومتر فقط من الحدود اللبنانية، تختبئ مغارة زيتا ككنز جيولوجي فريد يتوارى عن الأنظار في عمق جبال القصير. هذه المغارة التي تشبه في روعتها وشكلها مغارة جعيتا الشهيرة في لبنان، تمتد في باطن الأرض لمسافة تقارب 150 متر، لتكشف عن عالم ساحر من الصواعد والنوازل والأحجار الكلسية التي رسمتها الطبيعة عبر ملايين السنين بتشكيلات خلابة وألوان مدهشة.
تتميز مغارة زيتا عن شبيهتها اللبنانية بأمرين بارزين، أولهما أنها أقدم منها بكثير، إذ تشير الدراسات الجيوفيزيائية التي أجرتها الهيئة العامة للاستشعار عن بعد إلى أن عمرها الجيولوجي يعود إلى نحو 60 مليون سنة، بينما تُقدّر بعض المصادر الأخرى عمرها بما يقارب 80 مليون سنة، في حين لا يتجاوز عمر مغارة جعيتا 20 مليون سنة فقط. أما الميزة الثانية فهي أن فراغ مغارة زيتا الداخلي أكبر مساحة، مما يمنحها هيبةً طبيعية وإحساساً بالاتساع المهيب.
وقد جاء اكتشاف المغارة بالصدفة في عام 2005 أثناء تنفيذ شركة الإنشاءات العسكرية لأعمال تفجير في المنطقة بغرض استخراج الصخور اللازمة لبناء سد زيتا القريب. وأثناء تلك الأعمال ظهرت فتحة المغارة لتكشف عن هذا الجمال المخبأ منذ القدم، غير أن جزءاً منها تعرض للتضرر نتيجة التفجيرات. وتشير بعض المصادر إلى أن أولى الإشارات لوجودها تعود في الواقع إلى عام 1995.
بعد اكتشافها مباشرةً سارعت محافظة حمص إلى تكليف جامعة حمص (البعث سابقاً) بتشكيل لجنة علمية لدراسة وضع المغارة وإمكانية استثمارها سياحياً. وتعاونت في ذلك مع الهيئة العامة للاستشعار عن بعد ومديرية سياحة حمص، حيث أُوكلت مهمة المتابعة إلى وحدة العمارة والإنشاء في كلية الهندسة المعمارية، التي كان من مهامها إعداد الدراسات الميدانية والمعمارية اللازمة. كما تم تشكيل لجنة فنية من المحافظة ضمت ممثلين عن السياحة والآثار والمكتب الفني، بهدف وضع خطة متكاملة لترميم المغارة وتأهيلها لتكون مقصداً سياحياً فريداً يجذب الزوار والمهتمين بالطبيعة والجيولوجيا على حدّ سواء.
أقسام مغارة زيتا… عالم من الجمال يتدرج في العمق
قامت الوحدات المعنية التي قامت بالأبحاث في المغارة بوصف اقسامها بدقة، لتكشف عن جمال أبهرهم، فعند الدخول إلى مغارة زيتا يستقبلك مشهد طبيعي فريد مقسوم إلى ثلاثة أقسام رئيسية، لكلٍّ منها طابعه الخاص وجماله المميّز.
القسم الأول هو مدخل المغارة وقد تعرض هذا الجزء لتدمير شبه كامل من الداخل نتيجة العوامل البشرية والطبيعية. ورغم ذلك لا تزال معالمه تحتفظ بجمال بسيط يذكّر بعظمة المكان، إذ يمكن ملاحظة بقايا قواعد الصواعد وآثار النوازل على الجدران والسقف، ما يوحي بما كان عليه هذا الفراغ من روعة في الماضي.
أما القسم الثاني فيقع بعد المدخل مباشرةً وهو نصف مهدم، إلا أنه لا يزال يحتفظ بعناصره الأساسية من الصواعد والنوازل، حيث تظهر ملامحها بوضوح، مما يجعله قابلاً للترميم وإعادة التأهيل ليعود إلى حالته الأصلية.
بينما القسم الثالث وهو الأعمق والأجمل، يقع في نهاية المغارة ويُعتبر في حالة جيدة جداً. يحتفظ هذا القسم بكامل ملامحه الطبيعية التي نحتتها المياه عبر ملايين السنين، وتبدو فيه الصواعد والنوازل بأشكالها الفريدة وانعكاساتها الساحرة. وفي أسفل هذا الفراغ، تتكون بركة صغيرة تزيد المشهد جمالاً وعمقاً، وتشكل عنصراً يمكن استثماره سياحياً بشكل جذاب، لما تضفيه من سحر وهدوء على المكان.
لم يدرك الكثير من الأهالي من جهة والعمال الذين كانوا يقومون بعمليات الحفر أهمية الكنز السياحي والأثري الذي تم اكتشافه. فقد خلصت اللجنة الفنية التي زارت الموقع إلى أن المغارة تعرضت للعبث والإهمال من قبل بعض الأهالي الذين اقتطعوا أجزاء من صواعدها ونوازلها لاستخدامها كزينة في المنازل، إضافةً إلى الأضرار الناتجة عن أعمال التفجير التي نفذتها مؤسسة الإنشاءات العسكرية في أثناء إنشاء سدّ زيتا المجاور. ومن جهة أخرى تعتقد اللجنة أن هذه المغارة تكشف عن احتمالية وجود مغاور أخرى على مستوى جمالها وروعتها، ويمكن التأكد من وجودها عبر دراسات جيولوجية أعمق وأعمال سبر ميداني دقيقة.
ورأت اللجنة أنه في حال ترميم المغارة وتأهيلها سياحياً، مع تأمين مداخل ومسارات آمنة وإضافة عناصر أمان داخلية، فستتحول مغارة زيتا إلى تحفة طبيعية وفنية تساهم في إثراء الحركة السياحية والعلمية في المنطقة، وتشكل رافداً اقتصادياً وطنياً مهماً، خاصةً إذا أُضيفت إليها بعض المرافق والخدمات مثل المطاعم، ومواقف السيارات، والمساحات الترفيهية، مستفيدة من قربها من سد زيتا الذي يُعد بحد ذاته موقعاً سياحياً واعداً.
فقد اضطرت دائرة الآثار إلى إغلاق مغارة زيتا في وقت لاحق بعد أن أصبحت ملاذاً للمهربين، نظراً لقرب المنطقة من الحدود اللبنانية وكثرة عمليات التهريب فيها، ما أدى إلى تزايد التخريب داخلها. وهكذا بقيت المغارة تنتظر يد الرعاية التي تعيد إليها الحياة، لتُظهر تحفتها الجيولوجية التي نحتت بلغة الحجر والماء في ذاكرة الأرض العريقة.
ماذا تحتاج مغارة زيتا لتتحول إلى وجهة سياحية فريدة؟
يرى الدكتور نضال سطوف رئيس وحدة العمارة والهندسة في جامعة حمص، أن تحويل مغارة زيتا إلى موقع سياحي متكامل ليس مجرد مشروع إنشائي، بل هو رحلة علمية وجمالية تتطلب دقة في التخطيط وحساً فنياً في التنفيذ. فالمغارة بما تحتويه من تكوينات طبيعية فريدة، تحتاج قبل كل شيء إلى تقييم شامل ودراسة ميدانية دقيقة لواقعها الراهن، تشمل تحليل الفراغات الداخلية من حيث الحجم، والامتداد، وتوزع الصواعد والنوازل، إضافة إلى وضع مخطط لحركة الزوار داخلها بحيث يتيح لهم الاستمتاع بجميع مفاتنها الجمالية دون الإخلال بتوازنها الطبيعي.
ويشير الدكتور سطوف إلى ضرورة إجراء دراسات تدعيمية للمسارات والجدران والأسقف بما يضمن سلامة الزائر ويحافظ على البيئة الداخلية الحساسة للمغارة، إلى جانب إعداد تصميم هندسي للإضاءة يعتمد على أحدث التقنيات العصرية من حيث النوع والتوزيع، بحيث تُبرز الأضواء مكامن الجمال دون أن تؤثر على خطوط النظر أو تزعج الحواس. كما يؤكد على أهمية توظيف العناصر الصوتية والضوئية التفاعلية لإضفاء لمسة درامية وجمالية تضاهي ما هو موجود في أشهر الكهوف السياحية العالمية.
ولكي تصبح المغارة وجهة سياحية حقيقية، يشدد سطوف على ضرورة تسويقها بفعالية عبر حملات ترويجية وتوفير خدمات البنية التحتية المناسبة، من طرقات ميسرة ومواقف للسيارات ومرافق خدمية، لضمان سهولة الوصول إليها واستقبال الزوار من مختلف المناطق.
ويتابع الدكتور نضال كلامه قائلاً إن اللجنة العلمية في نهاية دراستها اقترحت على محافظة حمص تنفيذ مشروع ترميم وتأهيل المغارة ووضعها في الخدمة لما تحمله من قيمة تاريخية وعلمية وسياحية كبيرة. وقد وافقت المحافظة مبدئياً على المقترح، وتم عقد سلسلة اجتماعات بالتعاون مع فريق استشاري إسباني أبدى اهتماماً بالغاً بالموقع وساهم في إعداد العرض الفني والمالي الخاص بالمشروع. غير أن التنفيذ توقف لاحقاً بعد أن تبين عدم توفر التمويل الكافي لدى المحافظة، ليحال المشروع بعدها إلى وزارة السياحة عام 2006 بهدف استكمال الإجراءات.
ورغم المتابعة التي أجراها محافظ حمص آنذاك، إلا أن الملف بقي مجمداً في وزارة السياحة منذ ذلك الحين دون خطوات تنفيذية تُذكر، لتبقى المغارة في طي النسيان المؤقت.
وفي ختام حديثه، عبّر الدكتور سطوف عن أسفه قائلاً: “لو لاقت مغارة زيتا ما تستحقه من اهتمام ودعم، لأصبحت بحق جعيتا السورية، لا تقل عنها جمالاً ولا عمقاً، ولكانت اليوم على خريطة السياحة العالمية، تماماً كما يسعى اللبنانيون لتسجيل مغارة جعيتا ضمن عجائب الدنيا الطبيعية.”
باختصار تعد سوريا بلداً عريقاً في تاريخه السياحي والحضاري يمتد لآلاف السنين. غير أن إهمال العديد من مواقعها السياحية، سواء من ناحية الترميم أو الاكتشاف، يحرم المواطنين أولاً من التعرف على القيمة الحقيقية للأرض التي يعيشون عليها، ويحرم الدولة أيضاً من مورد وطني مهم يمكن أن يساهم في تنشيط السياحة. ومن هنا نسلط الضوء على مغارة زيتا لتكون رسالة دعوة للجهات المعنية بضرورة الاهتمام بها وتأهيلها بالشكل الذي يليق بمكانتها.
باختصار، سوريا بلد سياحي وحضاري عمره آلاف السنوت. والإهمال للكثير من مواقعها السياحية سواء بالترميم أو الاكتشاف يفوت الفرصة على المواطنين بالدرجة الأولى في معرفة قيمة الأرض التي يعيشون عليها، ويفوت على الدولة مصدر إنتاج وطني عن طريق السياحي. لذلك ومن هذا المكان سلطنا الضوء على مغارة زيتا لتكون إشارة نداء للمعنيين بضرورة الاهتمام بها وتأهيلها.
اقرأ أيضاً: قلعة القوز احتضان للتاريخ وحكايات مع البحر









