المجتمع السوري

مع أول أيام آب.. هل يعود شبح حرائق الغابات إلى سوريا؟

بقلم: ريم ريّا

مع بداية شهر آب، عادت حرائق الغابات لتتصدر المشهد في عدة محافظات سورية، معيدةً إلى الأذهان ذكريات العام الماضي المرير، التي لا تزال آثاره محسوسة في الغابات والقرى والذاكرة الجماعية حتى اليوم. في الأيام الأولى من الشهر، سُجّلت حرائق متزامنة في اللاذقية وطرطوس وحماة، في مؤشر مبكر على موسم يخشى البعض أن يشكل تحديات مماثلة لتلك التي شهدتها البلاد العام المنصرم 2025، حين أتت النيران على آلاف الهكتارات من الغابات والأراضي الزراعية. ورغم أن الحرائق ليست نادرة في الصيف، إلا أن تكرارها في بداية الموسم يثير تساؤلات حول مستوى الخطر هذا العام ومدى استعداد الجهات المعنية لمنع تحوّل هذه الحرائق المحدودة إلى كوارث بيئية واسعة النطاق.

ثلاث محافظات تدخل منطقة خطر الحرائق مبكراً في سوريا

خلال اليومين الماضيين، شهدت محافظات طرطوس واللاذقية وحماة سلسلة من حرائق الغابات التي تفاوتت في حجمها وصعوبة السيطرة عليها.

في طرطوس، تمكنت فرق الإطفاء من احتواء ثلاثة حرائق متزامنة في منطقة دريكيش وحول قريتي جنين وسبة. وفي الوقت نفسه، اندلعت حرائق في ريف اللاذقية قرب قلعة صلاح الدين وفي منطقتي كسب وصلنفة. كما اندلعت حرائق غابات في منطقة دوير الأكراد في سهل الغاب بريف حماة، حيث أعاقت وعورة التضاريس وصول المركبات، ما اضطر الفرق إلى استخدام معدات إطفاء يدوية في بعض المناطق. ورغم نجاح الفرق في السيطرة على هذه الحرائق، إلا أن عمليات التبريد والمراقبة المستمرة تؤكد أن خطر اشتعال الحرائق مجدداً بسبب ارتفاع درجات الحرارة لا يزال مرتفعاً.

يعتقد الخبراء أن الظروف الجوية الحالية ستجعل الأسابيع القادمة الأكثر حرجاً، مع استمرار موجات الحر وجفاف الغطاء النباتي، وهي عوامل تُسرّع من اشتعال الحرائق وانتشارها. لكن العوامل الطبيعية ليست السبب الوحيد. تظهر البيانات أن الأنشطة البشرية لا تزال السبب الرئيسي لمعظم الحرائق، سواءً كان ذلك بسبب الإهمال، أو حرق الأراضي الزراعية، أو التخلص العشوائي من النفايات، وهي أفعال تتكرر كل صيف وتُشعل حرائق هائلة.

وتواجه فرق الإطفاء تحديات أخرى، منها وعورة التضاريس الجبلية، وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق بالمركبات، ووجود مخلفات الحرب والألغام الأرضية، مما يعيق عمليات التدخل ويزيد من مخاطر العمل الميداني.

اقرأ أيضاً: الحرائق الموسمية في سوريا: الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى الاستباقية

هل تغيرت الاستعدادات هذا العام؟

بعد التجربة الصعبة التي مرت بها سوريا خلال موسم 2025، نفذت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث سلسلة من الإجراءات لتعزيز الجاهزية قبل ذروة فصل الصيف. وشملت الخطة رفع مستوى جاهزية فرق الإطفاء، وإعادة تأهيل الطرق الحرجية، وإنشاء خطوط عازلة للحريق، ونشر حوالي 50 مركز إطفاء متطور في الغابات، مجهزة بالكوادر والمركبات، لتقليل زمن الاستجابة في حال اندلاع حريق.

تم تطوير نظام إنذار مبكر، يعتمد على مئات أجهزة الاستشعار، في عدة مناطق حرجية. كما تم توفير موارد مائية في الغابات، وتدريب فرق متخصصة على إدارة الحرائق في المناطق الوعرة. يرى الخبراء أن هذه الإجراءات تمثل تحسناً مقارنةً بالمواسم السابقة. ومع ذلك، فإن نجاحها يعتمد على سرعة استجابة المواطنين وتعاونهم في الإبلاغ عن أي حريق مبكراً.

الوقاية… هي الخطوة الأهم

يؤكد خبراء البيئة والزراعة أن مكافحة الحرائق لا تبدأ بعد اندلاعها، بل قبل ذلك بكثير، من خلال إدارة الغطاء النباتي والحد من الأعشاب الجافة التي تصبح شديدة الاشتعال خلال فصل الصيف. ومن بين الحلول المقترحة، توسيع نطاق عمليات إزالة الغابات، وإنشاء أحزمة نباتية للحد من انتشار الحرائق، واستخدام الرعي المنظم للحد من جفاف الغطاء النباتي، وتعزيز حملات التوعية للوقاية من الحرائق في المناطق الحرجية.

في بداية الموسم، يصعب الجزم بأن سوريا ستشهد صيفاً مشابهاً لصيف عام 2025. ومع ذلك، فإن المؤشرات المناخية الحالية، مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، تستدعي توخي الحذر الشديد. على الرغم من أن جهود هذا العام تبدو أكثر تنظيماً، إلا أن نجاحها لن يقاس بعدد الخطط المعلنة، بل بقدرتها على احتواء الحرائق في مراحلها الأولى وحماية الغابات، التي تعتبر كنزاً لا يعوّض للبيئة في حال امتدت النيران مجدداً.

ليبقى التحدي الحقيقي مزيجاً من الاستعداد الميداني، وأنظمة الإنذار المبكر، وتوعية المجتمع المحلي، إذ إن منع الحريق قبل اندلاعه أقل تكلفة بكثير من محاولة إخماده بعد أن يلتهم آلاف الأشجار ومساحات شاسعة من الأراضي.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى