سياسة

معركة واشنطن الخفيّة: ماذا عن الكونغرس وإلغاء عقوبات قانون قيصر؟!

القانون يضع العصا.. لكنه لا يُغفل إمساك الجزرة!

الكاتب: أحمد علي

انعطافة سياسية تتشكّل على مهل في أروقة واشنطن، لا تُرى بالعين المجرّدة بقدر ما تُحسّ في تغيّر النبرة وتبدّل المفردات. ملفّ سوريا، الذي ظلّ لسنوات أسير العقوبات والاشتراطات القاسية، يتقدّم اليوم على بساطٍ تشريعيّ نحو صياغةٍ جديدة للعلاقة بين القانون والسياسة والميدان.

ليس الأمر ضربة واحدة ولا انقلاباً مفاجئاً في الاتجاه، بل مسار طويل يتبادل فيه اللاعبون الرسائل والإشارات: لجان تكتب، مكاتب تصوغ، ومصالح تتهيأ لمرحلة تُختبر فيها جدوى الضغط وجدوى الانفراج معاً. وبين كل فقرة تشريعية وأخرى، تتسع مساحة الأسئلة: ماذا يعني أن يُلغى قانونٌ صُمّم ليكون الأكثر صرامة؟ ومن يربح ومن يخسر حين تُفتح نافذة اقتصاديّة بعد عزلة طالت؟

إلغاء عقوبات قانون قيصر: من مناورة إلى مسار تشريعي

تحوّلت فكرة الإلغاء من همسٍ في الكواليس إلى معركة علنيّة تُدار على صفحات الصحافة وفي جلسات الاستماع. وتحقيق «المونيتور» الأخير يضع القارئ “داخل معركة الكونغرس” نفسها، موثّقاً حجج الداعمين والمعارضين، وكيف أصبح موضوع الإلغاء بنداً قابلاً للتصويت ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني (NDAA)، مع ملاحظة أن خبراء الاقتصاد والسياسة يرون أن الإلغاء الدائم—لا التعليق المؤقت—هو وحده الكفيل بإعطاء المستثمرين إشارة ثقة للعمل في سوريا.

على مستوى الإيقاع الزمني، لم يأتِ الحراك من فراغ. قبل ثمانية أيام من تاريخ نشر تقرير «المونيتور» (24 تشرين الأول 2025)، كانت النقاشات قد بلغت نقطة تُستشعر فيها ملامح صفقة سياسية، خصوصاً بعد أشهر من تعهّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب برفع العقوبات، فيما ظلّت «الأشدّ قسوة» منها نافذة على دفاتر القانون.

هذا التباين بين الوعد والواقع وثّقته أيضاً النسخة الإنجليزية من التقرير ذاته، مؤكّدة أن الجزء الأصعب لا يزال «على الكُتب».

ماذا تقول الإدارة الأمريكية اليوم؟

الجديد الذي عطّل كثيراً من الشكوك جاء على لسان الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية: الإدارة تدعم رسميّاً تمرير إلغاء «قيصر» عبر قانون الدفاع قيد النقاش في الكونغرس. الخبر، الذي نقلته «رويترز» في 31 تشرين الأول 2025، يعني عمليّاً أن البيت الأبيض ووزارة الخارجية يضعان ثقلهما خلف صياغةٍ محدّدة للمسار التشريعي، ويمنحان الدافعين بالإلغاء غطاءً سياسياً مفتوحاً، مع ما قد يترتّب على ذلك من تسريع في لجان المؤتمر المشتركة بين مجلسي النواب والشيوخ.

في الخلفية، يتردّد صدى البُعد الاقتصادي الإقليمي: استثمارات خليجية «على أهبة الانطلاق» تواجه عائق العقوبات القائمة، ما يجعل أيّ مؤشّر تشريعي إيجابي بمثابة إشارة انطلاق لملفات طاقة وإعمار وتمويل مؤسّسي.

وربطت تقارير اقتصادية مستقلة بين هذا المناخ وبين المسار التشريعي في الكونغرس، مشيرةً إلى أن رأس المال ينتظر «لحظة قانونية» أكثر من انتظاره «تصريحات سياسية».

من النص إلى التطبيق: كيف صُمّم «قيصر» وما الذي تغيّر؟

قانون «قيصر لحماية المدنيين في سوريا» أُقرّ عام 2019 ليشكّل إطاراً واسعاً لعقوبات طاولت الحكومة السورية ومن يتعامل معها اقتصادياً ومالياً، ربطاً بانتهاكات موثّقة خلال سنوات الحرب. لكن هذا الإطار لم يكن صلداً بالكامل؛ فقد أتاح القسم 7431 (أ) للحكومة الأميركية تعليق العقوبات كلياً أو جزئياً لفترات قابلة للتجديد، وهو ما استُخدم فعلاً في أيار 2025 عبر إعفاءٍ مدّته 180 يوماً.

وهذه الجزئية مهمّة لفهم العقل التشريعي الأميركي: فالقانون يضع العصا، لكنه لا يُغفل إمساك الجزرة حين تتبدّل الظروف.

ومع أن التعليق المؤقّت وفّر فسحة اختبار، بقيت الشركات الدولية متحفّظة. الفرضية الغالبة لدى دوائر الأعمال تقول إن السوق السوريّة لا تحتاج «ممرّاً إنسانيّاً» بقدر حاجتها إلى «جسر قانوني دائم» يرفع حالة عدم اليقين ويخفض تكاليف المخاطر.

وهذا ما عكسته شهادات خبراء عندما ربطوا أيّ اندفاعة استثمارية فعلية بـ«الإلغاء الدائم» لا بـ«التعليق المتجدد».

لحظة مجلس الشيوخ: تصويتٌ يفتح الباب ولا يُغلق الملف

العلامة الفارقة جاءت في 10 تشرين الأول 2025، حين صوّت مجلس الشيوخ على نسخته من قانون الدفاع المتضمنة بند إلغاء «قيصر». سجّل التصويت أرقاماً مريحة، لكنّ التحوّل الأهم كان إدراج «الإلغاء» لغةً تشريعيةً واضحة لا لبس فيها، مع ملحقات تُلزم الإدارة بالتقرير حول سلوك الحكومة السورية بعد الإلغاء.

قراءة سجلّ مجلس الشيوخ على موقع «كونغرس.غوف» تكشف وجود تعديل مرتبط بمرحلة ما بعد الإلغاء، يطالب بشهادات وتقييمات دورية لمدى الالتزام بالمعايير المحدّدة. ذلك يعني أن الإلغاء المقترح ليس «شيكاً على بياض»، بل آلية قابلة للقياس والمراجعة البرلمانية.

صحيحٌ أن تمرير الشيوخ يفتح الباب واسعاً، لكنه لا يُغلق الملف؛ فما زال المسار يحتاج موافقة مجلس النواب ثم التوقيع الرئاسي حتى يصبح قانوناً نافذاً. وأكّدت تغطيات صحفية عربية ودولية عدّة تسلسل الخطوات هذا، وربطته بجدول زمني يهدف إلى إنهاء العملية قبل نهاية 2025، إذا ما توافرت الإرادة السياسية اللازمة.

اقتصاد ما بعد العقوبات: رهانات وفرص ومطبات

الإلغاء – إن حدث – لن يكون عصا سحرية. فالعقوبات الأميركية على سوريا لم تكن حصراً «قيصر»، بل منظومة من أوامر تنفيذية ولوائح خزينة تراكمت عبر سنوات. من ثمّ، ستبقى الحاجة إلى تفكيكٍ فنيّ لشبكة القيود قائمة حتى بعد «إلغاء عقوبات قانون قيصر».

لكنه، مع ذلك، يشكّل إشارة نفسية وسوقية بالغة الأثر: انخفاض «علاوة المخاطر القانونية»، وإمكانية فتح خطوط تمويل مؤسسية، وتبدّل موقف شركات التأمين والشحن، واتساع هوامش المبادرات الخليجية في الطاقة والمرافئ واللوجستيات.

وهذه القراءة لا تُغفل المخاطر من بيروقراطية ثقيلة، بنى تحتية منهكة، نظام مصرفي يحتاج إصلاحات، وبيئة حَوكمة تتطلّب خطوات ملموسة لطمأنة الشركاء.

وفي المستوى الإنساني، يراهن مؤيّدو الإلغاء على تحسّنٍ تدريجيّ في توافر السلع الأساسية وانخفاض تكاليفها، وعلى إمكانية توجيه منحٍ وتمويلات عبر قنوات رسمية أقلّ هشاشة. مقابل ذلك، يحاجج المنتقدون بأن الإلغاء قد يُضعف أدوات الضغط السياسي ويقلّل من قدرة المجتمع الدولي على تعديل سلوك دمشق.

الخيط الناظم هنا أن فاعلية أيّ مسار ما بعد الإلغاء ستتوقّف على معايير الأداء والشفافية التي تطلبها التعديلات المصاحبة، وعلى استعداد العواصم المؤثرة لربط الحوافز بسلوكٍ محدّد قابل للقياس – وهو ما تعكسه روح التعديل المُسجّل في وثائق مجلس الشيوخ.

أين تقف «القصة» الآن… وماذا بعد؟

المشهد الراهن يتشكّل من ثلاثة عناصر: أوّلها غطاء سياسي معلن من الإدارة لدفع إلغاء عقوبات قانون قيصر عبر قانون الدفاع، وثانيها تصويتٌ إيجابي في مجلس الشيوخ يضع الإلغاء على سكّةٍ محدّدة زمنياً، وثالثها دينامية اقتصادية إقليمية تنتظر الإشارة القانونيّة للانطلاق.

حتى اكتمال المسار، ستتواصل المعركة على اللغة النهائية للنصّ، وعلى «شروط ما بعد الإلغاء» وحدودها، وعلى كيفية التوفيق بين منطق «الضغط الأخلاقي» ومنطق «الانخراط البراغماتي». في كل الأحوال، تبدو واشنطن مستعدّة لتجريب مقاربة مختلفة: لا قطع مع الماضي ولا استنساخ له، بل إعادة هندسة للأداة نفسها بما يخدم أهدافاً معلنة تتراوح بين الاستقرار الإقليمي وتقليص نفوذ الخصوم وإعادة تعويم مسار اقتصادي واقعي.

ومن نافذة سورية الضيّقة، قد يكون العنوان أن زمن «العقوبة بوصفها سياسة» يتراجع لمصلحة «السياسة التي تستخدم الرفع كحافز». هذه النقلة – إن نضجت – لن تُقاس بعدد الكلمات في القانون بقدر ما تُقاس بقدرة الاقتصاد الحقيقي على التنفّس، وبمدى التزام دمشق بخطوط حمراء إنسانية وسياسية سيعاد رسمها في تقريرٍ وراء تقرير.

اقرأ أيضاً: مفاوضات سوريا و«إسرائيل»: أمنٌ على حافة السياسة!

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى