أعمال واستثمار

معرض سيربترو 2026: ماذا تعني مشاركة شركات من 24 دولة لقطاع الطاقة السوري؟

تفتح دمشق أبواب معرض سيربترو 2026 أمام أكثر من 120 شركة من 24 دولة، في دورة تمتد من 7 إلى 10 تموز على أرض مدينة المعارض. الرقم مهم لأنه يأتي في قطاع يعاني من أعطال عميقة في الإنتاج والتكرير والكهرباء، ويحتاج إلى معدات وخبرة وتمويل قبل أي حديث واسع عن تعافٍ مستقر. لذلك يبدو السؤال أقرب إلى الواقع: هل يترجم هذا الحضور إلى عقود وخطط تنفيذ، أم يبقى مؤشراً على اهتمام أولي بقطاع ما زال يعمل تحت ضغط النقص والحاجة؟

بحسب وكالة سانا، تجمع الدورة الثامنة من معرض سورية الدولي للبترول والطاقة والثروة المعدنية مؤسسات حكومية وشركات وطنية ودولية ومستثمرين وموردين وخبراء وصناع قرار من قطاعات النفط والغاز والطاقة والثروة المعدنية. وتعرض الجهة المنظمة، مجموعة مشهداني الدولية، المعرض كمنصة للتواصل وعقد الصفقات وعرض التقنيات ودراسة حاجات المشاريع في سوريا والمنطقة.

هذه الوظيفة المهنية للمعرض تمنحه معنى عملياً، لكنها لا تكفي وحدها لقياس أثره. الأثر يظهر لاحقاً في نوع الشركات الحاضرة، وحجم العقود، وقدرة المؤسسات السورية على تحويل اللقاءات إلى توريد وتشغيل وصيانة.

قطاع يبحث عن شركاء

يحضر معرض سيربترو 2026 في لحظة تغيّر فيها وضع قطاع الطاقة السوري نسبياً، لكن من دون أن تزول مشكلاته الأساسية. البنك الدولي أشار في أحدث عرضه عن سوريا إلى أن الحكومة الانتقالية استعادت في شباط 2026 السيطرة على مناطق نفط وغاز رئيسية، ما رفع حصتها من الإنتاج الوطني من نحو 20 في المئة إلى 88 في المئة.

وهذا تحول سياسي واقتصادي مهم لأنه يعيد جزءاً أكبر من المورد النفطي إلى إدارة الدولة، لكنه لا يعني أن الإنتاج عاد إلى مستواه السابق أو أن البنية الفنية أصبحت قادرة على سد الطلب المحلي.

قبل عام 2011، كانت سوريا تنتج قرابة 380 ألف برميل يومياً من النفط ونحو 900 مليون قدم مكعبة يومياً من الغاز، وفق تقديرات وود ماكنزي. وبعد سنوات الحرب تراجع إنتاج النفط الوطني في 2021 إلى نطاق بين 50 و80 ألف برميل يومياً.

ونقلت رويترز في أيار 2026 أن الإنتاج المحلي بقي محدوداً عند نحو 35 ألف برميل يومياً في 2025، مقابل حاجة يومية تقدّر بين 120 و150 ألف برميل، وأن روسيا أصبحت مورداً رئيسياً بنحو 60 ألف برميل يومياً هذا العام. وهذه الفجوة تشرح لماذا لا يستطيع قطاع الطاقة السوري الاعتماد على المعارض وحدها. السوق يحتاج إلى معدات، لكنه يحتاج أيضاً إلى عقود توريد مستقرة، وتمويل مقبول، وإدارة قادرة على تقليل الهدر ورفع الإنتاج.

توجد نقطة أخرى لا تقل أهمية. قطاع الغاز يرتبط مباشرة بالكهرباء، والكهرباء بدورها شرط لأي تعافٍ صناعي أو خدمي. وتقديرات نشرها الباحث الاقتصادي كرم شعار تشير إلى أن المسؤولين السوريين قدّروا حاجة البلاد من الغاز بنحو 23 مليون متر مكعب يومياً لتلبية الطلب الوطني، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف الإنتاج الحالي المشار إليه في تلك التقديرات.

كما أن توليد الكهرباء المعتمد على الغاز انخفض في 2023 إلى 10022 غيغاواط ساعي، مقارنة بإمكانات توليد أعلى بكثير إذا توافر الوقود، لذلك فإن حضور شركات الطاقة لا يخص قطاع النفط وحده، بل يمس الكهرباء والصناعة والنقل والخدمات العامة.

من الأجنحة إلى العقود

مشاركة شركات من 24 دولة يمكن أن تساعد في فتح قنوات جديدة أمام القطاع السوري، خصوصاً بعد تخفيف العقوبات الاقتصادية الغربية خلال 2025 و2026. الاتحاد الأوروبي أعلن أن العقوبات الاقتصادية على سوريا رُفعت لدعم التعافي والانتقال، مع استمرار الإجراءات الموجهة ضد أفراد وكيانات مرتبطة بالنظام السابق أو لأسباب أمنية.

كما أعلنت وزارة الخزانة الأميركية أن برنامج العقوبات الاقتصادية الخاص بسوريا لم يعد سارياً ابتداءً من تموز 2025، مع بقاء قيود على أسماء وجهات محددة، وهذه التغييرات تقلل جزءاً من المخاطر القانونية، لكنها لا تلغي التردد التجاري بالكامل.

الشركات التي تدخل قطاع الطاقة لا تنظر إلى المعرض وحده. هي تنظر إلى وضوح الملكية، وإمكان تحويل الأموال، واستقرار القوانين، وأمن المواقع، وقدرة الجهة العامة على الدفع أو على توفير ضمانات. وتبحث أيضاً عن بيانات دقيقة حول الحقول والأنابيب والمصافي ومحطات الكهرباء. كلما كانت هذه المعلومات متاحة ومنظمة، زادت فرصة الانتقال من لقاءات المعرض إلى اتفاقات تنفيذية. أما إذا بقيت البيانات متفرقة، وإذا تأخر الإطار التعاقدي أو بقيت المخاطر السياسية مرتفعة، فقد تقتصر المشاركة على جس نبض السوق.

يعطي مشروع الكهرباء الإسعافي الممول من البنك الدولي مثالاً على طبيعة الاحتياج السوري. المشروع البالغة قيمته 146 مليون دولار يستهدف إعادة تأهيل خطوط توتر عالٍ ومحطات تحويل، وتمكين قدرة ربط إقليمية تصل إلى 600 ميغاواط، إلى جانب دعم الدراسات والسياسات وبناء القدرات.

وهذا النوع من المشاريع يوضح أن الأزمة ليست في شراء المعدة فقط، بل في إدارة المشروع، والرقابة، والمعايير الفنية، والربط بين التمويل والتنفيذ. ومن هذه الزاوية يصبح سيربترو فرصة لاختبار قدرة المؤسسات على عرض احتياجات واضحة أمام الشركات، لا مجرد جمع أكبر عدد من المشاركين.

ما الذي يحتاجه الاستثمار؟

الطاقة في سوريا ترتبط بالحياة اليومية مباشرة. نقص الوقود يرفع كلفة النقل، وضعف الكهرباء يضغط على الصناعة الصغيرة، وتذبذب التغذية يدفع الأسر والمحال إلى بدائل مكلفة. لذلك فإن أي تطور في هذا القطاع ينعكس سريعاً على السوق وعلى قدرة الناس على العمل. لكن تحسين الخدمة يحتاج إلى ترتيب أولويات. هل تبدأ الأولوية من رفع إنتاج النفط والغاز، أم من صيانة الشبكات، أم من تأمين التوريد الخارجي، أم من إدخال طاقة متجددة حيث تكون مجدية؟ لا توجد إجابة واحدة، لكن غياب الخطة الواضحة يجعل كل مسار أقل قدرة على النجاح.

المعرض يمكن أن يساعد في ثلاثة اتجاهات عملية. الأول هو تعريف الشركات بحاجات القطاع السورية من المعدات والخدمات، من الحفر والصيانة إلى القياس والأتمتة ومستلزمات السلامة. الثاني هو فتح قنوات تفاوض مع موردين وممولين بعدما تغيّر جزء من البيئة القانونية. الثالث هو وضع القطاع تحت نظر الرأي العام والقطاع الخاص، بما يفرض قدراً أكبر من النقاش حول الكلفة والعائد والشفافية. وهذه الفوائد ستبقى محدودة إذا لم تتبعها بيانات رسمية أوضح عن العقود والجهات المشاركة ومجالات العمل التي ستفتح فعلاً أمام الاستثمار.

هناك أيضاً بعد سيادي لا يمكن تجاهله، اعتماد سوريا على مورد خارجي واحد للنفط أو على شبكات نقل غير مستقرة يجعل قطاع الطاقة عرضة للضغط السياسي وتقلب الأسعار. توسيع الشركاء قد يخفف هذه الهشاشة، لكنه لا يعالجها تلقائياً. المطلوب هو تنويع مصادر الإمداد، وتحسين الإنتاج المحلي، وتحديث المصافي، وربط مشاريع الطاقة بخطة مالية لا تحمل الدولة أعباء غير محسوبة. أي عقد جديد يجب أن يجيب عن سؤال بسيط: ماذا يضيف إلى القدرة الفعلية للبلاد خلال سنة أو سنتين، لا بعد وعود بعيدة فقط؟

خلاصة الأمر أن سيربترو 2026 يمنح قطاع الطاقة السوري نافذة مهنية مهمة في توقيت حساس. مشاركة أكثر من 120 شركة من 24 دولة تعني أن السوق السورية عادت إلى دائرة المتابعة، لكنها لا تثبت وحدها أن التعافي بدأ بمعناه التنفيذي. الفارق سيظهر في الأشهر المقبلة، عندما يتضح ما إذا كانت اللقاءات ستتحول إلى عقود، وما إذا كانت العقود ستتحول إلى إنتاج وكهرباء وخدمة مستقرة. قطاع الطاقة لا يحتاج إلى حضور دولي فقط. يحتاج إلى قواعد واضحة، وبيانات صريحة، ومشاريع قابلة للقياس، وإدارة تعرف كيف تنقل الاهتمام الخارجي إلى نتائج داخلية ملموسة.

اقرأ أيضاً: معرض أغريتكس.. فرص للقطاع الزراعي أم اختبار لقدرة السوق على التحول؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى