معرض دمشق الدولي 2026.. موعده والدول المشاركة والفرص الاقتصادية

بقلم هلا يوسف
ينتظر التجار والصناعيون كل عام افتتاح معرض دمشق الدولي كما ينتظره الناس لزيارته بسبب طابعه الترفيهي المدموج بالطابع الاقتصادي، فالمعرض الذي تحول من أكثر من ستين عاماً لعادة سنوية، أصبح دوره اليوم مهماً أكثر من قبل، فسوريا اليوم تحاول استعادة دورها الإقليمي والدولي على خطوط التجارة الإقليمية، والمعرض يوفر لهم ذلك. وبالرغم من أنه انحرف قليلاً عن مساره نحو الترفيه خلال السنوات السابقة، إلا أن هذا العام تداركت الجهات المنظمة ذلك، خصوصاً بعد الأرقام الكبيرة التي سجلها المعرض العام الماضي. لذلك في هذا المقال سنأخذ جولة على التحضيرات الحالية.
المشاركات وموعد الانطلاق
تستعد العاصمة دمشق لاستقبال الدورة الـ63 من معرض دمشق الدولي الممتد بين 26 آب الجاري و4 أيلول المقبل، حيث سيكون ملتقى للشركات والمستثمرين وجهات من قطاعات مختلفة، لترتفع فرص الشراكات الاقتصادية بين الجهات المشاركة.
وبالنظر إلى أعداد الدول المشاركة والتي وصلت لـ60 دولة من بينها شركات سورية وعربية ودولية، عدا عن الهيئات والوزارات والمؤسسات العامة، بالإضافة إلى غرف التجارة ومجالس الأعمال وجهات خدمية واستثمارية وحرفية، يمكننا القول إن فرص وجود سوق كبيرة ستكون أكبر.
حيث يوفر المعرض فرصة للتعرف إلى المنتجات والشركات التي تقف خلفها، مع اكتشاف الخدمات الجديدة، والبحث عن شريك اقتصادي أو مورد. فهنا يمكن أن يتحول اللقاء البسيط لمشروع كبير.
معرض عمره أكثر من 60 عاماً.. لكن دوره يتغير
إذا عدنا لتاريخ معرض دمشق الدولي أي لنحو 63 سنة مضت، سنجد أنه تحول لعادة سنوية بدأت بأهداف بسيطة مثل التعريف بمنتجات الدول المشاركة أمام رجال الأعمال والمستهلكين، بالإضافة للجانب الثقافي منه.
ومع كل دورة منه كان يتطور فيه شيء حتى أصبح من أقدم المعارض في المنطقة، وتحول إلى نقطة تلتقي فيها الأسواق والشركات ورجال الأعمال من سوريا ودول العالم.
لكن بحسب رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية مازن ديروان، فقد المعرض خلال السنوات الماضية جزءاً من دوره التجاري، ونسي الهدف الأساسي منه، وتحول في بعض المراحل إلى مساحة يغلب عليها الطابع الترفيهي، وذلك بسبب الحصار الاقتصادي الذي حكم بالانغلاق التجاري على البلد.
أما اليوم فتبدو الصورة مختلفة مع الجهود المبذولة لإعادة المعرض لدوره التجاري مع الإبقاء على الفعاليات الثقافية والترفيهية التي اعتاد عليها الزوار.
لذلك تم تخصيص الأيام الثلاثة الأولى من الدورة الحالية للفعاليات التجارية، بهدف إعطاء الشركات ورجال الأعمال مساحة أكبر للقاء والتفاوض، مع تعليق آمال كبيرة بالقدرة على استقطاب مشترين من دول مختلفة يمكن أن يساعدوا في فتح أسواق جديدة أمام المنتجات السورية.
وهذا ما يعطي أهمية أكبر للمعرض، حيث لا تعرض الشركات السورية منتجاتها فقط أمام الزوار، بل سيكون لديها الفرصة بلقاء من يشتري المنتج وتعجبه البضاعة فيساعد الشركات حتى تصل لأسواق جديدة خارج سوريا.
والأمر نفسه ينطبق على الشركات الأجنبية، التي تستطيع من خلال المعرض التعرف إلى السوق السورية، والاطلاع على احتياجاتها، والتواصل مع شركات وجهات محلية.
ويشير مدير الفعاليات في شركة “غلوفينت”، صلاح عزيزية، إلى أن أهمية المعرض لا تتوقف عند كونه فعالية اقتصادية، بل تشمل أيضًا التعارف وتبادل الخبرات واكتشاف فرص التعاون.
وهذا الجانب مهم خصوصاً مع تطور صناعة المعارض التخصصية في سوريا. فمعارض مثل “تكسبو لاند” للتكنولوجيا والابتكار، و”فود إكسبو” للصناعات الغذائية، تعطي الشركات مساحة متخصصة في مجالات محددة، بينما يستطيع معرض دمشق الدولي أن يجمع هذه القطاعات المختلفة تحت سقف واحد.
ومن خلال المشاركة، تستطيع الشركات التعرف إلى شركات جديدة وطبيعة أعمالها وخدماتها، ثم التفكير في التعاون معها أو استضافتها في فعاليات أخرى بالمستقبل. كما تمنح المشاركة العاملين في تنظيم المعارض خبرة عملية في إدارة الأجنحة وحركة الزوار والفعاليات، خصوصاً مع اتساع مساحة مدينة المعارض وتنوع المشاركين.
اقرأ أيضاً: مهرجان صيف حوران.. حين تعود الحياة إلى درعا من بين الركام
حين تتحول اللقاءات إلى مشاريع
لعل أكثر جزء مهم من الدورة الجديدة لمعرض دمشق الدولي هو تركيزه الواضح على لقاءات الأعمال المباشرة بين الشركات والمستثمرين والجهات الحكومية، أو ما يعرف بلقاءات B2B بين الشركات وB2G بين الشركات والجهات الحكومية.
حيث تقوم فكرة هذه اللقاءات على قيام شركة ما بعرض حل أو خدمة معينة، بينما تعرض جهة أخرى احتياجاتها أو مشاكلها، وهنا يتبادل من لديه مشكلة مع من لديه حل المعلومات والبيانات، وبعدها يمكن أن تبدأ مرحلة إعداد عروض فنية ومالية، أو توقيع مذكرة تفاهم، حتى الوصول لتوقيع عقود توريد وخدمات أو شراكات إنتاجية واستثمارية في حال استكمال الشروط المتفق عليها.
وتشمل مجالات التعاون المحتملة التوريد الصناعي، والتصنيع المشترك، ونقل التكنولوجيا، والحلول الرقمية، والطاقة، والمياه، والخدمات اللوجستية، وإعادة تأهيل المنشآت الإنتاجية.
لكن من المهم هنا ألا نخلط بين بداية الاتفاق ونهايته. فمثلاً هناك فرق بين مذكرة التفاهم التي قد لا تعني بالضرورة أن العقد أصبح جاهزًا للتنفيذ، وبين العقود الحكومية التي تحتاج إلى موافقات وإجراءات قانونية وفنية ومالية، ودراسات جدوى، والتأكد من التمويل والصلاحيات القانونية وقواعد الشراء العام. لذلك فإن نجاح جلسات الأعمال لن يقاس فقط بعدد الاجتماعات التي ستعقد خلال أيام المعرض، وإنما بما سيحدث بعدها.
ويؤكد الخبراء الاقتصاديون أن الشركات المشاركة يجب أن تدخل هذه اللقاءات بملفات واضحة حول مشاريعها ومنتجاتها من التكلفة والوقت وآلية التشغيل والنتائج التي يمكن قياسها. إذ إنه كلما كانت الإجابات واضحة، أصبح الانتقال من حديث عام عن التعاون إلى مشروع قابل للدراسة سهلاً أكثر.
والأهم من ذلك هو المتابعة، فبعد انتهاء المعرض يجب توثيق نتائج الاجتماعات وتحديد المسؤولين عن الملفات والمواعيد المطلوبة، ثم تبادل الوثائق وإعداد العروض ودراسة الجوانب الفنية والقانونية والاقتصادية.
وهذا ما جعل من طرح فكرة وجود لجنة أو وحدة متابعة تسجل الفرص التي بدأت خلال المعرض، وتصنفها، وتحدد الجهة المسؤولة عن كل ملف، وتتابع تطوره خطوة بخطوة أمراً حاضراً ضمن التحضيرات.
ماذا يمكن أن يترك المعرض خلفه؟
لا يمكننا قياس نتائج المعرض خلال الأيام التي يكون فيها نشطًا فقط. فصحيح أنه سيكون هناك نتيجة مباشرة مثل تحريك قطاعات النقل والفنادق والمطاعم والخدمات والتجهيز والإعلان والتجارة، سواء خلال فترة التحضير أو خلال أيام المعرض. لكن هذا ليس كل شيء.
فبعد أن نرصد الأثر المباشر بالقطاعات السابقة، يأتي دور الأثر المتوسط ليظهر من خلال تحول الاجتماعات إلى طلبات توريد وتصدير، وشراكات صناعية وتقنية، وفرص استثمارية جديدة، وعلاقات تجارية تستمر بعد انتهاء الفعالية.
أما الأثر الطويل، وهذا هو الأثر الأهم، يمكن أن يظهر مع إعادة ربط الشركات السورية بشبكات التجارة والإنتاج الإقليمية والدولية، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات السورية، وتعزيز الثقة بالسوق السورية، وتحويل المعرض إلى محطة سنوية تتابع خلالها الشركات والمستثمرون العلاقات التي بدأت في الدورات السابقة.
ويجب الإشارة هنا إلى فكرة مهمة، وهي إن المعرض لا يمكنه صنع تعافٍ اقتصادي كامل، وهذا بالأصل شيء غير منطقي، لكنه يستطيع أن يفتح الأبواب ويجمع الأشخاص الذين يحتاجون إلى بعضهم بعضاً. وبعد ذلك يأتي دور الشركات والجهات الحكومية والمستثمرين في تحويل الفرص إلى مشاريع.
وتظهر أهمية هذه النقطة عند النظر إلى أرقام الدورة السابقة. فقد استقطبت الدورة الـ62، التي أقيمت في مدينة المعارض الجديدة بين 28 آب و5 أيلول 2025، نحو مليونين و261 ألف زائر، بينما تجاوزت قيمة العقود والاتفاقيات المبرمة خلالها 935 مليار ليرة سورية.
لذلك تحمل الدورة الـ63 طموحات كبيرة وآمالاً أكبر بالخروج بنتائج مهمة من المعرض، خصوصاً وأن هناك مشاركات تقارب 1000 جهة من أكثر من 60 دولة.
وفي النهاية، سيكون هناك الكثير من التغطيات لفعاليات معرض دمشق الدولي، من حيث أعداد الزوار، والاتفاقيات المبرمة، والعقود الموقعة. لذلك التركيز في نهاية المعرض سيكون على الأرقام التي ستعكس مدى نجاح هذه الدورة، وهذا ما يجعل من إعطاء الأهمية الكبيرة للتحضيرات واجباً مشروعاً وضرورياً.
اقرأ أيضاً: كيف سيؤثر معرض ناس تكس على صناعة النسيج السوري؟









