أعمال واستثمار

معرض “أغريتكس 2026”.. فرص للقطاع الزراعي أم اختبار لقدرة السوق على التحول؟

بقلم: ريم ريّا

في قلب دمشق، يقام معرض أغريتكس 2026 مجدداً، جامعاً عشرات الشركات المتخصصة في القطاعين الزراعي والبيطري. يحمل المعرض رسالة رسمية تشدد على المشاركة والاستثمار وتطوير الإنتاج الزراعي. لكن ما مدى قدرة هذه الفعاليات على الانتقال من مجرد عروض اقتصادية إلى منصات إنتاج حقيقية تفتح آفاقاً جديدة أمام الشباب السوري، وتغير العلاقة بين المعرفة الزراعية والسوق، وبين العرض المحلي والاحتياجات الحقيقية لبلد يواجه تحديات اقتصادية ومعيشية معقدة.

معرض أغريتكس 2026.. كمنصة تسويقية أم بوابة إنتاج؟

يقدم أغريتكس مساحة تلتقي فيها الشركات والمزارعون والمستوردون. مع ذلك، يظهر تحليل معمق أن دور التسويق يبقى أكثر بروزاً من دور الإنتاج. فالمعارض، بطبيعتها، تولد نشاطاً اقتصادياً مؤقتاً، لكنها لا تضمن بالضرورة استدامة هذا النشاط أو تحويله إلى مشاريع طويلة الأجل في القطاع الزراعي نفسه.

بينما تعرض أحدث تقنيات البذور والأسمدة والري، يكمن التحدي الحقيقي في مدى إمكانية تطبيق هذه التقنيات عملياً من قبل المُزارع السوري في المَزارع والحقول، بدلاً من بقائها مجرد معروضات في قاعات العرض. وهذا يبرز الفجوة بين شعار “تطوير القطاع” والواقع، الذي لا يزال يواجه قيوداً تتعلق بالبنية التحتية وتكاليف الإنتاج وسلاسل التوريد.

اقرأ أيضاً: موسم استثنائي للشعير في الحسكة.. أرقام قياسية تنعش الزراعة والثروة الحيوانية

معرض 1

الشباب السوري في معرض أغريتكس 2026 بين الفرصة والإطار المحدود

يقدم المعرض كمنصة لفتح آفاق جديدة أمام الشباب العاملين في الزراعة والطب البيطري، سواء من خلال الشركات المشاركة أو المشاريع الاستثمارية المعلنة. ومع ذلك، فإن السؤال الأهم يتعلق بطبيعة هذه الفرص، هل هي فرص حقيقية لدخول السوق أم مجرد وظائف مؤقتة في دورة العرض والطلب الموسمية؟

الواقع أن مشاركة الشباب غالباً ما تقتصر على الجوانب الفنية أو الترويجية، دون أن تمتد إلى مستويات صنع القرار أو إنشاء مشاريع مستقلة وتنافسية. بين الطموح المعلن لدعم ريادة الأعمال الزراعية والتوافر الفعلي للتمويل والتدريب، تبرز فجوة واضحة، مما يجعل “الفرصة” مفهوماً بشكل نسبي بدلاً من كونها واقعاً ملموساً، لا سيما في ظل الميزانية المحدودة وغياب بيئة استثمارية مستقرة بما فيه الكفاية.

داخل قاعات معرض أغريتكس 2026، تباينت آراء المشاركين، رغم اتفاقهم على أهمية هذا الحدث كملتقى سنوي يربط المنتجين والموردين والمزارعين. إلا أن تفاصيل صغيرة في حوارات العارضين كشفت عن اختلافات واضحة بين من يرون في المعرض فرصة حقيقية للتوسع، ومن يرونه مجرد محطة مؤقتة.

وأشار ممثل إحدى شركات مستلزمات الإنتاج الزراعي إلى أن مشاركة هذا العام تميزت بمستوى المشاركة وتنوع الزوار. ويعتقد أن “السوق الزراعية في سوريا لا تزال نشطة رغم التحديات، ولكن لكي يصبح هذا النشاط استثماراً طويل الأجل، يحتاج إلى استقرار في العرض والأسعار”. وأضاف أن المعرض يتيح التواصل المباشر مع المزارعين، مما يقلل من عدد الوسطاء الذين تسببوا في ارتفاع التكاليف في السنوات السابقة. ومع ذلك، يبقى هذا التفاؤل مرهونًا بقدرة السوق على استيعاب التقنيات الحديثة فعلياً، وليس مجرد عرضها.

في المقابل، أبدى أحد المشاركين من شركة بيطرية رأياً أكثر حذراً، مصرحاً بأن “الطلب موجود، لكن القدرة الشرائية لا تزال العامل الحاسم في تحديد أرباح هذه المعارض”. وأشار إلى أن العديد من التقنيات المعروضة في المعرض تتطلب بيئة تشغيل مستقرة وبنية تحتية لوجستية داعمة؛ وإلا، فستقتصر على عروض نظرية أو على شريحة صغيرة من كبار المزارعين.

يرى بعض الزوار الشباب، وخاصة خريجي كليات الزراعة والطب البيطري، المعرض فرصة للتعلم أكثر من كونه مدخلاً حقيقياً لسوق العمل. وصف أحدهم التجربة بأنها “مفيدة من حيث المعلومات، لكن يصعب تحويلها إلى فرص عمل أو مشاريع مستقلة”، مشيراً إلى استمرار الفجوة بين المعرفة الأكاديمية وسوق العمل، وأن مثل هذه الفعاليات تحتاج إلى برامج تدريبية وتمويل موازيين لتصبح منصة انطلاق حقيقية.

من بين هذه الأصوات المختلفة، القاسم المشترك الوحيد هو الاعتراف بأن المعرض يخلق وضعاً تواصلياً ضرورياً، ولكنه وحده لا يحل معضلة القطاع الزراعي الذي لا يزال ممزقاً بين الطموح للإنتاج الحديث والقيود الاقتصادية التي تفرض نفسها على كل خطوة إلى الأمام.

معرض2

الشراكات بين القطاعين العام والخاص… بين الخطاب والتطبيق

تعتبر الشراكات بين القطاعين العام والخاص من أبرز المواضيع المطروحة في الخطاب الرسمي للمعرض، خاصةً فيما يتعلق بمشاريع مثل الشركة السورية القابضة للاستثمارات الزراعية.

من الناحية النظرية، تمثل هذه الشراكات خطوة نحو إعادة هيكلة القطاع الزراعي وربطه بالاستثمار والإنتاج الموجهين. مع ذلك، لا تزال التجربة العملية بحاجة إلى مزيد من التقييم من حيث التنفيذ والحوكمة والشفافية. لن يقاس نجاح هذه الشراكات بمجرد الإعلان عنها، بل بقدرتها على خلق دورة إنتاج حقيقية تبدأ بدعم المزارعين وتنتهي بتسويق منتج قادر على المنافسة محلياً ودولياً.

بين الطموح لجذب الاستثمارات والواقع الذي يفرض تحديات اقتصادية ولوجستية، يبقى السؤال مطروحاً على الطاولة، حول مدى إمكانية تحويل هذه النماذج من مشاريع مُعلنة إلى أدوات فعّالة لإعادة هيكلة القطاع الزراعي.

ختاماً، يصنف معرض أغريتكس 2026 على أنه حدث اقتصادي هام في المشهد الزراعي السوري، ولكنه يحمل تساؤلا أوسع نطاقاً من المعرض نفسه، جلها يتمحور حول، ما إذا كان بإمكان المعارض الاقتصادية  في سوريا أن تصبح محركات حقيقية للتنمية، أم أنها ستبقى مجرد منصات تعكس المُثُل بدلاً من أن تجسد التنمية والاستدامة؟

في الحقيقة، برزت فجوة حقيقية بين ما يُعرض في الأجنحة وما يحدث خارجها في الحقول والأسواق، بين النظرية والتطبيق، بين شعارات التنمية وواقع الإنتاج. في هذه الفجوة تحديداً سيتحدد مستقبل القطاع الزراعي وقدرة الشباب على المشاركة في معادلة تتجاوز مجرد المشاهدة وتتجه نحو العمل والتغيير.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى