سياسة

معبر سيمالكا وعائدات الدولة: هل تبدأ إعادة ترتيب الاقتصاد الحدودي في الشرق السوري؟

الكاتب: أحمد علي

لا تقف الحدود عند الخط المرسوم على الخريطة. في الشرق السوري، تتحول الحدود أحياناً إلى سوق، وإلى مورد مالي، وإلى اختبار سياسي في آن واحد. معبر سيمالكا، الواصل بين منطقة المالكية في محافظة الحسكة وإقليم كردستان العراق، عاد إلى الواجهة من هذه الزاوية تحديداً. ليس لأنه معبر جديد، بل لأنه بدأ يدخل في صيغة إدارية ومالية مختلفة، تحمل معها سؤالاً أكبر من حركة الشاحنات والمسافرين.

السؤال هنا ليس من يفتح البوابة ومن يغلقها فقط. السؤال من يدير الإيراد، ومن يضع التعرفة، ومن يتحمل أثرها على الأسعار، وكيف يمكن للدولة أن تعود إلى حدودها من دون أن يتحول ذلك إلى عبء إضافي على الناس. فالحدود، حين تكون منظمة، يمكن أن تكون مدخلاً لترتيب الاقتصاد العام. وحين تدار بارتباك، قد تصبح باباً جديداً للاحتقان.

معبر سيمالكا يدخل اليوم في هذه المنطقة الحساسة. الخبر الرسمي يتحدث عن توحيد الإجراءات، وتشغيل برامج جمركية موحدة، وربط المنفذ بمنظومة الهيئة العامة للمنافذ والجمارك. أما السوق فيسأل عن الكلفة. وبين اللغة الإدارية ولغة التجار والناس، تظهر المسافة التي ستحدد إن كانت الخطوة بداية ترتيب فعلي للاقتصاد الحدودي، أم مجرد نقل للجباية من يد إلى أخرى.

معبر سيمالكا ودخول الدولة إلى اقتصاد الحدود

أعلنت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، في 15 نيسان 2026، إدخال منفذ سيمالكا الحدودي مع إقليم كردستان العراق ضمن منظومة عملها. ووفق البيانات الرسمية، جاء القرار ضمن استكمال توحيد الإجراءات التشغيلية والإدارية في المنافذ السورية، مع تشغيل برنامجي الجمارك وعبور المسافرين الموحدين، بما يسمح بتوحيد البيانات وتسهيل الحركة ورفع مستوى التنسيق بين الجهات العاملة في المعابر.

هذه الصياغة تبدو فنية للوهلة الأولى. لكنها في الواقع تعني انتقالاً في موقع المعبر. فسيمالكا لم يكن مجرد منفذ طرفي، بل كان طوال سنوات شرياناً تجارياً وإنسانياً لمناطق واسعة في شمال شرق سوريا. عبره دخلت بضائع غذائية واستهلاكية، وعبره تنقل مسافرون ومرضى وطلاب وأصحاب إقامات، وعبره تشكلت شبكة مصالح محلية ارتبطت بأسواق القامشلي والحسكة والمالكية والدرباسية، كما ارتبطت بإقليم كردستان العراق.

إدخال المعبر في المنظومة المركزية لا يغيّر اللوحة الإدارية وحدها. هو يضع جزءاً من اقتصاد المنطقة داخل حسابات الخزينة العامة، ويعيد فتح ملف العلاقة بين الدولة ومناطق الشمال الشرقي بعد سنوات من الإدارة المنفصلة عملياً. ومن هنا تأتي حساسية الخطوة. فالحدود ليست باباً للعبور فحسب، بل مكان تتقاطع فيه السياسة مع الخبز، والرسوم مع الأسعار، والسيطرة الإدارية مع حياة الناس اليومية.

الخطوة لا تبدو معزولة عن المسار السياسي الأوسع. ففي 10 آذار 2025، أُعلن الاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، ونص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة، بما في ذلك المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز. بهذا المعنى، يصبح معبر سيمالكا واحداً من مفاتيح ذلك الاتفاق، لا تفصيلاً جمركياً على الهامش. فالمعابر والنفط والمطار ليست ملفات منفصلة. كلها تتصل بسؤال واحد، كيف تعود الموارد إلى الإطار العام، وبأي شروط؟

لهذا جاءت الزيارات الحكومية إلى المعبر محمّلة بدلالة سياسية. ففي آذار، زار وفد من الهيئة العامة للمنافذ والجمارك المنفذ لتقييم آلية العمل، ثم أجرى وفد حكومي في 20 نيسان جولة تفقدية ضمت رئيس الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية قتيبة بدوي، والمبعوث الرئاسي العميد زياد العايش، وقائد الأمن الداخلي في الحسكة العميد مروان العلي. حضور هذه الأسماء يقول إن الدولة لا تراقب المعبر من بعيد. هي تحاول إدخاله في شبكة قرارها المباشر.

لكن الدخول إلى المعبر لا يعني أن المشكلة انتهت. قد يكون العكس صحيحاً. فالبداية الحقيقية تبدأ بعد القرار، عندما يواجه النظام الجديد تفاصيل البضائع، وساعات العمل، وحركة المسافرين، وشكاوى التجار، وسعر المادة على الرف.

العائدات الجمركية وسؤال الكلفة

تحتاج الدولة السورية إلى المال العام. هذه حقيقة لا تحتاج إلى خطاب. وثيقة موازنة المواطن لعام 2026 تقدر الإيرادات العامة بنحو 8.716 مليارات دولار، مقابل نفقات تبلغ 10.516 مليارات دولار. أي أن الفجوة تقارب 1.8 مليار دولار. داخل هذه الصورة، تظهر الرسوم الجمركية كرقم كبير، إذ تقدر بنحو 1.900 مليار دولار، أي ما يقارب 21.8 في المئة من إجمالي الإيرادات العامة. وتقدر الضرائب والرسوم بنحو 2.500 مليار دولار، وإيرادات النفط والغاز بنحو 1.882 مليار دولار، وعوائد استثمارات الدولة بنحو 2.434 مليار دولار.

الأرقام تشرح لماذا تهتم الدولة بالمعابر. من دون ضبط الحدود، يصعب ضبط الإيرادات. ومن دون إيرادات واضحة، تبقى الموازنة معلقة بين الحاجة والوعود. لذلك يبدو توحيد التعرفة الجمركية، من زاوية الخزينة، خطوة مفهومة. المعبر الذي يعمل خارج النظام العام يترك فراغاً مالياً وإدارياً. لكن السوق لا يفكر بمنطق الموازنة وحده. السوق يسأل عن الكلفة، وعن قدرة المستهلك على الدفع، وعن الفرق بين الرسوم على الورق والسعر في السوق.

قبل إدخال سيمالكا رسمياً ضمن منظومة الهيئة، نفت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك وجود زيادة على الرسوم المفروضة على البضائع. وقال مدير العلاقات العامة فيها مازن علوش إن ما يُتداول غير دقيق، وإن العمل يجري على إدماج المنفذ تمهيداً لتطبيق التعرفة الموحدة المعتمدة في جميع المعابر السورية. هذه رواية الجهة الرسمية. وهي تربط المسألة بالتوحيد لا بالزيادة.

في المقابل، نقلت وسائل إعلام محلية وتقارير صادرة من المنطقة شكاوى لتجار ومخلّصين جمركيين عن ارتفاعات كبيرة في رسوم بعض السلع. ووردت أمثلة محددة، بينها ارتفاع رسم طن الأرز من نحو 13 دولاراً إلى 27 دولاراً، والزيت النباتي من 20 دولاراً إلى نحو 250 دولاراً، والطحين من 11 دولاراً إلى 53 دولاراً، والسكر من 13 دولاراً إلى 53 دولاراً. هذه الأرقام ليست جدولاً رسمياً منشوراً عن التعرفة في المعبر، لذلك يجب التعامل معها بحذر. لكنها في الوقت نفسه ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه، لأنها تعكس شعوراً واسعاً بأن كلفة الاستيراد قد تغيرت بسرعة.

هنا تقع العقدة. الدولة تقول إنها توحد. التجار يقولون إن الكلفة ترتفع. والناس لا يقرأون البيانين، بل يدفعون السعر النهائي. إذا ارتفع سعر الطحين أو السكر أو الزيت، فالسؤال لن يبقى فنياً. سيصبح سؤال معيشة. وفي منطقة تعتمد على تدفق السلع من المعبر، يمكن لأي تغير مفاجئ في الرسوم أو إجراءات التخليص أن يظهر سريعاً في الأسواق.

المرسوم رقم 109 لعام 2026، المتعلق بقانون الجمارك الجديد، أتى بديلاً عن قانون الجمارك وشرطة الجمارك لعام 2006 وتعديلاتهما. هذه خطوة تنظيمية كبيرة، وتكشف رغبة واضحة في إعادة بناء الإطار القانوني للجمارك. لكن القانون لا يعمل وحده. يحتاج إلى نشر تعرفة واضحة، وإجراءات قابلة للفهم، وفترة انتقالية، وتمييز بين السلع الأساسية والسلع الأقل حساسية. فالرسوم التي تزيد الإيراد على المدى القصير قد تفقد معناها إذا أضعفت الحركة التجارية، أو دفعت إلى التهريب، أو جعلت المستهلك هو الممول الوحيد لإعادة التنظيم. فالمعبر ليس صندوق مال. المعبر حركة. وإذا ضاقت الحركة، ضاق معها المورد نفسه.

ترتيب المعبر أم ترتيب الثقة؟

لا يمكن فصل الاقتصاد الحدودي عن الثقة. هذه النقطة تظهر في التفاصيل الصغيرة. بحسب تقارير محلية وكردية، أُلغيت رسوم كانت تُفرض على بعض فئات المسافرين عبر سيمالكا، منها 20 دولاراً للسوريين من حاملي الإقامات الأوروبية، و20 ألف ليرة سورية لحاملي إقامات إقليم كردستان عند الدخول. هذه خطوة تخفف عبئاً مباشراً على المسافرين، لكنها لا تكفي وحدها لطمأنة السوق. فالمسافر يرى الرسم عند البوابة، أما المستهلك فيرى أثر الجمارك لاحقاً في سعر المادة.

هناك أيضاً جانب تشغيلي لا يقل أهمية. أشارت البيانات الرسمية إلى خروج الجسر العائم الواصل بين الحدود السورية وحدود الإقليم عن الخدمة بسبب فيضان نهر دجلة، واستخدام منفذ السويدية، الوليد، بديلاً مؤقتاً ريثما تعود الجاهزية الكاملة. كما حُدد دوام المسافرين من الثامنة والنصف صباحاً حتى الثالثة ظهراً، فيما يستمر عمل الجمارك حتى السابعة مساء. هذه التفاصيل لا تبدو سياسية، لكنها تؤثر في سلاسة الحركة، وفي كلفة الانتظار، وفي قدرة التجار على تنظيم الشحن والتفريغ.

في منطقة مثل شمال شرق سوريا، يصبح المعبر جزءاً من بنية الحياة اليومية. ليس كل ما يمر عبره بضائع كبيرة أو صفقات تجارية واسعة. هناك طرود صغيرة، ومواد منزلية، واحتياجات عائلية، وحركة علاج وتعليم وإقامات. لذلك فإن تحويل المعبر إلى نظام رسمي موحد يحتاج إلى حساسية اجتماعية، لا إلى قرار إداري فقط.

لا يعني ذلك أن بقاء كل معبر وفق قواعده الخاصة هو الحل. اقتصاد الحدود المبعثر يضعف الدولة، ويفتح الباب أمام شبكات وسيطة، ويجعل الإيرادات العامة أقل وضوحاً. لكن توحيد الجباية لا يساوي وحده توحيد الدولة. الدولة لا تعود إلى حدودها فقط حين تفرض رسوماً موحدة. تعود حين تقنع الناس بأن ما تدفعه الأسواق سيعود بشكل خدمات، وأمن، وطرق، ومدارس، ومؤسسات تعمل بلا ابتزاز.

من هنا يمكن النظر إلى معبر سيمالكا كاختبار مبكر. إن نجحت الإدارة الجديدة في نشر الأرقام، وتفسير التعرفة، ومراقبة الوسطاء، وتخفيف الأثر على السلع الأساسية، فقد يتحول المعبر إلى نموذج لترتيب الاقتصاد الحدودي في الشرق السوري. أما إذا بقي القرار غامضاً، وارتفعت الكلفة بلا شرح، وتراجع الاستيراد، فسيتحول الملف إلى مصدر توتر إضافي بين المركز والمنطقة.

المسألة ليست معبر سيمالكا وحده. المسألة أن الدولة التي تريد إعادة تنظيم مواردها تحتاج إلى طريقة تقنع الناس قبل أن تجبي منهم. فالتنظيم الذي لا يرى أثره المواطن يتحول في نظره إلى عبء. والتنظيم الذي يربط الإيراد بالخدمة يمكن أن يكون بداية مختلفة.

الخلاصة أن إدخال سيمالكا ضمن منظومة الهيئة العامة للمنافذ والجمارك يمثل خطوة واضحة باتجاه إعادة ترتيب الاقتصاد الحدودي. لكنه ليس ضمانة بحد ذاته. الضمانة ستكون في الشفافية، وفي ضبط الكلفة، وفي منع انتقال العبء مباشرة إلى السلع الأساسية، وفي تحويل العائدات إلى مورد عام مرئي لا إلى رقم مغلق في دفاتر الخزينة. عندها فقط يمكن القول إن الدولة بدأت تستعيد حدودها بوصفها مسؤولية، لا بوصفها باباً إضافياً للجباية.

أما قبل ذلك، فالمعبر سيبقى بين احتمالين. احتمال أن يصبح مدخلاً لتنظيم ضروري طال انتظاره، واحتمال أن يتحول إلى نقطة احتكاك جديدة في شرق سوري يحتاج إلى الثقة بقدر ما يحتاج إلى القرار.

اقرأ أيضاً: معبر العيد بلا رسوم.. قرار طيب بإعفاء سيارات السوريين من رسوم الدخول

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى