معايير اختيار الشركاء في شركات المحاماة: الطبيعة والأنواع وحدود العلاقة

د. بشر ياقتي – معايير اختيار الشركاء في شركات المحاماة: الطبيعة، الأنواع، وحدود العلاقة
حين يُطرح موضوع شراكة الأشخاص في شركات المحاماة، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو تقاسم الملكية أو توزيع الأرباح، بينما الحقيقة أن الشراكة في هذا النوع من الكيانات أعمق من ذلك؛ إذ هي ليست مجرد ارتباط مالي بل التزام مهني وتشغيلي يقوم على تقاطع المصالح وتكامل الأدوار وتحمل المسؤولية، ولذلك فإن الخلل في اختيار الشريك لا يظهر فوراً؛ بل يتراكم بصمت حتى يصل إلى نقطة يصعب معها الإصلاح، وهنا يتضح أن المشكلة لم تكن في العمل ذاته، بل في من يشاركك إدارته وتوجيهه.
وحتى تتضح ملامح هذا الموضوع، فلا بد من التوقف عند أكثر من محور، ضمن هذه السلسلة الحصرية “لسوريا اليوم24” عن شركة المحاماة وما يتصل بها.
أولاً: ما معنى الشراكة فعلياً؟
الشراكة في شركات المحاماة ليست صفة شكلية ولا مكافأة مهنية، بل هي موقع مسؤولية يتضمن المشاركة في القرار وتحمل تبعاته، والمشكلة أن بعض الشراكات تُبنى على المجاملة أو الثقة الشخصية دون تحديد واضح للدور والالتزام، مما يؤدي إلى تضارب في التوقعات، حيث يرى لاحقاً كل طرف الشراكة من زاويته الخاصة؛ بينما الحل يبدأ من فهم أن الشراكة هي «اتفاق على إدارة كيان» قبل أن تكون «تقاسم عوائد أو عملاء»، وغالباً لا تفشل الشراكات بسبب ضعف الكفاءة القانونية بل بسبب غياب الوضوح، فاختلاف التوقعات وخلط الأدوار وغياب معايير القرار؛ كلها عوامل تؤدي إلى احتكاك مستمر، ومع الوقت يتحول هذا الاحتكاك إلى نزاع صامت أو ظاهر، خصوصاً عند الضغط أو التوسع مما يكشف أن العلاقة لم تُبنَ على أساس منظم وواضح منذ البداية.
ثانياً: أنواع الشركاء:
تتعدد أنماط الشركاء داخل الكيان القانوني، فعلى الصعيد الإداري هناك الشريك المؤسس الذي يحمل الرؤية، والشريك التشغيلي الذي يدير العمل اليومي، وشريك تطوير الأعمال الذي يجلب الفرص، والشريك الفني ذو المرجعية في القضايا، وقد يوجد شريك ممول إلخ .. لكن المشكلة لا تكمن في الهيكلية هنا بل في عدم وضوح نقطة القوة في كل منهم ومدى التكامل الذي يبحثون عنه.
وهناك بعض الأنماط السلبية على الصعيد الشخصي والتي من الوعي عدم الدخول معها ابتداء في هذه الشراكات كونها من أكثر أسباب فشل الشراكات ومنهم:
- الشريك النرجسي ويسمى «الزائر الرسمي»؛ وهو يحمل صفة الشريك كاملة، لكنه لا يظهر إلا عند توزيع الأرباح، كذلك لا دور واضح له وحضوره رمزي ولكن تجده نشيطاً في المناسبات أما في العمل الحقيقي فلا.
- الشريك «الفيلسوف» الفاهم بكل حاجة الخبير بكل شيء تنظيراً إلا عند المواقف الفعلية والحقيقية.
- أيضاً شريك «الطوارئ الدائمة» الذي لا يعمل إلا عند الأزمات وكأن النظام لا يعنيه بل ينتظر الفوضى ليظهر.
- وهناك الشريك الشوفوني ذو نظرة «أنا المؤسسة» وهو يرى أن الكيان امتداد له لا جزء منه وأي نظام يبدو له قيداً.
- ومن أخطر الأنماط؛ الشريك «الشكاك» وهو الذي يتعامل مع الشراكة بعقلية التحوط المفرط، فلا يثق بسهولة ولا يطمئن للقرارات، ويُخضع كل تفصيلة للنقاش والتحليل، ليس بدافع الحرص بل بدافع القلق أو الخوف من الخسارة أو الاستغلال، مما يُبطئ اتخاذ القرار ويُدخل الكيان في حالة من التردد المستمر، وبسببه تتحول كل خطوة إلى نقاش، وكل قرار إلى مراجعة، مما يفقد العمل مرونته ويعطل فرصاً كان يمكن استثمارها في الوقت المناسب. كما أن هذا الشريك يخلق بيئة مشحونة بعدم الثقة فيبدأ الآخرون بالتعامل بحذر، ويتراجع مستوى الانفتاح، ومع الوقت تتحول الشراكة إلى علاقة دفاعية لا تعاونية وهو ما يستنزف الجهد ويُضعف الانسجام الداخلي.
- أيضاً الشريك «الفرداني» وهو المحامي الذي لم يسبق له الدخول في شراكات، فينقل إلى الكيان عقلية العمل الفردي حتى وهو يحمل صفة الشريك، ويجد صعوبة في مشاركة القرار أو تقبل الاختلاف أو الالتزام برأي جماعي، لأنه لم يعتد على التنازل المهني أو توزيع المسؤولية، ومع الوقت، قد يشعر هذا الشريك أن الشراكة تقيّده، بينما يرى الآخرون أنه يخرج عن الإطار، فتبدأ الفجوة في الاتساع تدريجياً.
إن مثل هذه النماذج وغيرها وإن لم تُفشل الشراكة فوراً، لكنها تستنزفها تدريجياً حتى تضعف من الداخل.
لذا فإن اختيار الشريك لا يجب أن يُبنى على الكفاءة القانونية فقط، بل على التوافق الفكري، والتنبؤ بالسلوك ووضوح الرؤية والقدرة على الالتزام وتحمل الضغط والنزاهة المهنية، ويحبذ أن يوجد تتبع مهني وشخصي لسيرة الشريك، لأن كثيراً من الشراكات حقيقة تبدأ بالإعجاب المهني وتنتهي بخلاف إداري أو شخصي كون معيار الاختيار لم يكن شاملاً وفاحصاً.
ثالثاً: طبيعة العلاقة بين الشركاء.
العلاقة بين الشركاء ليست علاقة صداقة وإن كانت قد تبدأ كذلك؛ بل هي علاقة تعاقدية منظمة يجب أن تُبنى على وضوح الحقوق والواجبات، لأن الاعتماد على النوايا الحسنة فقط قد ينجح في البدايات، لكنه لا يصمد أمام تعقيدات العمل، وإذاً لابد من دور رئيسي يقوم به الشريك فضلاً عن الدور الثانوي المتوقع منه فضلاً عن حدود الصلاحيات ومدى التداخل في دوائر الآخرين إذا اقتضت المصلحة ذلك؛ الأمر الذي يؤدي بطبيعته إلى وضوح المسؤوليات وفهم الأدوار ومن ثم نمو العقلية المؤسسية، وهو ما ينعكس مباشرة على الأداء، فالإنتاجية وهكذا ..
إن أحد أكبر أسباب الخلاف هو غياب وضوح من يقرر ومن ينفذ ومن يراجع، فبدون هذا التحديد تتحول الشراكة إلى مساحة مفتوحة للتدخل والتضارب، بينما الحل هو توزيع الأدوار بشكل صريح مع تحديد صلاحيات كل طرف.
رابعاً: التخارج من الشراكة.
وهو الجانب الذي يُغفل كثيراً، رغم أنه من أهم عناصر الاستقرار، إذ لا بد من تصور واضح لكيفية الانفصال في حال فشل الشراكة، لأن غياب هذا التصور يجعل أي خلاف قابلاً للتصعيد، وقد يهدد الكيان بالكامل.
في المحصلة، فإن الشراكة في شركات المحاماة ليست قراراً بسيطاً، بل هي من أخطر القرارات التي تؤثر على استقرار الكيان واستمراره، وكلما كان الاختيار مبنياً على وضوح ومعايير دقيقة، كلما تحولت الشراكة إلى عنصر قوة، أما إذا بُنيت على العفوية أو المجاملة، فإنها تتحول مع الوقت إلى عبء يصعب التخلص منه.
موفقين.
للملاحظات والمقترحات
bisher.sa@gmail.com
د. بشر:
دكتوراه في القانون والأنظمة… يهدف الدكتور بشر من خلال هذه المساهمات إلى تقديم قراءات تحليلية معمقة في الشأن القانوني والاستشاري، بما يخدم شريحة المحامين والمستشارين والمهتمين.
اقرأ أيضاً: إدارة شركات المحاماة: قبل أن تكبر









