أعمال واستثمار

معامل الألمنيوم تستعيد نشاطها… صناعة واعدة تحتاج إلى بيئة داعمة

بقلم هلا يوسف

تسعى الحكومة إلى استعادة الاقتصاد لازدهاره عبر دعم عودة العديد من الصناعات الثقيلة والهامة إلى الأسواق السورية. ومن بين هذه الصناعات الألمنيوم الذي تنفس العاملون فيه الصعداء بعد التحرير، ليعود بكامل قوته للعمل وسط تزايد الطلب عليه نتيجة عمليات إعادة الإعمار الجزئي التي تشهدها بعض المناطق. لكن على الرغم من هذا الانتعاش، يواجه القطاع تحديات عدة تقف عائقاً أمام قدرته على المنافسة محلياً وخارجياً، مما دفع الصناعيين إلى البحث عن حلول عملية لتعزيز تنافسية المنتج الوطني وإعادة دوره الحيوي في دعم الاقتصاد.

وقد أكد عدد من الصناعيين في دمشق وريفها أن معالجة هذه التحديات تتطلب خطوات عملية تشمل خفض تكاليف الطاقة، وتسهيل استيراد المواد الأولية، وفرض رسوم حماية على المنتجات المستوردة، وتحسين البيئة التشريعية بما يضمن حقوق الصناعيين ويجذب الاستثمارات.

التحديات التي تواجه صناعة الألمنيوم

تعد أسعار الطاقة الحالية من أكبر التحديات التي تواجه صناعة الألمنيوم اليوم. فعلى الرغم من أن تحرير البلاد ساعد بشكل كبير في تأمين مصادر الطاقة اللازمة لتشغيل خطوط الإنتاج، إلا أن الأسعار الحالية ما زالت تشكل عبئاً كبيراً على الصناعة المحلية مقارنة بالدول المجاورة، ما منح المنتجات المستوردة ميزة تنافسية على حساب المنتج الوطني. وأكد مؤيد الصالح رئيس قسم الإنتاج في أحد معامل الألمنيوم على ضرورة إجراء دراسة شاملة لتخفيض تكاليف الطاقة، بما يدعم الصناعيين ويعزز قدرة المنتج المحلي على المنافسة.

كما يمكن لتشجيع صناعة الألمنيوم المحلية وفرض رسوم جمركية على المنتجات المستوردة أن تعزز الإنتاج الوطني وتدعم الاقتصاد، وتمكن الصناعة من المنافسة محلياً ودولياً وتلبية احتياجات السوق.

ومن ناحية أخرى، تساهم التسهيلات الكبيرة الخاصة باستيراد المواد الأولية غير المنتجة محلياً، وخفض الرسوم الجمركية على المنتج المحلي في تقليل كلفة الإنتاج وجعل المنتج قادراً على المنافسة مع المواد المستوردة، بالإضافة إلى توفير أسعار ملائمة للمستهلك.

بينما يعد تحديث البيئة التشريعية أساساً لاستقرار العمل الصناعي، وضمان حقوق الصناعيين، وفي نفس الوقت يساهم بتسهيل التعاملات المالية والتجارية، وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، بما يؤثر مباشرة على زيادة الإنتاجية وتحسين جودة المنتجات الوطنية.

ويواجه الصناعيون مشكلات في القيود التي تفرضها بعض الدول على استيراد المواد الأولية اللازمة للصيانة وتشغيل خطوط الإنتاج، بالإضافة إلى صعوبات فتح الاعتمادات المصرفية، وفي حال رفع هذه القيود ستتمكن المعامل من العمل بكامل طاقتها، والتالي التقليل من انقطاع خطوط الإنتاج، بما يضمن استقرار جميع مراحل التصنيع.

من جهته، قال حسان دعبول رئيس القطاع الهندسي في غرفة صناعة دمشق وريفها، إن القطاع يمتلك نقاط قوة كبيرة تتمثل في عدد المصانع وجودة منتجاتها مقارنة بالدول المجاورة، بينما تتمثل نقاط الضعف في ارتفاع أسعار الطاقة وترهل خطوط الإنتاج، ما يزيد الأعباء على المعامل ويحد من قدرتها على المنافسة. وأشار إلى دخول منتجات منافسة من دول مختلفة بأسعار منخفضة يقل من قدرة المصانع الوطنية على المنافسة، كما أن بعض المستثمرين الأجانب يزودون مشاريعهم بكل المستلزمات من الخارج، ما يقلل استفادة الاقتصاد الوطني ويضعف دور الصناعة المحلية في إعادة الإعمار وتنمية السوق المحلية.

وأكد دعبول على أهمية فرض رسم حماية على دخول المنتجات التي لها مثيل محلي يعادل فرق كلفة الطاقة، وإلزام المشاريع المحلية بالاعتماد على المنتج الوطني بنسبة 70% لضمان تشغيل الصناعات المحلية، وتحسين مصادر الطاقة المختلفة لتلبية احتياجات المعامل، إلى جانب تشديد الرقابة على المواصفات والمقاييس للمنتجات المستوردة ومنع دخول المنتجات دون المواصفات، وتأسيس صناديق استثمارية لدعم الشركات في تحديث خطوط الإنتاج بحلول مالية مبتكرة.

دور صناعة الألمنيوم في دعم المشاريع المحلية

تعتبر منتجات الألمنيوم عنصراً أساسياً في المشاريع السكنية والصناعية والهندسية، بسبب تميزها بخفة الوزن، ومتانة التحمل، والتكلفة المناسبة، بالإضافة إلى تنوع استخدامها في الإكساء والتشييد والبنى التحتية الحديثة.

وتعد مدينة عدرا الصناعية بريف دمشق من أبرز المراكز الصناعية التي تضم معامل الألمنيوم، حيث تسهم هذه الصناعة في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز جهود إعادة الإعمار في المناطق المتضررة. وتتراوح الطاقة الإنتاجية في معامل المدينة بين 250 و500 طن شهرياً.

بعد التحرير توسع الطلب على منتجات الألمنيوم، مما دفع المصانع للعمل على ثلاث ورديات يومياً لتلبية الطلب في السوق المحلية، بما يشمل مختلف المحافظات، بما فيها المناطق المتضررة خلال سنوات النزاع، وفق ما أكده المهندس مؤيد الصالح، رئيس قسم الإنتاج في أحد معامل المدينة الصناعية. وأشار إلى أن سوق صناعة الألمنيوم يمتلك آفاقاً واعدة، بما يتيح إمكانية التوسع في الأسواق الخارجية، ولا سيما الأوروبية، بعد توافر المواد الأولية الحديثة بعد إزالة العقوبات، مما ساهم في زيادة سرعة الإنتاج وتقليل الهدر وتلبية الطلب المحلي.

وأوضح وجدي العودة المدير التجاري، أن معامل المدينة تعتمد على تجهيزات أوروبية حديثة تضمن إنتاجاً عالي الجودة وبتكاليف منافسة، وفق معايير صارمة لجميع مراحل الإنتاج. كما أكد أن المرحلة السابقة عانت من صعوبات في تأمين المواد الأولية وقطع التبديل بسبب العقوبات، أما مرحلة ما بعد التحرير فقد شهدت تحسناً ملحوظاً في تأمين هذه المواد.

كما أن ازدياد الطلب على منتجات الألمنيوم مع تسهيلات أكبر للعمل، مما عزز ثقة المستثمرين والمواطنين، ودفع نحو البناء والإكساء بعد فترة من التردد والصعوبات، وهو ما يعكس أهمية صناعة الألمنيوم في دعم الاقتصاد المحلي وتحفيز النشاط العمراني.

وأوضح أصحاب محال تجارة وتصنيع الألمنيوم في دمشق أن قطاع الأبواب والنوافذ يستحوذ على نحو 50% من الطلب، في حين يشكل ألمنيوم المطابخ والخزائن نحو 30%، وألمنيوم الشتر المخصص للمحال التجارية والمستودعات نحو 10%، إلى جانب منتجات أخرى متنوعة.

مراحل إنتاج الألمنيوم وجودة المنتج

تبدأ صناعة الألمنيوم بتأمين المادة الأولية سواء كانت مستوردة أو محلية، ثم تسخن وفق درجات حرارة دقيقة بالتوازي مع تجهيز القوالب الهندسية، قبل أن يتم سحبها عبر مكابس خاصة. بعد ذلك تمر المقاطع بمراحل التبريد والشد والمعالجة لضمان دقة الأبعاد وجودة المنتج، ثم تنتقل إلى مرحلة التلوين بالأكسدة الكهربائية بعد الصقل والتنظيف لتكتسب طبقة حماية متينة وألوان متنوعة. وتختتم العملية بفحص دقيق من قسم الجودة لضمان مطابقة المنتجات للمواصفات وتعزيز الثقة بالصناعة الوطنية.

كل قطعة ألمنيوم (بروفيل) يتم توثيقها بتاريخ الإنتاج والمسؤول عنها لضمان تتبع المنتج حتى وصوله للمستهلك، ويغلف البروفيل لاحقاً بلاصق حماية يحمل شعار الشركة وطبقة من النايلون قبل نقله إلى المستودعات والشحن للعملاء.

وأعلنت إدارة مدينة عدرا الصناعية في تشرين الثاني الماضي عن وجود نحو 1003 منشآت منتجة في مختلف القطاعات الغذائية والنسيجية والكيميائية والهندسية، بينما بلغ عدد المعامل قيد البناء 2437، وتم إصدار 3957 رخصة صناعية، مع إجمالي استثمارات وصل إلى 1476 مليار ليرة سورية.

في النهاية، التعويل يبقى على الإجراءات الحكومية القادمة في زيادة دعم صناعة الألمنيوم، ومساعدة أصحاب المعامل على تجاوز التحديات، وعودة المنافسة إلى السوق السورية يعني عودة عجلة الإنتاج للدوران، وهذا ما يساعد في التنمية الصناعية والاقتصادية.

اقرأ أيضاً: ماذا تبقّى من الصناعة في حلب اليوم؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى