مطار خاص فوق ذاكرة المعتقلين.. المزة يختبر حدود الاستثمار السوري الجديد

عادةً، وعندما تهبط طائرة رجل أعمال على أرض ما لا تسأل ركابها عمّا جرى تحتها، لكن مطار المزة مختلف، فالمدرج الذي تريد دمشق فتحه للطيران الخاص يقود إلى ذاكرة معتقلين لم يعودوا، وإلى عائلات ما زالت تنتظر اسماً أو رفاتاً أو خبراً يضع حداً للغياب.
أعلنت هيئة الطيران المدني إعداد خطط لإعادة تصنيف المطار العسكري للاستخدام المدني المحدود والمتخصص، مع بدء إزالة الركام وبعض أعمال البنية الملاحية. للمشروع منطق اقتصادي مفهوم، فهو قريب من العاصمة وقد يخفف الضغط عن مطار دمشق الدولي. غير أن قيمته لن تُقاس بعدد الطائرات وحده، بل بالطريقة التي ستتعامل بها الدولة مع ما يختبئ في ذاكرة المكان ودفاتر عقاراته.
استثمار يبدأ فوق سؤال مفتوح
تعود الفكرة إلى رؤية عرضتها هيئة الطيران في تموز 2025، وفيها يتحول المزة إلى مركز للطيران الخاص ورجال الأعمال تحيط به خدمات فندقية وتجارية وتدريبية وصيانة. يمكن لمثل هذا المرفق أن يخدم المستثمر الذي يحتاج إلى رحلة مباشرة وسريعة، وأن يخلق وظائف ويسترد أصلاً عاماً ظل مغلقاً أو مستخدماً عسكرياً.
لكن اسم المطور، وحجم الاستثمار، وشروط الانتفاع، والكلفة العامة لم تُعلن حتى الآن. كما أن الهيئة تحدثت عن دراسات فنية وبيئية وقانونية ومجتمعية من دون نشر نطاقها أو جدولها. المشروع ما زال إذاً وعداً وخطوات أولية، لا صفقة مكتملة يمكن حساب عائدها.
أرض قد تحمل دليلاً
وثائق للمخابرات الجوية حصل عليها المركز السوري للعدالة والمساءلة، وراجعتها رويترز، تشير إلى اعتماد المطار سنة 2012 موقعاً لتنفيذ أحكام إعدام صادرة عن المحاكم الميدانية. وحدد تحقيق للمركز موقعين يشتبه في أنهما مقبرتان داخل المطار، وربطهما بموت أكثر من 1150 معتقلاً بالإعدام أو التعذيب أو سوء المعاملة.
لا أستطيع الجزم بوجود رفات في الموقعين قبل فحص جنائي مستقل. وصفهما الصحيح هو مقبرتان مشتبه بهما، لا حقيقة محسومة. إلا أن الشبهة الموثقة وإحداثيات الموقعين تكفيان لوقف أي حفر قد يفسد الدليل. وقد قال المركز إنه أرسل تحذيراً جديداً إلى الهيئة الوطنية للمفقودين في 8 أيلول بعد ظهور أعمال التطوير، ولم يكن قد تلقى جواباً عند نشر تحقيق رويترز.
ملكية لم يغلقها الزمن
يمتد النزاع إلى سطح الأرض أيضاً. سجلات بلدية المعضمية التي نُقلت إلى رويترز تفيد بأن منشآت المطار تقوم على نحو 2.76 كيلومتر مربع من أملاك مئات المواطنين. ويقول مسؤول بلدي سابق إن مراسيم لاحقة شرعنت الاستملاك بأثر رجعي من دون دفع التعويض. هذه رواية تحتاج إلى تدقيق ملف كل عقار، لكنها لا يجوز أن تُدفن تحت عبارة المصلحة العامة.
أظهر استطلاع محلي في داريا صورة أكثر تعقيداً من الرفض المطلق. بعض السكان رحبوا بانتهاء الاستخدام العسكري ورأوا فرصة للعمل والتجارة، وآخرون خافوا من قيود البناء والضوضاء واستفادة فئة صغيرة من الطيران الخاص. التباين نفسه سبب لإشراك الناس، لا ذريعة لتجاوزهم.
الكلفة التي لا تظهر في العقد
قد يكون المطار مربحاً على الورق ثم يصبح مكلفاً على الدولة إذا تحملت البنية والحماية والطرق، بينما ذهبت الإيرادات إلى مشغل خاص. وقد يربح اقتصاد العاصمة خدمة جديدة لكنه يخسر ثقة عائلات المفقودين وأصحاب الأرض. تلك الخسارة لا تظهر في جدول التدفقات النقدية، لكنها حقيقية وطويلة العمر.
ثم إن مطاراً للطيران التنفيذي داخل نسيج عمراني مزدحم يحتاج إلى اختبار مستقل للضوضاء والسلامة والمرور ومسارات الإقلاع. قربه هو ميزته التجارية ومشكلته التشغيلية معاً. لذلك ينبغي أن يقارن القرار بين تطوير المطار في موقعه، وتقليص المشروع، ونقل بعض وظائفه إلى مطار دمشق الدولي.
الترتيب الذي يحمي المشروع
يبدأ المسار السليم بتجميد الأعمال الترابية في المناطق الحساسة، وتأمينها، ثم إجراء مسح جنائي تشارك فيه جهات سورية ودولية مختصة وعائلات الضحايا. بالتوازي، تُنشر خريطة الملكيات وقرارات الاستملاك، ويُفتح باب الاعتراض والتعويض أو الرد العيني حيث يمكن.
بعد ذلك يأتي الاستثمار. إعلان المطور والعقد، وتوزيع الكلفة والعائد، ودراسة البدائل، وضمان حصة عادلة للمجتمعات المحيطة ليست عوائق أمام رأس المال. إنها ما يحول المشروع من امتياز غامض إلى أصل يثق به الناس والممول معاً.
ختاماً، يستطيع مطار المزة أن يغيّر وظيفته وأن يفتح باباً اقتصادياً جديداً. الذاكرة لا تطالب بتجميد البلد، بل بمنع التنمية من تكرار طريقة السلطة القديمة في محو الناس وحقوقهم حين تعيق الخطة.
المدرج الجيد يصل العاصمة بالعالم. أما المدرج العادل، فيفعل ذلك من دون أن يقطع آخر خيط يصل عائلة بمفقود، أو مالكاً بأرضه. عند هذه النقطة وحدها ينجح اختبار الاستثمار السوري الجديد.
اقرأ أيضاً: عضو اللجنة لـ «سوريا اليوم 24»: أصبت برصاصتين.. ماذا جرى في المزة 86 ولماذا الآن؟!









