مصفاتان جديدتان في حمص ودير الزور.. هل تنهيان أزمة المحروقات؟

بقلم: ريم ريّا
يشهد قطاع النفط السوري تطوراً جديداً مع إعلان شركة النفط السورية عن خطط لبناء مصفاتين جديدتين في محافظتي حمص ودير الزور، إلى جانب خطة لتجديد مصفاة بانياس وزيادة طاقتها الإنتاجية. يأتي هذا في وقت يواجه فيه قطاع الطاقة تحديات متزايدة، أبرزها تقادم البنية التحتية، وصعوبة الحصول على قطع الغيار، وتذبذب توافر المنتجات البترولية في الأسواق المحلية. وبينما ينظر المسؤولون إلى هذه المشاريع كخطوة استراتيجية لتعزيز أمن الطاقة، يثير الإعلان تساؤلات حول مدى قدرة هذه الاستثمارات على معالجة المشاكل المزمنة في القطاع، وما إذا كانت ستحسن بالفعل حياة المواطنين في السنوات القادمة.
مشاريع جديدة لإعادة تشكيل قطاع التكرير في حمص ودير الزور
يعتبر الإعلان عن المصفاتين الجديدتين أحد أكبر مشاريع التوسع في قطاع التكرير السوري في السنوات الأخيرة. ستبلغ الطاقة الإنتاجية لمصفاة النفط المزمع إنشاؤها في منطقة الفرقلس على مشارف حمص حوالي 200 ألف برميل يومياً، متجاوزةً بذلك إنتاج بعض المصافي العاملة حالياً.
وهذا ما يجعلها مشروعاً استراتيجياً، سيساهم، في حال تنفيذه، في زيادة إنتاج المنتجات البترولية بشكل ملحوظ. أما المشروع الثاني، في دير الزور، فستبلغ طاقته الإنتاجية 70 ألف برميل يومياً. وتكمن أهميته في قربه من مناطق إنتاج النفط الرئيسية في سوريا، مما قد يقلل تكاليف نقل النفط الخام إلى المصافي البعيدة ويرفع كفاءة استخدام موارد النفط المحلية.
ولا تقتصر أهمية هذين المشروعين على زيادة الإنتاج فحسب، بل سيسهمان أيضاً في إعادة توزيع مرافق التكرير جغرافياً، وتقليل الاعتماد على عدد محدود من المصافي، ومنح القطاع مرونة أكبر في مواجهة أي عمليات إغلاق أو صيانة مستقبلية.
اقرأ أيضاً: دير الزور: مدن فوق آبار النفط لكن تحت خط الفقر!
إغلاق مصفاة بانياس… صيانة اليوم لزيادة الإنتاج غداً
بالتزامن مع الإعلان عن المصافي الجديدة، تستعد مصفاة بانياس لإغلاق لمدة أربعة أشهر لتنفيذ برنامج تجديد شامل. وبينما قد يثير إغلاق أكبر مصفاة عاملة في البلاد مخاوف بشأن توافر الوقود، تؤكد شركة النفط السورية أن هذا الإجراء جزء من الصيانة الدورية التي تهدف إلى زيادة الطاقة الإنتاجية للمصفاة من حوالي 90 ألف برميل يومياً إلى 130 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى تحديث بعض الوحدات الفنية التي تجاوزت عمرها التشغيلي.
تشير الخطة المعلنة إلى أنه سيتم تلبية احتياجات السوق المحلية من خلال زيادة الواردات خلال فترة الإغلاق، لتجنب نقص البنزين أو الديزل أو غيرها من المنتجات البترولية. ومع ذلك، يبقى نجاح الخطة مرهوناً بوصول الشحنات المستوردة بانتظام وقدرة الجهات المعنية على إدارة الاحتياطيات الاستراتيجية، لا سيما في ظل النقص المتكرر في الوقود الذي شهده السوق السوري في الأشهر الأخيرة.
ما الذي يمكن أن تقدمه هذه المشاريع للمواطنين العاديين؟
من الناحية الاقتصادية، قد تُشكّل المصافي الجديدة خطوةً هامة نحو تعزيز الاكتفاء الذاتي في المنتجات البترولية وتقليل الاعتماد على الوقود المكرر المستورد. وهذا من شأنه أن يُخفف العبء المالي المرتبط بتكاليف الاستيراد، شريطة توفر كميات كافية من النفط الخام.
إضافةً إلى ذلك، يمكن أن تساهم زيادة طاقة التكرير في استقرار إمدادات البنزين والديزل والغاز المحلي. وسيكون لذلك أثر إيجابي على قطاعات النقل والزراعة والصناعة والتدفئة، التي تعتمد جميعها بشكل مباشر على توافر الوقود. كما يتوقع أن توفر المشاريع الجديدة فرص عمل خلال مرحلتي الإنشاء والتشغيل، وأن تحفز قطاعات الخدمات والصناعات الداعمة المرتبطة بقطاع النفط. على المدى البعيد، قد تتيح هذه المشاريع لسوريا قدرةً أكبر على إنتاج منتجات مكررة ذات جودة أعلى، وربما تمهد الطريق لتصدير جزء من الإنتاج إذا تجاوز احتياجات السوق المحلية.
تحديات التنفيذ لا تزال قائمة
على الرغم من أهمية الخطط المعلنة، إلا أن مسار تنفيذها لا يخلو من التحديات. يشير مسؤولو شركة النفط السورية إلى استمرار الصعوبات في تأمين المعدات وقطع الغيار اللازمة بسبب العقوبات، بالإضافة إلى عزوف بعض الشركات الدولية عن المشاركة في مشاريع داخل سوريا. وهذا يستدعي البحث عن تقنيات بديلة وشركاء جدد، والاعتماد بشكل أكبر على الخبرات الوطنية في الصيانة والتشغيل.
كذلك، إن إنشاء مصفاة جديدة لا يقتصر على مجرد بناء المنشأة، بل يتطلب استثمارات ضخمة، وشبكات نقل، وخزانات تخزين، وأنظمة تحكم حديثة، فضلاً عن إمداد مستقر بالنفط الخام لضمان التشغيل الفعال. لذا، فإن الإعلان عن هذه المشاريع هو بداية عملية طويلة، لن تتضح نتائجها الحقيقية إلا بعد تشغيل المصافي.
ختاماً، تمثل خطط بناء مصفاتين جديدتين في حمص ودير الزور، إلى جانب إعادة تأهيل مصفاة بانياس، خطوةً لإعادة بناء قطاع التكرير في سوريا وزيادة طاقته لتلبية احتياجات السوق المحلية. وإذا نفذت هذه المشاريع وفقاً للخطة، فمن شأنها أن تساهم في تحسين أمن الطاقة، وزيادة إنتاج المنتجات النفطية، وتقليل الاعتماد على الواردات. إلا أن نجاحها مرهون بتجاوز التحديات المالية والتقنية، وضمان إنجاز المشاريع في الوقت المحدد، وتحويل هذه الخطط من مجرد مشاريع نظرية إلى منشآتٍ قادرة على إحداث أثر ملموس على الاقتصاد السوري وحياة مواطنيه.









