المجتمع السوري

مشروع “مجتمع ذكاء” للتحول الرقمي: تحديات وفوائد للمجتمع المدني

بقلم هلا يوسف

لا يمكن القول اليوم إن دور المجتمع المدني لم يعد له تأثير،  فمع التغييرات الكبيرة وحجم الجهد المطلوب لتحسين واقع السوريين، أصبح وجود هذه المنظمات أمراً أساسياً. لكن الحقيقة أن تأخر التحول الرقمي في هذا القطاع وضعه أمام تحديات كبيرة، تبدأ من ضرورة مواكبة التطور التكنولوجي، ولا تنتهي عند صعوبات مجتمع خرج من حرب طويلة ولا يزال يبحث عن طريقه. ومن هنا جاء إطلاق مشروع مجتمع ذكاء، الذي سنسلط الضوء عليه في هذا المقال.

أطلقت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات في سوريا مشروع “مجتمع ذكاء” بالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية، بهدف دعم المنظمات غير الربحية التقنية وتعزيز التحول الرقمي. يهدف المشروع إلى توجيه طاقات الشباب والجمعيات التقنية نحو مبادرات عملية تخدم المواطنين، خاصة الفئات الأقل وصولاً لفرص التدريب والعمل الرقمي.

يرتكز المشروع على ثلاثة مسارات، وهي إنشاء حاضنة للجمعيات الشبابية التقنية، وتمكين المنظمات التقنية القائمة عبر التدريب والمشاركة في مشاريع التحول الرقمي، إضافة إلى استقطاب الجامعات والشركات ومراكز الأبحاث للتعاون في نقل الخبرات وبناء الكفاءات.

وأوضح وزير الاتصالات عبد السلام هيكل أن المشروع يمثل منصة شراكة بين الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص لتحسين الخدمات الرقمية وتعزيز التواصل مع المواطنين، مع إعلان قريب لآليات الانضمام.

كما تعمل الوزارة على برامج لدعم المشاريع الناشئة وتحفيز الاقتصاد الرقمي. وفي السياق نفسه، عقدت الوزارة ملتقى المنظمات الريادية الأول بمشاركة 30 منظمة، وتم خلاله مناقشة تعزيز الابتكار، تحويل المشاريع الطلابية إلى شركات، توسيع التعليم الرقمي، وتحديث القوانين. وأكد المشاركون أهمية بيئة تشريعية داعمة وحاضنات جامعية، إضافة إلى معالجة تحديات مثل ضعف التمويل ونقص الإرشاد، مع ضرورة بناء ثقة أكبر بين الحكومة والمجتمع المدني لدعم البيئة الريادية في سوريا.

فوائد التحول الرقمي في المجتمع المدني

في الحقيقة هناك فوائد كثيرة للتحول الرقمي في منظمات المجتمع المدني، لكن إن طبقت بالشكل الصحيح. فمع ازدياد تعقيد القضايا المجتمعية وتوسع احتياجات الأفراد، تصبح هذه المنظمات بحاجة إلى الاستفادة من الأدوات الرقمية الحديثة لتحسين عملياتها الإدارية وتعزيز قدرتها على التواصل والتفاعل مع المستفيدين. ويمكن للتقنيات الرقمية أن تسهم في تبسيط الإجراءات الداخلية، وتسهيل نشر المعلومات بشكل فوري، مما يرفع من كفاءة المنظمة وفاعليتها.

واحدة من أبرز فوائد التحول الرقمي هي تعزيز الشفافية والمساءلة. إذ تتيح المنصات الرقمية للمنظمات إمكانية مشاركة معلوماتها وأنشطتها وقراراتها مع المستفيدين بشكل مفتوح وسهل الوصول إليه. هذا الانفتاح يزيد من ثقة المجتمع ويشجع على المشاركة، لأن الجمهور يشعر بأنه جزء من عملية اتخاذ القرار وأنه قادر على متابعة عمل المنظمة بوضوح. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فاعتماد تحليلات البيانات يساعد المنظمات في فهم احتياجات المجتمع وتحديد أولوياته بدقة أكبر، مما يمكنها من تصميم مبادرات وبرامج أكثر فعالية.

كما يسهم التحول الرقمي في توسيع فرص التعاون بين الجهات الفاعلة في المجال المدني، سواء كانت منظمات غير حكومية أو مؤسسات حكومية أو شركات خاصة. فالأدوات الرقمية الحديثة تسهل بناء الشراكات وتبادل الموارد والمعلومات، وهو ما يؤدي إلى حلول مبتكرة للقضايا الاجتماعية. ومن الأمثلة على ذلك المنصات الخاصة بالتمويل الجماعي التي تمكن المنظمات من الحصول على دعم أوسع من المجتمع، أو تطبيقات المشاركة المجتمعية التي تساعد في تعزيز المشاركة الفعالة في المشاريع المحلية.

ويتوافق هذا التوجه نحو الرقمنة مع الجهود العالمية لتحقيق الاستدامة، إذ تسهم التقنيات الرقمية في تقليل استهلاك الموارد وتقليل الأثر البيئي. فمثلاً يمكن للاتصالات الرقمية أن تقلل الاعتماد على الطباعة، مما يخفف من استهلاك الورق ويقلل البصمة الكربونية للفعاليات والحملات. كما أن دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي يساعد في تحسين صنع القرار وتخصيص الموارد بشكل أكثر كفاءة واستدامة.

كما توفر التقنيات الرقمية لهذه المنظمات فرصاً كبيرة لتحسين طرق عملها وتنظيمها الداخلي، وتعزيز قدرتها على التخطيط، بالإضافة إلى تقليل التكاليف وزيادة كفاءة العمليات. وقد أكدت العديد من الدراسات أن التحول الرقمي يمكن أن يساهم في خلق قيمة مضافة للمنظمات غير الربحية من خلال زيادة الإيرادات وتحسين جودة الخدمات المقدمة.

وفي الحقيقة يمكن ملاحظة أن منظمات منظمات المجتمع المدني تستخدم بالفعل مجموعة واسعة من الأدوات الرقمية مثل وسائل التواصل الاجتماعي، البريد الإلكتروني، إلا أنه لا يتوفر في سوريا الأنظمة الأخرى المستخدمة في الخارج مثل أنظمة الدفع الإلكتروني، وبرامج إدارة علاقات العملاء. وتسهم هذه الأدوات في تحسين الشفافية والوصول إلى الجمهور وبناء المجتمعات الرقمية وتعزيز حملات الدعوة والتوعية. كما تساعد في توسيع نطاق جمع التبرعات، سواء عبر التبرعات المتكررة أو الحملات الإلكترونية، مما يتيح للمنظمات فرصاً أكبر لتأمين التمويل اللازم لنشاطاتها.

تحديات التحول نحو الرقمنة

لا يمكن الحديث عن مشروع التحول الرقمي في المجتمع المدني بسهولة، وكأن الأمور ميسرة والطريق معبد للتطبيق المباشر. فعلى الرغم من الفوائد التي سبق ذكرها، إلا أن هناك مجموعة من التحديات التي تواجه المنظمات المدنية سواء في سوريا أو خارجها. من أبرز هذه التحديات نقص المهارات الرقمية لدى العاملين والمتطوعين، وضعف الموارد المالية المخصصة للتطوير التقني، إضافة إلى مخاوف متعلقة بالخصوصية وأمن المعلومات. كما أن غياب استراتيجية رقمية واضحة لدى كثير من المنظمات يجعل عملية التحول الرقمي غير منتظمة ويحد من الفوائد المرجوة. وتعتمد بعض المنظمات بشكل كبير على فرق صغيرة أو متطوعين لإدارة تكنولوجيا المعلومات، مما يزيد من صعوبة تبني أدوات رقمية متقدمة مثل تحليل البيانات وأتمتة التسويق.

ويترافق التحول الرقمي أيضاً مع تحديات تتعلق بالإدماج والاستبعاد الرقمي. فبينما تساعد التكنولوجيا في تعزيز مشاركة فئات مختلفة من المجتمع، إلا أنها قد تقصي فئات أخرى مثل كبار السن، الأشخاص ذوي الإعاقة، النازحين، والفقراء الذين قد يفتقرون إلى المهارات أو الأجهزة اللازمة للاستفادة من الخدمات الرقمية. ويمكن هنا ذكر مثال بسيط حول هذه الفكرة، فقد أُجبرت بعض المنظمات خلال جائحة كورونا على وقف بعض خدماتها لأن المستفيدين لم يتمكنوا من استخدام القنوات الرقمية الجديدة. وهذا يبرز أهمية أن تضع منظمات المجتمع المدني في اعتبارها البعد الاجتماعي والتقني معاً، وأن تعمل على تعزيز المهارات الرقمية وضمان وصول عادل للخدمات.

تجارب دول في التحول الرقمي

على الرغم من اختلاف تجارب الدول في تطبيق التقنية في المجتمعات المدنية، وأيضاً اختلاف نسبة النجاح في هذا التحول، إلا أنه يمكن الحديث عن بعضها. فقد قدمت دول رابطة دول جنوب شرق آسيا زائد ثلاثة (ASEAN+3)، والتي تضم دول الآسيان العشر إضافة إلى الصين واليابان وكوريا الجنوبية، تجارب غنية في مجال التحول الرقمي داخل قطاع الخدمة المدنية.

وتظهر هذه التجارب كيف استطاعت الحكومات في هذه الدول استخدام التكنولوجيا لإعادة تشكيل طرق عملها وتحسين تفاعلها مع المواطنين، مما أسهم بشكل واضح في تعزيز القدرة التنافسية الوطنية ودفع عجلة التنمية الاقتصادية.

وفي هذا السياق اعتمدت الهيئة الوطنية للتحول الرقمي التابعة لوزارة المعلومات والاتصالات الفيتنامية على ثلاث ركائز أساسية لبناء منظومة رقمية فعالة وهي الحكومة الرقمية، والتنمية الاقتصادية الرقمية، والمجتمع الرقمي. ويهدف هذا النهج الشامل إلى ضمان أن يشمل التحول الرقمي مختلف جوانب الحياة الحكومية والاقتصادية والاجتماعية، مما يؤدي إلى تحسين جودة الخدمات وزيادة كفاءتها.

ومن أبرز جهود الحكومة في هذا المجال تطوير بوابة الخدمة العامة الوطنية، التي أصبحت منصة مركزية تقدم أكثر من 4500 خدمة عامة عبر الإنترنت للأفراد والشركات. وقد أسهمت هذه المنصة في تبسيط الإجراءات، وتقليل الوقت المستغرق لإنجاز المعاملات، وتسهيل الوصول إلى الخدمات الحكومية دون الحاجة لزيارة المكاتب الحكومية.

كما حققت الدولة تقدماً كبيراً في مشروع تطبيق الهوية الإلكترونية (VNeID)، حيث تم إصدار أكثر من 78 مليون سجل رقمي. ويعد هذا التطبيق خطوة مهمة نحو بناء هوية رقمية متكاملة للمواطنين، إذ تم دمج عدد من الخدمات المتعلقة بإدارة السكان داخله، مما يوفر تجربة أكثر سهولة وكفاءة للمستخدمين.

في النهاية، تطبيق أي مشروع للتحول الرقمي في منظمات المجتمع المدني السوري لا بد أن يترافق مع استراتيجية محددة ومرسومة بدقة لكي تحقق النجاح. وإلا سنكون أمام  نتيجتين، إما نجاح محدود للمشروع، أو الفشل الكامل في تحقيق كامل الأهداف.

اقرأ أيضاً: المجتمع المدني في سوريا: إعادة تشكيل لدوره بمشاركة الاتحاد الأوروبي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى