مشروع قانون الضريبة في سوريا 2025: بين وعود الإصلاح ومخاوف السوق

الكاتب: أحمد علي
اقتصاد يبحث عن معادلة تضخّ أملاً أكثر مما تضخّ أرقاماً، وتجارة تتلمّس طريقها في زحام التكاليف ونقص السيولة.. وسط هذا المشهد، يطلّ مشروع قانون الضريبة في سوريا 2025 كأداةٍ تنظيميّة طموحة، يَعِدُ بتوسيع القاعدة الضريبية وتحسين الإيرادات، لكنه في الوقت ذاته يثير أسئلةً صريحة حول الكلفة على الاستهلاك، والقدرة الإدارية، ومصير المنشآت الصغيرة. ومع أنّ الضريبة ليست عصاً سحرية، إلا أنّ طريقة تصميمها وتطبيقها قد تصنع فارقاً بين قانونٍ ينعش الحركة الاقتصادية وآخر يضيف عبئاً جديداً على كتفي السوق.
مشروع قانون الضريبة في سوريا 2025: ماذا يقول النصّ؟
ينصّ المشروع على ضريبة عامة على مبيعات السلع بنسبة خمسة بالمئة من القيمة البيعية الصافية للسلع المنتجة محلياً أو المستوردة، كما يفرض ضريبة على الخدمات وفق جداول ملحقة تحدّد النسب لكل نشاط خدمي. ويقدّم أمثلة واضحة لشرائح الخدمات؛ فخدمات الإعلان 5%، وتأجير المركبات 10%، والاستشارات القانونية 3%، والأمن الخاص 5%، ومراكز التجميل والنوادي الصحية 10%، بما يوحي بهندسةٍ «قطاعية» للعبء الضريبي توزّع الكلفة بحسب طبيعة الخدمة وقدرتها على تحمّل الضريبة.
يشجّع النصّ التصدير بمنح معدل صفر على السلع والخدمات المُصدَّرة للخارج، وهو توجّه يتماشى مع المعايير الدولية التي تحمي القدرة التنافسية للمنتج المحلي. وإلى جانب «العامّة»، يقرّ المشروع «ضريبة خاصة» (انتقائية) على سلع محددة بنسب من القيمة البيعية، ما يمنح صانع السياسة مرونةً لمعالجة سلعٍ ذات أثرٍ اجتماعي أو بيئي أو رفاهيّ خاص.
تُعتمد دورة ضريبية ربع سنوية، ويقدّم المكلف إقراره كل ثلاثة أشهر خلال مهلة ثلاثين يوماً من انتهاء الفترة، وهو ما يخلق إيقاعاً زمنياً واضحاً للتسوية والمتابعة يقلّل تراكم الأخطاء والتأخيرات. وعلى صعيد الالتزامات الشكلية، يفرض المشروع التسجيل ومنح شهادة تُعلّق في مكان ظاهر، مع إلزام المُسجّل بإبلاغ الهيئة بأي تغيير في نشاطه أو عنوانه خلال ثلاثين يوماً، لضمان تحديث قاعدة البيانات وربطها بسلوك المكلف. كما يخول الوزير تحديد نموذج الفاتورة الضريبية وضوابط استخدام الأنظمة المحاسبية، وتحديد البرامج المعتمدة لإصدار الفواتير، بما يمهّد لرقمنة الإجراءات ومراقبة الفوترة.
المشروع لا يكتفي بالتنظيم، بل يضع سُلَّماً للتقاضي والإشراف: لجنة للاعتراض في كل مديرية، وإمكانية الطعن أمام المحكمة المختصة بقضايا الضرائب، بما يضمن مساراً حقوقياً متدرجاً لحل النزاعات. ويمنح السلطة التنفيذية حيزاً للتكيّف مع المتغيرات عبر السماح بتعديل نسب الضريبة سنوياً – ضمن سقف لا يتجاوز 50% من الضريبة النافذة – مع صلاحية تعديل الجداول بالزيادة أو النقصان بقرار ذي صلة.
ما الذي يمكن أن يتحسّن بفضل القانون؟
أبرز نقاط القوة في مشروع قانون الضريبة في سوريا 2025 تتبدّى في اتساع القاعدة الضريبية وتبسيط التصنيف، ما يقلّل الحاجة إلى عشرات الاستثناءات ويعزّز حيادية النظام الضريبي تجاه القطاعات المختلفة. تحديد نسبة عامة للسلع وجداول واضحة للخدمات يسهّل على المكلّفين فهم واجباتهم، ويقلّل نزاعات التكييف. هذا الوضوح يقترن بإيقاع ربع سنوي للإقرار والتحصيل، ما يتيح إدارة تدفّقات النقد والتخطيط المالي بصورةٍ أفضل، ويختصر فجوات الزمن التي كانت تسمح بتراكم المتأخرات.
من زاوية دعم التجارة الخارجية، تبدو «الصفرية» على الصادرات خطوةً مشجّعة لزيادة التنافسية والاندماج في سلاسل القيمة، إذ تمنع تحميل الصادرات أعباءً تضخّم أسعارها في الخارج. وعلى مستوى الامتثال، يفتح تنظيم الفاتورة والنُّظُم المحاسبية الباب لرقمنة سلسلة الإثبات، من لحظة المبيع حتى الإقرار، ما يسدّ ثغرات التهرّب و«الفوترة الاسمية» ويُنشّط الثقافة الضريبية القائمة على أثرٍ ورقي/رقمي ملموس.
الأهم أنّ وجود لجنة اعتراض واضحة الاختصاص، ثم قضاء مختص سريع النظر، يمنح المكلّف والشركة قناةً مؤسسية لحماية حقوقهما، ويحوّل الخلافات من «منازعات شخصية» إلى إجراءات معيارية قابلة للتوقّع.
التحديات التي ينبغي ألا تُهمَل
في المقابل، ينطوي توسيع نطاق الضريبة الاستهلاكية على مخاطر زيادة الأسعار النهائية، خصوصاً للسلع والخدمات التي لا تملك مرونة عالية في الطلب. حين تُضاف نسبة 5% على أغلب السلع، وتتراوح نسب الخدمات بين 3% و10% بحسب النشاط، قد تنتقل الأعباء إلى المستهلك النهائي ما لم تُوازنها سياساتٌ داعمة للدخل أو إعفاءات دقيقة للفئات الأضعف.
تحدٍّ آخر يتمثل في كلفة الامتثال؛ فالشركات الصغيرة والمتناهية الصغر قد تواجه عبئاً إدارياً في التسجيل، ومسك السجلات، والالتزام بنماذج الفوترة المعتمدة. ورغم أنّ هذه المتطلبات ضرورية للحوكمة، إلا أنّ نجاحها يعتمد على التدرّج، والدعم الفني، وتبسيط البرمجيات المعتمدة للفوترة.
كما يثير منح السلطة التنفيذية صلاحية تعديل النِّسب سنوياً – وإن ضمن سقف 50% – قلقاً مشروعاً حول «التنبؤ الضريبي». بيئة الأعمال تحتاج إلى استقرارٍ نسبي في الأسعار الضريبية لالتقاط قرارات الاستثمار متوسطة الأجل؛ لذا فالمهم أن يقترن أي تعديل بتعليلٍ اقتصادي شفاف ومعلن زمنياً.
ولا يمكن إغفال منظومة الجزاءات. صحيح أنّ التشدد مع المتخلّفين يحدّ من التسيّب، لكنّ الغرامات المرتبطة بالتأخير قد تزيد العبء على منشآتٍ تعاني أصلاً من ضيق السيولة؛ فهناك غرامة 10% عند تقديم الإقرار بعد المهلة وقبل الإنذار، وترتفع إلى 15% إذا قُدِّم خلال خمسة عشر يوماً بعد الإنذار، إضافةً إلى ترتيبات التحصيل القسري عند التخلّف عن السداد بعد الآجال القانونية. تطبيقٌ صارمٌ دون مراعاة ظروف التدفقات النقدية قد يدفع بعض المنشآت إلى «المخاطرة غير المحسوبة» بدلاً من الاندماج الطوعي.
كيف يمكن جعل القانون أداة نمو لا عبئاً إضافياً؟
المدخل الأكثر واقعية يبدأ بمرحلةٍ انتقالية واضحة المعالم؛ تدريبٌ مجاني أو منخفض الكلفة للمحاسبين الصغار وأصحاب المحلات على نماذج الفواتير والبرمجيات المعتمدة، وجدولة زمنية للتدرّج في التطبيق على الشرائح الصغيرة، ربما عبر عتبات تسجيل مدروسة وتعليمات تنفيذية تشجّع الامتثال الطوعي. توحيد قنوات الدفع الإلكترونية وفتح واجهات برمجية رسمية مع أنظمة نقاط البيع سيحُدّ من الأخطاء ويُقلّل كلفة الامتثال على المنشأة الصغيرة، ويحوّل «مشروع قانون الضريبة في سوريا 2025» من نصٍّ مُلزم إلى منظومةٍ خدمية تساعد المكلّف قبل أن تُحاسبه.
في المقابل، يمكن توظيف «الضريبة الخاصة» بذكاء لتحقيق أهدافٍ اجتماعية – تعديلها دورياً على سلعٍ رفاهية أو مُضرّة بالصحة والبيئة – مع مراقبة أثرها التضخمي على سلاسل الإمداد. كما أن تعزيز الشفافية في قرارات تعديل النسب، عبر نشر مذكراتٍ تفسيرية مسبقة وربطها بمؤشرات موضوعية، سيعزّز ثقة السوق ويقلّل «مفاجآت السياسة المالية».
أخيراً، لا يكتمل الإصلاح دون قضاءٍ ضريبي سريع المسار. إنّ تمكين لجان الاعتراض وتحسين الوصول إلى المحكمة المختصة، مع نشر سوابق قضائية مُيسّرة الفهم، سيخلق ثقافة امتثال تستند إلى توقعاتٍ قانونية واضحة لا إلى «تخمينات» إداريّة.
ختماً، يمكن القول إن مشروع قانون الضريبة في سوريا 2025 يقدّم إطاراً حديثاً نسبياً لإدارة الضريبة على المبيعات، بتركيبة تجمع «معدل عام» بسيطاً للسلع، وجدولاً مرناً للخدمات، ومعدل صفر لصادرات يُراعي التنافسية، وقنوات اعتراضٍ قضائية تضمن حقّ المكلّف. لكن نجاح هذا الإطار سيتوقف على ثلاثيةٍ متوازنة: تعليمات تنفيذية تُيسّر لا تُعقّد، وبنيةٍ رقمية تجعل الفوترة والإقرارات بلا عناء، وسياسات تواصلٍ تُفسّر القرارات وتبني الثقة…
اقرأ أيضاً: الضرائب الذكية في بلد فقير: أين يمكن الجباية من دون خنق؟









