مشروع قانون الخدمة المدنية: هل يفتح باب إصلاح الإدارة أم يعيد تدوير الأزمة؟

قانونٌ يولد من جدلٍ عام لا يخلو من الأمل والشك معاً. فحين تخرج مسودّة مشروع قانون الخدمة المدنية إلى الضوء، لا تكون مجرد صفحات قانونية جافة، بل مرآة لطموح طويل بإدارة عامة أقوى، وأقرب إلى الناس، وأعدل لموظفيها. فالجمهور السوري الذي خبر بيروقراطية مثقلة بالحروب والضغوط وشحّ الموارد، يبحث اليوم في كل سطر عن وعدٍ ممكن: كفاءة أعلى، فرص أوضح، ومسار مهني لا يتكسّر على أبواب المحسوبيات أو الرواتب المتآكلة.
هذا التقرير يحاول قراءة النص وإيقاع الشارع معاً؛ نفكّك أبرز ملامح الإصلاح التي يقترحها المشروع، ثم ننصت إلى أصوات سوريين من قطاعات مختلفة يعلّقون، يخافون، ويقترحون…
لماذا يهم مشروع قانون الخدمة المدنية الآن؟
المشروع يعرّف الخدمة المدنية بوصفها أداة تنفيذية للدولة تؤدي خدمة عامة لأهداف وطنية واجتماعية، وتقوم على مبادئ حاكمة: سيادة القانون، الاستثمار الأمثل للموارد، الفاعلية الموجهة للنتائج، والحوكمة القائمة على الشفافية والمساءلة، إلى جانب الحياد والنزاهة وبناء القدرات وثقافة العمل الجماعي والتحسين المستمر.
وهذه المبادئ ليست شعارات في الهامش؛ إنها إطارٌ يُراد له أن يعيد وصل الإدارة بمواطنيها وبنتائج ملموسة على الأرض. ويحدّد المشروع أهدافاً عملية لهذه المبادئ: رفع كفاءة الجهاز الحكومي في خدمة المواطن، تطوير نظام إدارة الموارد البشرية، ترسيخ ثقافة الأداء الحكومي القائم على النتائج والأثر، وتعزيز الحوكمة في الإدارة العامة بما يوازن بين حقوق الموظف وواجباته ويستجيب للتغيّرات ويعزّز ثقة المواطن بمؤسساته.
بهذه اللغة يتقدّم النص خطوة باتجاه تحويل الإدارة من إجراءات إلى نتائج. وعلى مستوى السياق، يعلن المشروع عملياً انتقالاً من أطر قانونية أقدم كانت تنظم العاملين في الدولة، ويُسند تطبيقه إلى مراسيم وآليات تنفيذية تصدر باقتراح من وزارة التنمية الإدارية، في محاولة لتوحيد المرجعية وتحديث المنظومة القانونية المتشظية.
ما الذي يتغيّر؟ أنماط التوظيف ونظام المراتب
يفتح «مشروع قانون الخدمة المدنية» الباب أمام مرونة أكبر في التوظيف عبر أربعة أنماط واضحة: دوام كامل لساعات العمل اليومية المحددة، دوام جزئي لساعات أو أيام محددة أسبوعياً وفق الحاجة، عمل مرن يستجيب لمتطلبات المهمة وقد يتم خارج مقر الجهة العامة، وعمل مؤقت بطبيعة محددة يتعاقد عليه لفترة محدودة.
وهذا التنويع يعكس إدراكاً لاختلاف طبيعة الخدمات والمهام، ويتيح إدارة أفضل للطاقات وتوزيعاً مرناً للمهارات. فيما يسعى المشروع أيضاً إلى تصنيف العاملين بوضوح بين «متعاقدين» يدخلون الخدمة عبر عقود محددة أو خبرات، و«مثبّتين» بصفة دائمة بعد استيفاء شروط محددة.
ويورد النص صراحةً أن آلية تحويل العلاقة التعاقدية إلى تعيين دائم تضبطها المادة 38 وما يتفرّع عنها، بحيث لا يبقى التثبيت رهناً بالاستثناءات بل بمسار قانوني معلن. وهذه النقطة تمسّ آلاف المتعاقدين الذين ينتظرون باباً مستقراً لمستقبلهم المهني.
وإلى جانب ذلك، يتبنّى المشروع نظام «المراتب والدرجات» بوصفه الهيكل الذي يحدّد الأجر المقطوع، سنوات الخدمة للتدرّج، معايير تقييم الأداء، وبرامج التأهيل اللازمة لكل فئة وظيفية، بما يربط الترقي بالجدارة وتراكم الكفاءة لا بالأقدمية وحدها. هذه اللغة الهيكلية تعِد بمسار مهني أكثر قابلية للتنبؤ والقياس.
التعيين الدائم، الترقي، وتقييم الأداء
يعطي المشروع للتعيين الدائم مكانةً واضحة: فالمتعاقد يمكن أن يثبت بصفة دائمة متى استكمل شروطاً محددة (الفئة الوظيفية المناسبة، المرتبة والدرجة الدنيا، وتقييم أداء لا يقل عن مستوى معيّن، وتقديم طلب خطي)، وهي شروط تُنظّمها المادة 38 وآلياتها التنفيذية. الهدف المعلن هو ألا يكون «التثبيت» منحة عشوائية، بل نتيجة متوقعة لمسار شفاف.
والترقي والترفيع مرتبطان بمنطق «الأداء قبل الأقدمية»: لا يكفي استكمال سنوات الخدمة، بل لا بد من اجتياز برامج تأهيل واختبارات محددة، والحصول على تقييم أداء يوازي متطلبات الدرجة والمرتبة اللاحقة، مع وجود لجان مختصة لضمان العدالة والموضوعية. بهذه الطريقة يَعِد المشروع بإخراج الترقيات من الظلال إلى الضوء.
أما تقييم الأداء نفسه، فيضعه النص في قلب إدارة الموارد البشرية، باعتباره أداة لرفع الفعالية وتحفيز التميز وتحديد الاحتياجات التدريبية وربط الأداء الفردي بأهداف الجهة العامة. ولغة «النتائج والأثر» المتكررة في المشروع تؤكد أن الإدارة المقاسة هي المدخل لإدارة مُجدية.
الشفافية، الحوافز، والأجور: أين تقف العدالة؟
يلفت المشروع إلى نظام أجور مكوّن من «أجر مقطوع» تُحدَّد حدوده في جداول ملحقة، مع آلية لمراجعة «سلّم الأجور» دورياً عبر لجنة تمثل التنمية الإدارية والمالية واتحاد العمال، وبناءً على متغيرات اقتصادية واجتماعية مثل الحد الأدنى للمعيشة ومعدلات الرواتب في سوق العمل. وهذه الإشارة مهمة لأنها تربط الأجر بواقع الأسعار والعدالة المعيشية، وتسمح بتحديثات استثنائية إن دعت الضرورة.
ولا يكتفي المشروع بالأجر، بل يقرّ منظومة «العلاوات» و«الحوافز». العلاوات تُمنح وفق معايير معلنة تراعي تقييم الأداء، المؤهل العلمي، القدم، وتنمية القدرات؛ كما تُنظّم علاوات الانتقال بين الدرجات والمراتب ونِسَبها، مع مراعاة العدالة وتكافؤ الفرص.
الحوافز بدورها تُدار كجزء من منظومة الموارد البشرية، لتحفيز الأداء الفردي والجماعي، وتعزيز روح المبادرة والابتكار وثقافة الأثر. هذه المنظومة المالية ـ إن نُفّذت كما كُتبت ـ قد تُعيد الثقة بين الموظف ومؤسسته عبر ربط مجهود اليوم بمكاسب واضحة غداً.
وعلى جبهة الشفافية في التعيين، يشير المشروع إلى أن شروط وإجراءات وأساليب الإحلال تُفصّل في نظام إدارة الموارد البشرية، مع مراعاة خارطة الشواغر، معايير الجدارة، وضمان الحوكمة، ويحظر إحداث «مراكز عمل» خارج الأطر المحددة بما يقطع الطريق على التلفيق والتجاوز.
ما الذي يحتاجه التطبيق؟
أولاً، حوكمة تنفيذية صارمة: نشر اللوائح التنفيذية وجدولها الزمني، إعلان الشواغر والمنافسات إلكترونياً، وتمكين آليات التظلم والطعون. ثانياً، بنية تقنية وإحصائية تربط «الأداء» بالقرار: بطاقات وصف وظيفي محدثة، مؤشرات قياس ذكية، ولوحات متابعة متاحة للإدارة ولمجالس الرقابة.
ثالثاً، تمويل مُعتَبر لمنظومة التدريب والاختبارات، حتى لا تصبح شروط الترفيع «نظرياً»؛ ورابعاً، مراجعة دورية لسياسات الأجور والحوافز وفق متغيرات المعيشة والسوق، كما نصّت لجان تحديث الأجر.
خامساً، حوار مجتمعي يضمن أن يسمع صانع القرار صوت الموظف والمواطن معاً، لا سيما أن إنهاء الخدمة وشروطه الحساسة تتطلب عدالة ومكاشفة لحالات الاستقالة، التقاعد، الصرف، والطرد، كي لا تُفهم كأدوات عقابية بدل أن تكون أدوات تنظيم ومساءلة.
خلاصة القول، المشروع مازال في مشروعاً أي لم يتحول إلى قانون حتى اللحظة، وهو ليس عصاً سحرية بطبيعة الحال، لكنه خريطة طريق قابلة للعبور إن التقت الإرادة السياسية بالحوكمة الرشيدة وبالتمويل الذكي، وإن شارك الموظفون أنفسهم في صناعة ثقافة أداء جديدة. عندها فقط يصبح النص جسراً بين توقّعات الناس وواقع مؤسساتهم.
اقرأ أيضاً: مشروع قانون الضريبة في سوريا 2025: بين وعود الإصلاح ومخاوف السوق




