مشروع “جسور”: 64 جلسة حوارية تبحث العقد الاجتماعي واللامركزية والثقة الوطنية

الكاتب: أحمد علي
حين يتكلم السوريون اليوم عن الثقة، لا يبدو الكلام سهلاً ولا بريئاً. فالثقة لم تتضرر في السياسة وحدها، بل في تفاصيل الحياة اليومية، في علاقة الناس بالمؤسسات، وفي قدرة المجتمع على الإصغاء إلى نفسه بعد سنوات طويلة من الانقسام والتعب. من هذه النقطة تقريباً يظهر مشروع “جسور”، لا بوصفه وصفة جاهزة لمستقبل سوريا، بل محاولة منظمة لإعادة طرح الأسئلة التي لا يمكن تجاوزها إذا أريد للبلد أن يعيد بناء حد أدنى من المعنى المشترك.
المشروع لا يدعي أن الحوار وحده يكفي. وهذا مهم. فالحوار، إذا بقي كلاماً عاماً، يتحول بسرعة إلى نشاط عابر. أما إذا ارتبط بأسئلة العقد الاجتماعي واللامركزية وسيادة القانون والإصلاح الإداري، فإنه يصبح مدخلاً لفهم ما يريده السوريون من الدولة، وما يخشونه من أي ترتيب جديد، وما يمكن أن يتفقوا عليه بعد كل ما جرى.
مشروع جسور من مساحة حوار إلى اختبار للثقة
اختتمت مؤسسة وحدة دعم الاستقرار، المعروفة اختصاراً باسم SSU، في دمشق مؤتمراً ختامياً لمشروع “جسور”، بعد مسار امتد سبعة أشهر. وبحسب ما أعلن في المؤتمر، نفذ المشروع 64 جلسة حوارية في سبع محافظات، هي دمشق وريف دمشق وحماة وحمص وطرطوس واللاذقية وحلب. هذا الرقم لا يقول كل شيء، لكنه يقول شيئاً ضرورياً. النقاش لم يبق حبيس قاعة واحدة، ولم يقدّم المجتمع السوري ككتلة واحدة متطابقة في المخاوف والأولويات.
عقد المؤتمر في فندق غولدن مزة بدمشق، بمشاركة أكاديميين ومتخصصين في الشأن العام. وعرض المدير التنفيذي لمؤسسة وحدة دعم الاستقرار منذر السلال حصيلة المسار، مشيراً إلى أن الجلسات تناولت قضايا رأت المجتمعات المحلية أنها ذات أولوية، مع اختلاف واضح في التفاصيل بين محافظة وأخرى. هذا الاختلاف ليس هامشياً. فالحوار الجدي يبدأ حين يعترف بأن ما يقلق مدينة في الساحل قد لا يتطابق تماماً مع ما يقلق مدينة في الداخل، وأن ما تراه بيئة محلية أولوية قد يبدو في بيئة أخرى قضية مؤجلة.
مع ذلك، ظهرت خيوط مشتركة. تصدر موضوع العقد الاجتماعي النقاشات، إلى جانب سيادة القانون، واللامركزية، والإصلاح الإداري. هذه عناوين كبيرة، لكنها لا تبقى كبيرة إلى الأبد إذا دخلت في أسئلة الناس اليومية. كيف تعمل الدولة؟ من يراقب السلطة؟ كيف يضمن المواطن حقه؟ ما حدود الإدارة المحلية؟ ومن يحمي وحدة البلاد من دون أن يخنق حاجات المجتمعات المحلية؟
العقد الاجتماعي حين ينزل من الشعار إلى التفاصيل
العقد الاجتماعي ليس عبارة مريحة يمكن تعليقها فوق أي نقاش. في بلد مثل سوريا، يحمل هذا المفهوم سؤال العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين القانون والناس، وبين السلطة والحقوق، وبين المركز والأطراف. لذلك كان طبيعياً أن يتصدر اهتمامات المشاركين في مشروع “جسور”. فالمشكلة لا تتعلق بنصوص جديدة فقط، بل بطريقة إعادة تعريف العلاقة بين السوريين ومؤسساتهم، وبين السوريين أنفسهم أيضاً.
هذا النوع من النقاش لا ينتج جواباً سريعاً. ولا ينبغي له أن يفعل. العقد الاجتماعي لا يكتب في جلسة خبراء، ولا يفرض من أعلى، ولا ينضج إذا بقي بعيداً عن المجتمعات المحلية. يحتاج إلى تراكم، وإلى لغة واضحة، وإلى قبول بأن الثقة الوطنية لا تعود بقرار إداري. هي تعود حين يشعر الناس بأن القانون يحميهم، وأن المشاركة لا تستخدم للزينة، وأن ما يقال في القاعات يمكن أن يصل إلى من يملكون القدرة على الفعل.
بحسب ما عرضه مدير المنطقة الجنوبية في وحدة دعم الاستقرار حسين الشلاش، أتاحت الجلسات للمشاركين طرح آرائهم وتقديم توصياتهم حول القضايا المطروحة، ثم جرى إدراج هذه التوصيات في أوراق عمل تعكس تطلعات المجتمعات المحلية ورؤيتها لمستقبل سوريا، على أن تقدم إلى الجهات المعنية كل بحسب اختصاصه. هنا يبدأ الامتحان الحقيقي. فالقيمة لا تقاس بعدد الجلسات وحده، بل بمدى قدرة المخرجات على عبور المسافة بين القاعة والمؤسسة.
اللامركزية بين الحاجة إلى الإدارة والخوف من التفكك
تحتل اللامركزية موقعاً حساساً في أي نقاش سوري. الكلمة نفسها لا تحمل المعنى ذاته عند جميع الأطراف. هناك من يراها طريقاً لتقريب القرار من الناس وتحسين الخدمات، وهناك من يخشى أن تتحول إلى مدخل لتفاوت أكبر بين المناطق أو إلى صيغة غامضة تمس وحدة الدولة. لذلك لا يكفي رفع العنوان. يجب تفكيكه بهدوء.
اللامركزية، في صورتها العملية، ليست انفصالاً عن المركز ولا إنكاراً لحاجة الدولة إلى وحدة القرار العام. هي قد تكون وسيلة لتوزيع بعض الصلاحيات، وتحسين الاستجابة المحلية، وربط الأولويات بالناس الذين يعيشونها. لكنها قد تفشل إذا لم تترافق مع موارد واضحة، وكفاءات محلية، ورقابة، ومساءلة، وقانون يحدد الحدود والمسؤوليات. عندها لا تعالج الخلل، بل تنقله من مستوى إلى آخر.
أهمية مشروع “جسور” في هذا الجانب أنه وضع اللامركزية إلى جانب الحكم المحلي والإصلاح الإداري والشفافية، لا كعنوان منفصل. وهذا الربط ضروري. فلا معنى لإدارة محلية من دون قدرة على التنفيذ، ولا معنى لصلاحيات واسعة من دون مساءلة، ولا معنى لقرب القرار من الناس إذا بقيت آليات المشاركة غامضة أو شكلية.
سيادة القانون والإصلاح الإداري بوصفهما شرطاً للحوار
قد يبدو الحديث عن سيادة القانون أقل إثارة من الكلام عن العقد الاجتماعي أو اللامركزية، لكنه ربما يكون أكثر التصاقاً بحياة الناس. المواطن لا يختبر الدولة في المبادئ العامة فقط. يختبرها عند المحكمة، وفي البلدية، وعند الحصول على وثيقة، وعند الاعتراض على قرار، وعند الشعور بأن القاعدة العامة تطبق على الجميع أو لا تطبق.
لذلك كان إدراج إصلاح المنظومة القانونية والإصلاح الإداري والشفافية ضمن جلسات المؤتمر الختامي دلالة مهمة. فالثقة الوطنية لا تبنى بالمصالحة اللفظية وحدها. تحتاج إلى مؤسسات تعمل بوضوح، وإلى إدارة لا تعامل المواطن كعابر أمام نافذة مغلقة، وإلى قانون لا يصبح قوياً فقط على الضعفاء. هذه ليست عبارات سياسية كبرى. هي شروط يومية لاستعادة معنى الدولة.
المؤتمر الختامي عرض أربع جلسات رئيسية تناولت العقد الاجتماعي وبناء الثقة، والحكم المحلي واللامركزية، وإصلاح المنظومة القانونية، والإصلاح الإداري والشفافية. هذا التقسيم يوضح أن المشروع حاول التعامل مع الثقة كمسألة مركبة. ليست شعوراً نفسياً فقط، وليست شعاراً وطنياً عاماً، بل نتيجة تتكون من القانون والإدارة والمشاركة وطريقة توزيع الصلاحيات.
المجتمع المدني وحدود القدرة
تعرف وحدة دعم الاستقرار نفسها بوصفها منظمة غير حكومية غير ربحية تأسست عام 2016، وتعمل في مجالات الحوكمة وبناء السلام والتعافي المجتمعي والخدمات والبنى التحتية. كما تشير بياناتها إلى أن بعض برامجها السياسية تركز على إشراك المجتمعات المحلية في جلسات حوار، خصوصاً في قضايا الحكم المحلي والمسارات الدستورية. هذه الخلفية تساعد على فهم طبيعة مشروع “جسور”، لكنها لا تلغي السؤال عن حدود الدور الممكن.
المجتمع المدني يستطيع أن يفتح مساحة للنقاش، وأن يجمع آراء متفرقة، وأن يصوغ خلاصات، وأن يربط بين خبراء ومجتمعات محلية. لكنه لا يملك وحده سلطة تحويل التوصيات إلى سياسات. لهذا يجب عدم تضخيم دوره، كما يجب عدم التقليل منه. الجسر لا يبني المدينة كلها، لكنه يسمح بالعبور بين ضفتين كانتا متباعدتين.
المعيار هنا هو المتابعة. هل ستنشر خلاصات أكثر تفصيلاً؟ هل ستعرف المجتمعات المحلية ماذا حدث لتوصياتها؟ هل ستصل أوراق العمل إلى الجهات المعنية بصورة قابلة للنقاش؟ وهل ستكون هناك آلية لاحقة تقيس ما تحقق وما بقي في مستوى الكلام؟ من دون هذه الأسئلة، يبقى أي مشروع حوار معرضاً لأن يتحول إلى حدث جيد التنظيم، لا إلى مسار عام.
المبادرات المحلية حين تكسر جمود القاعة
لم يقتصر مسار “جسور” على الجلسات الحوارية بالمعنى الضيق. فقد ظهرت ضمنه مبادرات محلية، من بينها مبادرة “نبض حمص” التي اختتمت في حي الحميدية بمدينة حمص، بالشراكة مع جمعية “يلا سوريا” وملتقى هارموني الثقافي. ركزت المبادرة على دور الشباب والتماسك المجتمعي، واستخدمت عروضاً مسرحية وموسيقية ولوحات فنية وفيديوهات توثيقية لعرض نتائج الأنشطة.
كما ورد أن المبادرة جاءت بدعم من الاتحاد الأوروبي وألمانيا والدنمارك ضمن برنامج مسارات بناء السلام في سوريا الذي تنفذه الوكالة الألمانية للتعاون الدولي. هذه التفاصيل تمنح المشروع بعداً اجتماعياً أوسع. فالحوار لا يبدأ دائماً من طاولة سياسية. قد يبدأ من تدريب شاب على الاستماع، أو من عرض مسرحي عن ذاكرة حي، أو من نشاط محلي يعيد الناس إلى مساحة مشتركة بعد سنوات من الانكفاء.
لكن هذا لا يعني أن المبادرات الصغيرة تحمل وحدها عبء المصالحة الوطنية. هذا سيكون تحميلها أكثر مما تحتمل. قيمتها أنها تخلق تدريبات صغيرة على المشاركة، وتعيد للناس شيئاً من القدرة على الكلام العلني، وتفتح باباً لا يعبر منه الجميع مرة واحدة، لكنه يبقى باباً.
ما الذي يبقى بعد 64 جلسة؟
انتهى المؤتمر الختامي، لكن السؤال الأهم يبدأ بعده. ماذا بقي من 64 جلسة حوارية؟ ما التوصيات التي تكررت في المحافظات السبع؟ أين اختلفت الأولويات؟ كيف فهم المشاركون العقد الاجتماعي؟ ماذا طلبوا في ملف اللامركزية؟ وما الذي اعتبروه مدخلاً عملياً لإصلاح القانون والإدارة؟
هذه الأسئلة هي التي تفصل بين النشاط والمسار. النشاط ينتهي بصورة جماعية وبيان ختامي. المسار يبدأ حين تتحول الخلاصات إلى مادة عامة قابلة للقراءة والمناقشة والتعديل. وإذا كان مشروع “جسور” يريد أن يساهم في بناء الثقة الوطنية، فإن نشر المعرفة الناتجة عنه يصبح جزءاً من هذه الثقة، لا مجرد تفصيل تقني.
سوريا لا تحتاج إلى لغة أكبر من واقعها. تحتاج إلى كلام أدق، وإلى قنوات تسمح للناس بأن يشاركوا في تعريف المشكلات لا في تلقي الحلول فقط. مشروع “جسور” يقدم محاولة في هذا الاتجاه. لا يملك وحده جواب العقد الاجتماعي، ولا يستطيع وحده أن يحسم نقاش اللامركزية، لكنه يضع على الطاولة أسئلة لا يمكن تأجيلها إلى ما لا نهاية.
القيمة الحقيقية لأي حوار وطني لا تظهر في لحظة انعقاده، بل في ما يحدث بعده. إذا بقيت التوصيات داخل الملفات، فلن يتغير شيء كثير. وإذا وجدت طريقها إلى نقاش عام ومتابعة مؤسسية، فقد تكون 64 جلسة بداية متواضعة لمسار أطول. والبدايات المتواضعة، في بلد مرهق، قد تكون أكثر جدية من الوعود الكبيرة.









