سياسة

مشروع “ألف مبرمج”: هل تصبح الجامعات السورية مختبراً للحلول الرقمية؟

الكاتب: أحمد علي

لا تولد الحلول الرقمية من قاعة تدريب وحدها. تحتاج إلى طالب يعرف لماذا يتعلم، وجامعة تفتح بابها للتطبيق لا للحفظ فقط، وسوق قادر على استقبال المهارة بدل دفعها إلى الهجرة. من هنا يبدو مشروع “ألف مبرمج” أكثر من دورة تقنية. هو سؤال عن علاقة الجامعات السورية بسوق جديد، وعن قدرة الشباب على تحويل البرمجة من مهارة فردية إلى أداة عمل وحلول.

مشروع ألف مبرمج بين الجامعة وسوق العمل

تقدم مؤسسة تعليم بلا حدود، مداد، مشروع “ألف مبرمج” بوصفه برنامجاً لتأهيل وتدريب 1000 شاب وشابة بين عمر 17 و25 عاماً، من طلاب الكليات والمعاهد الهندسية في الشمال السوري، ومن الشباب المهتمين بتطوير قدراتهم البرمجية. ووفق ما تنشره المؤسسة، يمتد المشروع على خمس سنوات، مقسمة إلى مراحل، مدة كل مرحلة ستة أشهر، يتخرج فيها 100 شاب في كل مرحلة.

هذه الأرقام تمنح المشروع بنية واضحة. ليست ورشة تعريفية ولا نشاطاً موسمياً. هناك زمن، وعدد مستهدف، وشريحة محددة، وربط معلن بسوق العمل الخارجي. كما تستهدف إحدى مراحل الانتساب طلاب السنة الثالثة فما فوق في كلية الهندسة المعلوماتية، وطلاب السنة الثانية المتفوقين، وخريجي معاهد الحاسوب. أي إن المشروع لا يبدأ من الصفر، بل يحاول التقاط شريحة لديها أساس أكاديمي أو تقني، ثم دفعها نحو مهارات قابلة للعمل.

لكن السؤال لا يقف عند التدريب. إذا كان الهدف الوصول إلى 1000 مبرمج قادر على تلبية احتياجات السوق الخارجية، وتشجيع الشباب السوري على العمل من داخل البلاد، والحد من الهجرة عبر توطين أعمال ذات مردود مستدام، فإن المشروع يدخل مباشرة في قلب الأزمة السورية. الشباب لا يغادرون لأنهم يكرهون المكان. يغادرون غالباً لأن المهارة لا تجد دخلاً مستقراً. فإذا استطاعت البرمجة أن تفتح باباً للعمل عن بعد، فهي لا تعالج البطالة وحدها، بل تخفف أحد دوافع النزف البشري.

هنا تظهر قيمة المشروع وحدوده. قيمته أنه يتعامل مع البرمجة كمهارة قابلة للتسويق، لا كمادة جامعية فقط. وحدوده أنه لا يكفي أن يتعلم المتدرب لغة برمجية أو إطار عمل. يحتاج أيضاً إلى لغة أجنبية، ومهارات تواصل، وفهم لسوق العمل الحر، وقدرة على بناء ملف أعمال، ومعرفة بأساسيات التعاقد والدفع الإلكتروني وحماية الحقوق. المؤسسة نفسها تشير إلى إكساب المنتسبين مهارات تسويقية ولغوية، وهذا تفصيل مهم. فالمبرمج الذي لا يعرف كيف يعرض عمله أو يتعامل مع عميل خارجي يبقى نصف جاهز.

الجامعات ليست قاعات امتحان فقط

في سوريا، عانت الجامعات طويلاً من الفجوة بين التعليم النظري والعمل الفعلي. الطالب يتخرج حاملاً شهادة، ثم يكتشف أن السوق يطلب شيئاً آخر، أدوات مختلفة، وأساليب عمل لم يختبرها في المدرج. في البرمجة تظهر هذه الفجوة بسرعة، لأن السوق لا يسأل كثيراً عن العنوان الجامعي بقدر ما يسأل عن القدرة على حل مشكلة وبناء منتج.

لذلك يصبح دور الجامعات محورياً. إذا بقيت الجامعة مكاناً للمحاضرة والامتحان، فلن تكون مختبراً للحلول الرقمية. وإذا فتحت أبوابها للمسابقات والمعسكرات والمشاريع التطبيقية والتعاون مع المؤسسات والشركات، فقد تبدأ بالتحول إلى مساحة إنتاج.

هناك إشارات صغيرة في هذا الاتجاه. المسابقة البرمجية لطلاب جامعات شمال سوريا شهدت مشاركة 25 فريقاً من 9 جامعات، و90 طالباً وطالبة، وركزت على حل المشكلات وبناء نماذج برمجية عملية. هذه التفاصيل ليست بعيدة عن مشروع “ألف مبرمج”. كلاهما يقول إن الطالب يحتاج إلى تجربة عملية، إلى فريق، إلى وقت محدد، إلى مشكلة حقيقية، وإلى احتكاك بشيء يشبه السوق.

المسألة ليست في عدد المسابقات أو الدورات فقط. المسألة في ما إذا كانت هذه الأنشطة ستصبح جزءاً من مسار جامعي مستقر، لا مبادرات متناثرة. كل كلية معلوماتية أو معهد حاسوب يمكن أن يكون مختبراً صغيراً. لكن ذلك يحتاج إلى أساتذة محدثين، وأجهزة مقبولة، وإنترنت مستقر، وشراكات مع السوق، ومشاريع تخرج لا تنتهي على رف.

السوق الرقمي لا ينتظر أحداً

الأرقام العامة عن البيئة الرقمية في سوريا تشرح حجم التحدي. في بداية 2025، كان في البلاد نحو 9.01 ملايين مستخدم للإنترنت، بنسبة انتشار تقارب 35.8%، مع 19.5 مليون اتصال خلوي تعادل 77.6% من السكان. هذا يعني أن الوصول الرقمي موجود، لكنه غير كاف ولا متساو. هناك فرق كبير بين امتلاك اتصال بالهاتف، والقدرة على العمل ثماني ساعات في مشروع برمجي يحتاج إلى كهرباء وإنترنت وأدوات دفع وتواصل منتظم.

من هنا، لا يجوز تحميل مشروع تدريبي أكثر مما يستطيع. “ألف مبرمج” يمكن أن يخرج شباباً مؤهلين، لكنه لا يستطيع وحده إصلاح البنية الرقمية. يحتاج المتدرب بعد التخرج إلى بيئة تسمح له بالعمل، لا إلى شهادة إضافية فقط. يحتاج إلى حاضنة، أو منصة، أو شركة، أو شبكة عمل حر، أو دعم في بناء أول عقوده.

تجارب أخرى تشير إلى الاتجاه نفسه. مركز DIGIT في سوريا يعرّف نفسه كمركز ابتكار يهدف إلى تمكين الشباب عبر الوصول إلى فرص في الاقتصاد الرقمي، وقد أظهر تقرير أممي أنه دعم في 2025 نحو 10 شركات ناشئة، وساعد أكثر من 100 مستقل على دخول الاقتصاد الرقمي، ونظم 69 فعالية. هذه أرقام متواضعة إذا قيست بحجم الحاجة، لكنها تكشف أن الطريق الممكن يبدأ من الربط بين التدريب والفرصة. التدريب بلا سوق يتحول إلى انتظار جديد. والسوق بلا تدريب لا يجد كفاءات كافية.

من المبرمج الفرد إلى الحل المحلي

هناك فرق بين تدريب مبرمجين للعمل الخارجي، وتكوين فرق قادرة على حل مشكلات محلية. الأول مهم لأنه يؤمن دخلاً ويخفف الهجرة. الثاني مهم لأنه يربط التكنولوجيا بحاجات المجتمع. الجامعات السورية يمكن أن تكون المختبر إذا التقطت هذه النقطة.

ما الذي يمكن أن يبرمجه الطلاب؟ تطبيقات لإدارة المدارس، حلول للعيادات المحلية، منصات صغيرة للتدريب المهني، أدوات لتتبع الخدمات، نظم أرشفة للبلديات، خرائط للزراعة أو المياه، أو تطبيقات تساعد المنظمات المحلية على إدارة مشاريعها. هذه ليست أحلاماً كبيرة. هي مشكلات يومية تحتاج إلى عقول تقنية قريبة منها.

إذا بقي مشروع “ألف مبرمج” موجهاً فقط إلى العمل الخارجي، فقد ينجح في خلق دخل لبعض الشباب. وهذا جيد. لكن إذا ارتبط جزء منه بمشاريع محلية داخل الجامعات والبلديات والمنظمات، فقد يصبح أوسع أثراً. هنا تتحول الجامعة من مكان يصدّر مهارة فردية إلى مكان ينتج حلولاً عامة.

لا تناقض بين الأمرين. يمكن للمبرمج أن يعمل مع عميل خارجي، وأن يشارك أيضاً في مشروع محلي. لكن ذلك يحتاج إلى تنظيم، وإلى من يطرح المشكلات بوضوح، ويمول النماذج الأولى، ويحول الأفضل منها إلى أدوات مستخدمة فعلاً.

مشروع “ألف مبرمج” خطوة مهمة لأنه يضع رقماً وزمناً وهدفاً أمام ملف ظل طويلاً أسير الكلام العام عن الشباب والتكنولوجيا. تدريب 1000 شاب وشابة خلال خمس سنوات ليس تفصيلاً صغيراً في بيئة أنهكتها الحرب وتراجع التعليم وضيق فرص العمل. لكنه ليس حلاً كاملاً أيضاً.

نجاح المشروع سيقاس بما بعد التدريب. كم متدرباً سيحصل على عمل؟ كم منهم سيبقى في الداخل؟ كم فريقاً سيبني منتجاً؟ كم شراكة ستُعقد مع القطاع الخاص؟ وهل ستتحول الجامعات إلى جزء من هذه الدورة، أم تبقى مجرد مصدر للطلاب؟

اقرأ أيضاً: تأسيس الشركات إلكترونياً في سوريا: نقلة في الاستثمار والتحول الرقمي

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى