مشاريع كهرباء بـ 7 مليارات دولار: أين وصلت الوعود الكبرى على الأرض؟

الكاتب: أحمد علي
الكهرباء في سوريا لم تعد تفصيلاً تقنياً يمكن إصلاحه بقرار إداري، بل صارت جزءاً من يوميات تُدار بالساعة. جدول التغذية يحدد مواعيد الغسيل والطهي والدراسة، ثم تأتي فاتورة المولدات والبطاريات لتزيد الضغط على الدخل. لذلك يلفت الانتباه إعلان عن استثمارات، لأن الناس تقرأ الأرقام كساعات إنارة محتملة. لكن قطاع الطاقة لا يعترف بالوعود المجردة، فالنتيجة تتوقف على قدرة توليد تعمل فعلاً، وعلى شبكة نقل وتوزيع لا تتسرب منها الطاقة، وعلى وقود متاح، وعلى إدارة توازن بين استعادة الكلفة وحماية الفئات الأضعف.
مشاريع كهرباء بين الوعد والتطبيق
في 29 أيار 2025 أعلنت دمشق توقيع مذكرة تفاهم مع تحالف دولي تقوده شركة UCC القطرية ويضم شركات تركية وأميركية، مع استثمارات قُدّرت بنحو 7 مليارات دولار، بحسب رويترز وبيان الشركة. الخطة تحدثت عن أربع محطات غازية بنظام الدورة المركبة بطاقة تقارب 4000 ميغاواط، إضافة إلى محطة طاقة شمسية بقدرة 1000 ميغاواط في جنوب البلاد. وحضر مراسم التوقيع الرئيس أحمد الشرع، كما أشارت رويترز إلى حضور مبعوث الولايات المتحدة إلى سوريا توماس باراكK وهذا يوضح أن السياسة جزء من الحكاية.
ربطت الوزارة والشركات الجدول الزمني بثلاث سنوات للمحطات الغازية وأقل من سنتين للمشروع الشمسي. وهذا يبدو واعداً إذا قيس بالواقع الحالي. رويترز قدّرت أن إنتاج سوريا من الكهرباء انخفض من نحو 9.5 غيغاواط قبل 2011 إلى قرابة 1.6 غيغاواط، وهو ما يفسر شح الساعات.
في المقابل، يبقى مهمّاً التذكير بأن الاستثمار المعلن يركز على التوليد، بينما قد تحتاج الشبكة نفسها إلى أموال وإصلاحات منفصلة حتى يصل أي تحسن إلى البيوت.
من التوقيع إلى الحفر
الانتقال من مذكرة تفاهم إلى محطة تعمل يمر عبر تفاصيل ثقيلة مثل الإغلاق المالي، واتفاقات شراء الطاقة، وضمانات الدفع، وتوريد المعدات. هنا يمكن قراءة أخبار أواخر 2025 كخطوة إلى الأمام لا كمنتهى الطريق. وكالة الأناضول تحدثت في 6 تشرين الثاني 2025 عن توقيع اتفاقيات نهائية لإنشاء وتشغيل محطات بقدرة إجمالية 5000 ميغاواط، مع ذكر مواقع مثل شمال حلب ودير الزور وزيزون ومحردة، ومشاريع شمسية موزعة.
ثم أفادت الصحف المحلية عن وضع حجر الأساس لمشروعات في دير الزور وزيزون، ما يوحي بدخول مرحلة الأعمال الميدانية في بعض المواقع.
مع ذلك، لا يعني الحفر أن الكهرباء ستصل بسرعة، فالمحطات الغازية تعتمد على سلسلة توريد وتمويل لا تتحمل التعثر، كما أن أي محطة تحتاج إلى ربط بالشبكة ومحطات تحويل وخطوط جاهزة. لذلك يصبح السؤال الواقعي عن مشاريع كهرباء هو ما الذي جرى التعاقد عليه فعلاً، وما الذي وصل للموقع، وما الذي بقي رهناً بقرارات مالية وأمنية.
اقرأ أيضاً: محطة التيم.. فقط لإنارة دير الزور أم لإعادة رسم خارطة الكهرباء في سوريا؟
شبكة نقل تبتلع الإنتاج
التركيز على التوليد وحده يشبه ملء خزان مثقوب. رويترز نقلت في 2 حزيران 2025 تقديرات تفيد بأن ثلثي شبكة نقل الكهرباء في سوريا إما مدمرة بالكامل أو بحاجة لإصلاح كبير، وأن وزارة الطاقة قدّرت فاتورة إصلاح الشبكة بنحو 5.5 مليارات دولار. التقرير نفسه تحدث عن سرقات للكابلات ومواد الشبكة وصعوبة حماية خطوط تمتد لمئات الكيلومترات، وهو ما يجعل أي زيادة في التوليد قابلة للتسرب أو للانقطاع قبل أن تصل إلى المستهلك.
ظهر هذا البعد أيضاً في حادثة انقطاع شامل للكهرباء في 1 نيسان 2025، حين نقلت رويترز عن متحدث باسم وزارة الطاقة أن أعطالاً في نقاط عدة من الشبكة الوطنية أدت إلى انقطاع على مستوى البلاد. المعنى هنا أن الأعطال والسرقات ليست هامشاً، بل هي جزء من المشكلة التي تحدد إن كان المواطن سيلاحظ فرقاً أم سيبقى يدور في حلقة التقنين والمولدات.
تمويل ووقود وأسعار واقعية
أشار بيان UCC إلى تمويل من بنوك إقليمية ودولية إضافة إلى ضخ رأسمال من الشركاء، مع نماذج تشغيل تقوم على البناء والتملك والتشغيل (BOO) أو البناء والتشغيل ثم النقل (B.O.T). هذه الصيغ قد تخفف العبء المباشر عن الدولة، لكنها تضع ملف الأسعار في الواجهة، لأن المستثمر يحتاج إلى تدفق نقدي يضمن استرداد الكلفة. ولفتت الصحف العالمية والمحلية إلى أن الكهرباء ظلت مدعومة لسنوات طويلة، وأن تخفيف الدعم في بلد ترتفع فيه معدلات الفقر مسار حساس يمكن أن يعطل أي إصلاح إذا لم يُدار بحذر.
ثم تأتي عقدة الوقود. سوريا كانت تعتمد بدرجة كبيرة على نفط إيراني لتوليد الكهرباء، وهذه الإمدادات توقفت بعد سقوط السلطة السياسية في أواخر 2024. وفي 4 أيار 2025 نقلت رويترز عن وزير الطاقة حديثه عن خط لاستيراد الكهرباء من تركيا عبر ربط بجهد 400 كيلوفولت، وعن مشروع لمد خط غاز طبيعي بين كيليس التركية ومدينة حلب يمكن أن يورد ستة ملايين متر مكعب يوميا لمحطات التوليد.
هذه المشاريع المساندة قد تكون جسراً مرحلياً قبل اكتمال المحطات الجديدة، لكنها بدورها تحتاج إلى أمن وتنسيق وتمويل لا يقل تعقيداً.
وعلى مستوى المناخ الاستثماري، رويترز ربطت تسارع اهتمام شركات أجنبية بإعلان رفع العقوبات الأميركية على سوريا في 2025، وتحدثت في تموز 2025 عن توجه شركات أميركية لإعداد خطة رئيسية لقطاع الطاقة. تخفيف القيود قد يسهل التحويلات وشراء المعدات، لكنه لا يلغي مخاطر الأمن وضعف البنية المصرفية وتقلبات العملة.
متى يشعر الناس بالفرق؟
حتى مطلع 2026 تبدو الصورة وسطية، الوعود انتقلت إلى عقود وتأسيس في بعض المواقع، لكنها لم تصل إلى مرحلة إنتاج يغير جدول التقنين جذرياً. في المقابل أعلنت وسائل إعلام رسمية سورية في آب 2025 أن وزارة الطاقة بدأت تطبيق خطة لرفع ساعات التغذية تدريجيا إلى 8 أو 10 ساعات يومياً في مرحلة أولى عند توافر الوقود والبنية، ثم السعي إلى نحو 12 ساعة لاحقاً.
وهذا مؤشر قابل للقياس إن تحقق، لكنه يظل مرتبطاً بعوامل خارج المشروع المعلن، مثل توفر الوقود واستقرار الشبكة وقدرة الفرق على حماية خطوط النقل.
المعيار الأكثر عدلاً في متابعة مشاريع الكهرباء ليس التصريحات وحدها، بل ما ينشره أصحاب القرار والمستثمرون من تقدم يمكن التحقق منه، مثل نسب إنجاز الأعمال المدنية ووصول المعدات وربط المحطات بالشبكة وخطط خفض السرقات. عندها فقط يمكن لسبعة مليارات دولار أن تتحول من عنوان جذاب إلى تيار أكثر ثباتاً.
اقرأ أيضاً: فاتورة بدون عداد.. كيف تحولت الكهرباء إلى عبء على الأسر السورية؟









