سياسة

مشاريع عقارية بـ 50 مليار دولار: فقاعة استثمارية أم فقاعة وعود؟

الكاتب: أحمد علي

لا تبدأ الأسئلة الجدية من حجم الرقم، بل من الطريق الذي يفترض أن يسلكه الرقم كي يصبح واقعاً. خمسون مليار دولار في بلد مثل سوريا ليست خبراً عقارياً عادياً. هي رقم يدخل فوراً إلى مساحة السياسة والاقتصاد والحقوق، لأن البلاد لا تنقصها الأبراج في الخيال، بل تنقصها القدرة على تحويل الوعود إلى عمران يمكن قياسه، وخدمات يمكن استخدامها، وسكن يستطيع الناس الوصول إليه.

مشاريع عقارية بين خبر كبير وسؤال أكبر

الحديث الأخير يدور حول دراسة شركة إيغل هيلز الإماراتية تنفيذ مشروعين عمرانيين كبيرين في سوريا، أحدهما في منطقة دمر بدمشق، والآخر في اللاذقية، بكلفة تطويرية تتجاوز 50 مليار دولار. المشروعان، بحسب ما نُشر، ما زالا في مرحلة أولية، حيث تتركز النقاشات على الأطر التنظيمية وآليات التنفيذ والتمويل. هذه الجملة وحدها تكفي لوضع الخبر في مكانه الصحيح. نحن أمام احتمال استثماري كبير، لا أمام مشروع منفذ فعلاً.

الفارق مهم. الكلفة التطويرية ليست مالاً مدفوعاً. والدراسة ليست عقداً نهائياً. وحضور اسم شركة معروفة لا يعني أن الجرافات بدأت العمل أو أن التمويل أُغلق. لذلك لا يفيد التعامل مع الرقم على أنه خلاص قريب، ولا يفيد أيضاً رده باعتباره مجرد دعاية. المطلوب قراءة أبطأ. ماذا تعني هذه المشاريع العقارية لسوريا؟ ومتى يكون الإعلان بداية استثمار، ومتى يتحول إلى فقاعة وعود؟

الأرقام التي تصنع الضجة

المشروع المطروح في دمر بدمشق يقوم، وفق المعلومات المنشورة، على مساحة تقارب 33 مليون متر مربع. ويتضمن نحو 73 ألف وحدة سكنية، وحوالي 3200 غرفة فندقية، ومساحات خضراء تتجاوز 7 ملايين متر مربع، إضافة إلى شبكة طرق تمتد مئات الكيلومترات. وتشير التقديرات المتداولة إلى أكثر من 100 ألف فرصة عمل خلال مرحلة الإنشاء، مع فرص دائمة لاحقاً إذا انتقل المشروع إلى التشغيل.

أما مشروع اللاذقية، فتبلغ مساحته المقترحة نحو 15 مليون متر مربع، ويتضمن أكثر من 29 ألف وحدة سكنية، ونحو 2800 غرفة فندقية، إلى جانب حدائق ومرافق عامة. بهذا المعنى لا يدور الحديث عن مجمعين محدودين، بل عن تدخل عمراني واسع يمكن أن يغير شكل مناطق كاملة في العاصمة والساحل إذا وصل إلى التنفيذ.

لكن ضخامة الأرقام لا تعطي الجواب. في مشاريع بهذا الحجم، السؤال الأول ليس كم وحدة ستُبنى، بل من سيمول، وعلى أي شروط، وما وضع الأرض، ومن هي الفئات المستهدفة، وكيف سيجري ربط المشروع بالبنية التحتية القائمة. الرقم الكبير قد يكون مدخلاً إلى تنمية فعلية، وقد يكون عنواناً يسبق التفاصيل التي لا تأتي. هنا يبدأ الاختبار.

إعادة الإعمار أوسع من التطوير العقاري

تقديرات البنك الدولي تساعد على وضع المسألة في سياقها. في تشرين الأول 2025، قدّر البنك كلفة إعادة بناء الأصول المادية المتضررة في سوريا بنحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق يتراوح بين 140 و345 مليار دولار. ويتوزع التقدير المركزي بين 82 مليار دولار للبنية التحتية، و75 ملياراً للمباني السكنية، و59 ملياراً للمباني غير السكنية. أما الأضرار المباشرة فقُدرت بنحو 108 مليارات دولار، منها 52 ملياراً في البنية التحتية، و33 ملياراً في المباني السكنية، و23 ملياراً في المباني غير السكنية.

أمام هذه الأرقام، تبدو الخمسون مليار دولار رقماً مزدوج المعنى. هو ضخم بلا شك، لأنه يعادل قرابة ربع التقدير المركزي لإعادة الإعمار المادي. لكنه محدود أيضاً إذا كان سيتركز في مشروعين عقاريين، مهما كان حجمهما. فالإعمار السوري لا يقتصر على واجهات سكنية وفندقية. هناك كهرباء ومياه وصرف صحي ومدارس ومشاف وطرق وسكن متضرر وملكية غائبة وناس لا يعرفون إن كانوا سيعودون إلى أماكنهم أم لا.

لهذا لا يكفي أن يُقدم الاستثمار العقاري بوصفه مرادفاً للإعمار. قد يكون جزءاً منه إذا ارتبط بحاجة سكنية وخدمية حقيقية. وقد يصبح مساراً منفصلاً عنه إذا استهدف شرائح محدودة، أو أقام مناطق حديثة وسط اقتصاد مرهق لا يستطيع معظم سكانه دخولها إلا كعمال أو متفرجين.

السكن ليس رقماً في مخطط

تبدو آلاف الوحدات السكنية، للوهلة الأولى، خبراً جيداً في بلد عانى من دمار واسع ونزوح طويل. لكن السؤال لا يتوقف عند العدد. 73 ألف وحدة في دمر، وأكثر من 29 ألف وحدة في اللاذقية، لا تعني تلقائياً أن أزمة السكن ستتراجع. المعنى يتحدد بسعر الوحدة، وطريقة الدفع، ونوع التمويل، وحصة السكن الميسر، وموقع السكان الأصليين من العملية كلها.

في سوريا، لا يعيش معظم الناس أزمة اختيار بين مشروع فاخر وآخر متوسط. الأزمة أعمق. ملايين فقدوا بيوتهم أو غادروها، ونسبة واسعة من السكان تعيش تحت ضغط دخل محدود وارتفاع في كلفة المعيشة. في مثل هذا الواقع، يصبح الحديث عن السكن محتاجاً إلى تمييز واضح بين مشروع عقاري تجاري وسياسة سكنية عامة. الأول يبحث عن عائد. الثانية تبحث عن وصول الناس إلى بيت قابل للحياة.

لا مشكلة في أن يبحث المستثمر عن الربح. هذه طبيعة الاستثمار. المشكلة تبدأ عندما يُعرض المشروع التجاري كأنه جواب اجتماعي عام من دون أن تُنشر شروط الوصول إليه. من يستطيع الشراء؟ هل توجد قروض طويلة الأجل؟ هل المصارف قادرة على تمويل الأسر؟ هل ستتضمن المشاريع وحدات بأسعار مناسبة، أم ستكون موجهة إلى فئة ضيقة من أصحاب السيولة؟ هذه الأسئلة لا تقلل من قيمة المشروع، بل تحدد ما إذا كان مشروعاً عمرانياً أو مجرد منتج عقاري كبير.

موجة الإعلانات الكبيرة

لا يأتي خبر إيغل هيلز منفصلاً عن موجة أوسع من الإعلانات الاستثمارية في سوريا خلال عام 2025. فقد وُقعت مذكرات واتفاقات بقيمة 14 مليار دولار لـ12 مشروعاً، شملت توسعة مطار دمشق الدولي باستثمار 4 مليارات دولار، ومترو دمشق باستثمار ملياري دولار، ومشروعاً لبناء 60 برجاً سكنياً يضم 20 ألف وحدة خارج العاصمة باستثمار ملياري دولار. كما جرى الإعلان عن اتفاقات سعودية تتجاوز 6 مليارات دولار، وعن مشروع طاقة بقيمة 7 مليارات دولار لتطوير الشبكة الكهربائية.

هذه الإعلانات تعكس رغبة واضحة في فتح باب الاستثمار وخلق انطباع بأن الاقتصاد السوري يدخل مرحلة جديدة. هذا قد يكون مهماً بعد سنوات من العزلة والعقوبات والدمار. لكن كثرة الإعلانات تطرح سؤالاً موازياً. ما الذي خرج من خانة المذكرة إلى خانة العقد؟ وما الذي أُغلق تمويله؟ وما الذي بدأ تنفيذه فعلاً؟

الفرق بين الإعلان والتنفيذ لا يظهر في العنوان. يظهر في العقود، والجداول الزمنية، ومصادر التمويل، وحقوق الدولة، وحصة الشريك، وآليات الرقابة، وطريقة التعامل مع الأرض والمجتمعات المحلية. من دون هذه التفاصيل يبقى الاستثمار واسعاً في اللغة، ضيقاً في الواقع.

فقاعة استثمارية أم فقاعة وعود؟

قد يكون من المبكر الحديث عن فقاعة استثمارية بالمعنى الاقتصادي التقليدي. الفقاعة تحتاج عادة إلى سوق نشطة، وأسعار ترتفع بسرعة، وتمويل واسع، ومضاربة متكررة. السوق السورية لا تقدم بعد صورة واضحة من هذا النوع. البيانات محدودة، التمويل المصرفي ضعيف، والقدرة الشرائية لمعظم السكان منخفضة، وما نراه حتى الآن أقرب إلى موجة إعلانات ومفاوضات منه إلى طفرة بيع وشراء.

لكن خطر فقاعة الوعود موجود. وهذا نوع مختلف من الفقاعات. لا يحتاج إلى شقق تُباع بالملايين، ولا إلى قروض ضخمة. يكفي أن تتحول المذكرات إلى إنجازات في الخطاب العام، وأن تُعامل الكلفة التقديرية كأنها أموال دخلت الاقتصاد، وأن يختلط المستثمر المحتمل بالمستثمر المنفذ، وأن يسبق الترويجُ التحققَ.

في هذه الحالة يصبح الرقم نفسه أداة سياسية ونفسية. يعطي أملاً، يرفع التوقعات، يخلق شعوراً بأن الإعمار بدأ. لكنه إذا لم يتحول إلى أعمال واضحة، قد ينتج خيبة إضافية. والخيبة في سوق خارجة من حرب ليست أمراً بسيطاً. إنها تضعف الثقة، وتربك المستثمر الجاد، وتدفع الناس إلى الاعتقاد بأن كل إعلان كبير هو خبر بلا أرض.

الأرض والملكية قبل الواجهة

العقار في سوريا لا يبدأ من قطعة أرض فارغة. يبدأ من سجل ملكية، ومن نزوح، ومن بيوت هدمت، ومن ورثة غائبين، ومن لاجئين قد لا يملكون أوراقهم كاملة، ومن عقارات تغيرت أوضاعها خلال سنوات الحرب. أي مشروع كبير يتجاوز هذه الخلفية قد يضيف نزاعاً جديداً إلى نزاعات قائمة.

لهذا يجب أن يسبق السؤال الحقوقي السؤال المعماري. من يملك الأرض؟ كيف ستخصص؟ هل توجد اعتراضات؟ هل سيجري تعويض المتضررين؟ هل سيملك السكان الأصليون حق العودة أو المشاركة أو الاستفادة؟ وما دور البلديات والمجتمعات المحلية في التخطيط؟

هذه الأسئلة قد تبدو بطيئة أمام لغة المليارات، لكنها تحمي المشروع قبل أن تحمي الناس فقط. الاستثمار الذي لا يستند إلى وضوح قانوني قد يتعثر عند أول نزاع. والمدينة التي تُبنى فوق حقوق معلقة لا تستقر بسهولة. الواجهة الزجاجية لا تحل مشكلة الملكية، ولا تعوض غياب الثقة.

ما الذي يجعل المشروع حقيقياً؟

يمكن تمييز المشروع الجاد من الوعد الكبير عبر علامات محددة. وجود عقد معلن، خطة تمويل واضحة، جدول زمني بمراحل قابلة للقياس، إطار قانوني يوضح الملكية والتشغيل والعائدات وتسوية النزاعات، ودراسة أثر اجتماعي وبيئي تشرح ما سيحدث للسكان والبنية التحتية والموارد.

إذا ظهرت هذه العلامات، يصبح النقاش أقل ارتباكاً. يمكن عندها تقييم المشروع بوصفه استثماراً قائماً، لا خبراً قيد الاختبار. أما إذا بقيت المعلومات الأساسية غائبة، فسيظل الرقم أقوى من الحقيقة، وستبقى الأسئلة مشروعة حتى لو بدت مزعجة.

هناك مسألة أخرى. هل تأتي هذه المشاريع ضمن خطة وطنية واضحة لإعادة الإعمار، أم تتحرك كفرص منفصلة؟ إذا كانت منفصلة، فقد تنتج مناطق ناجحة تجارياً لكنها ضعيفة الصلة بحاجات البلاد الأوسع. أما إذا اندمجت في خطة للخدمات والنقل والسكن والعمل، فقد تصبح جزءاً من عملية تعاف أوسع. الفرق هنا ليس فنياً. هو الفرق بين مشروع يبيع عقاراً ومشروع يساهم في بناء مدينة.

لا رفض سهل ولا قبول سهل

سوريا تحتاج إلى الاستثمار. حجم الدمار أكبر من قدرة المال العام، والقطاع الخاص المحلي لا يستطيع وحده حمل إعادة الإعمار، والبلاد بحاجة إلى رأس مال خارجي وخبرة وشبكات تنفيذ. لذلك لا يكون التشكيك التلقائي في كل مشروع كبير موقفاً عملياً. لكنه ليس عملياً أيضاً أن يتحول كل إعلان إلى احتفال مسبق.

المعيار يجب أن يكون أبسط وأشد في الوقت نفسه. ما الذي سينفذ؟ من سيمول؟ من سيستفيد؟ من سيُعوَّض؟ هل توجد حصة للسكن الميسر؟ هل ستنشأ فرص عمل فعلية للسوريين؟ هل ستتحسن الخدمات العامة، أم ستنشأ جزر عمرانية مستقلة عن محيطها؟

إذا أجابت المشاريع العقارية المطروحة عن هذه الأسئلة بوضوح، فقد تكون بداية مسار مهم في اقتصاد يحتاج إلى دفع قوي. وإذا بقيت محاطة بالغموض، فستبقى أقرب إلى فقاعة وعود، حتى لو حملت أرقاماً كبيرة وأسماء معروفة. فالاستثمار لا يُقاس بحجم الإعلان فقط، بل بقدرته على النزول من الخبر إلى الأرض.

خمسون مليار دولار قد تكون بداية. وقد تكون عنواناً كبيراً لمرحلة لم تبدأ بعد. سوريا لا تحتاج إلى التصفيق قبل السؤال، ولا إلى الرفض قبل الفحص. تحتاج إلى استثمار حقيقي، معلن الشروط، واضح الحقوق، مرتبط بحاجات الناس لا بصورة المدينة فقط. عند هذه النقطة وحدها يمكن أن يتحول الرقم من وعد إلى عمران.

اقرأ أيضاً: الاحتيال في سوق العقارات: كيف تتحول الصفقات إلى نزاعات طويلة؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى